on
Archived: سلام الكواكبي: أبيض أو أسود
| حيثيات الملفات المطروحة بينهما لم يُطلع الأتراك، ولا الروس، أصحاب العظمة التحليلية عليها |
سلام الكواكبي: العربي الجديد
لطالما توزّع السوريون بين معسكراتٍ وخنادق ذهنية وحسيّة منذ القديم. وبالتأكيد، لم يتميزوا وحدهم بهذا التوزّع الذي مارسته كل المجموعات البشرية. وفي أثناء بنائهم الدولة الأمة الذي، إن بدأ يوماً، فهو لم يكتمل، برزت لديهم نزعاتٌ عقائديةٌ حاسمة بعيداً عن “الوسطية” والمرونة، على الرغم من الحديث الوردي عن مرونتهم التجارية ووسطيتهم الدينية.
وعلى الرغم من رسوخها تاريخياً في الثقافات السياسية المتعاقبة (والمُعاقِبة) للمجتمع، إلا أن هذه الخاصية تبلورت بشدة مع بدء الحَراك الاحتجاجي سنة 2011، وتطوّر مساره إلى ثورةٍ سلميةٍ، قبل انتقاله وتحوّله إلى النسخة المسلحة للثورة، وما آلت إليه. وتخندق كلٌ منا في فكرته، وفي موقفه وفي تحليله وفي تقييمه وفي تنديده وفي مديحه…إلخ. لم يعد هنالك للحوار مطرح. ولم يعهد أحدٌ التراجع، ولو قيد أنملة، عن موقفٍ ما، اعتراه أو تبنّاه، عبر النقاش. في المقابل، فهو قابل، وبأريحية شديدة جالبة للانتباه، وربما للدهشة، للتقلّب وتغيير اللون وقلب المعطف، إن جاء “الأمر” أو أملت “المصلحة” الشخصية أو الفئوية ذلك.
برزت هذه الممارسة في مشاهد سياسية ودينية واجتماعية عدّة. وقد توّجت، أخيراً، بالموقف من الانقلاب العسكري الذي قام في تركيا وفشل. فما كان إلا أن انبرى المحللون والخبراء إلى الخوض في دهاليز العمل الاستخباراتي، واختراع الروايات ذات اليمين وذات الشمال، كما لو أننا في صالون دردشة بعيداً عن أي شعور بالمسؤولية، المنهجية على الأقل، في التحليل وفي الاستنتاج. فصار الواحد منهم يستميت في إجزال أسمى عبارات “التحية والإجلال” لما سموه “السلطان العظيم”، رجب طيب أردوغان. وصاروا أكثر تركيةً من الأتراك أنفسهم خوضاً في متاهات دهاليز السياسة التركية المعقدة والمبنية، مبدئياً وبنسبية معقولة، على أسس الدولة/ الأمة الحديثة. وهي التي، لسوء حظ معظمهم، لم يعرفوها عملياً ولم يتعرّفوا عليها حتى نظرياً.
لقد تلقّى المتملقون الجدد، سوريين وعرباً، درساً لن ينسوه، متمثلاً بـ “بهدلة” أدبية متلفزة، تعرّضوا لها من أحد مستشاري الرئيس التركي، والذي علّق بسلبيةٍ شديدةٍ على الأسلوب “السوقي” في مديح الرؤساء المستخدم من بعضهم، وقد اعتبر أن خطاباتهم الجوفاء ومواقفهم العمياء وهطولاتهم اللفظية في دعم الرئيس التركي، وشتم معارضيه واختراع الخرافات واستخدام الإسقاطات الدينية، لا يمكن، بأي حال، أن يفيد المسألة الديمقراطية في البلاد، إلا أن ذلك لم يثنهم عن المتابعة، وعن الإيغال في الأمر، وكأنما لهم أذن من طين وأذنٌ من عجين، وبانوا للعلن وكأنهم يُعيدون إنتاج خطاب الاستبداد، ولعب دور المتمجدين أي حاكمٍ ما دام ينظر في أمور مصالحهم الضيقة. هذا الحاكم الذي ربما ادّعى بعضهم يوماً أنه ثار عليه.
لم تتبين تفاصيل المصالحة التركية ـ الروسية بعد، إن اعتبرنا أصلاً أن الفتور الدبلوماسي والتصريحات النارية بين الدول يمكن أن تكون عداءً مطلقاً. وحيثيات الملفات المطروحة بين الدولتين لم يُطلع الأتراك، ولا الروس، أصحاب العظمة التحليلية عليها. وبالتالي، فالخوض في تفاصيلها وانعكاساتها يجب ان يعتمد على القراءات المتواضعة، وعلى تقاطع “البيانات”، كما على الاستعادات التاريخية ليُصار، ربما، إلى بناء تصوّر محدود مع إشارات استفهام عديدة عن مآلاتها.
إن كان أردوغان “معبود” بعض الجماهير، لأسباب موضوعية وعاطفية وعقائدية، فليس من المنطقي أن يتحوّل، بين ليلة وضحاها، بالنسبة لبعض هذه الجماهير نفسها، إلى عدو شرس قد باع القضية، وأيما قضية. فالانعطاف، كما يحلو لبعضهم قراءة المشهد الجديد بين البلدين من خلاله، ليس إلا جزءاً طبيعياً من مسار سياسي لدولتين فاعلتين دولياً وإقليمياً. من جهة أخرى، يتنطّح بعضهم، ويعتبر أن زيارة الرئيس التركي روسيا كانت تحمل، في صلبها، القضية السورية، وأن إردوغان “خير من يُمثّل” قضية السوريين، وأنه “يحملها في قلبه”. تعابير بعيدة عن أي منطق وعن أي سياسة، وهي مُضرّة لعدة أطراف في المعادلة: السوريون وأردوغان والعقل.
في لقاء مضى مع ممثلين عن المجتمع المدني التركي، من غير المقربين إلى حزب العدالة والتنمية، طُرحت المسألة السورية ببعديها الإنساني والسياسي، كما جرى التعمّق في أحجية استغلال مأساة السوريين من بعض أحزاب المعارضة، للانقضاض على السياسات الحكومية في أنقرة بأي ثمن. وبعد طول نقاش، اقترح بعضهم أن يُصار إلى التواصل مع أحزاب المعارضة ونقاباتها، لمحاولة تحييد الاستقطابات السياسية التركية عن الملف السوري. وتم استعراض هذا الاقتراح مع بعض ممثلي السوريين السياسيين في تركيا، فكان الجواب رفضاً قطعياً، لأن هذا التوجّه “سيُغضب أصدقاءنا” في الحكومة. وعندما نُقل هذا التخوّف إلى هؤلاء “الأصدقاء”، قيل بكلامٍ واضح لا لُبس فيه وبالسورية المحكية: “أرجوكم تكلموا معهم علّهم يعتقوننا قليلاً من هذه الأسطوانة المشروخة”.
تقول ألف باء السياسة إنها كانت رسالةً واضحةً وضوءاً أخضر للانفتاح على كل مكونات الشعب التركي، حيث يُقيم أكثر من ثلاثة ملايين سوري في ربوعه. أما جهابذة السياسة من أترابنا، أو بعضهم، فلم يجد فيها إلا فخّاً يُراد منه الايقاع بهم وامتحان ولاءاتهم.
اقرأ:
سلام الكواكبي: البحث عن الشوكولا بين الدماء