Archived: مشاهد من حلب قبل أن يُطبِق الحصار على المدينة

محمد نبهان: الحياة

الجميع يتكلم عن حلب، وعن معارك حاسمة هناك، وكما جرت العادة أخيراً، يتم وصف حلب بأنها المدينة الأخطر في العالم، وأنها المدينة الأكثر تعرضاً للتدمير منذ الحرب العالمية الثانية. أيضاً وأيضاً، لطالما ذكر اسمها في بداية كل اجتماعٍ لأي مؤسسة تهتم بالشأن الإنساني.

من جهتي، فالوضع مختلف قليلاً، فعندما أسمع اسم «حلب»، لا يحيلني خيالي إلى تلك المدينة المتروكة لإجرام قوى الطيران متعدد الجنسيات، كما لا أرى الأعداد الكبيرة من الميليشيات التي تنهش لحم المدينة وبشرها وكل ما هو حي فيها ليلَ نهارَ من دون رقيبٍ ينصف الضحايا. ليس أيٌّ مما سبق، وإنما على نقيض ذلك، أتذكرُ حلب في أبهى حللها.

لقد أتيحَ لي المقام لعامٍ كاملٍ فيها، حفلَ بكثيرٍ مما حفر في ذاكرتي. دخلتُ حلب وعلى مدخلها مكتوبٌ على رخامٍ صقيل: «حلب الوفاء»، توكيداً على تبعيتها لنظام الأسد، الذي كان آنذاك يشهد منذ أشهر سبعٍة ثورةً تتصاعد وتيرتها ضده. كان وصولي نهاية العام 2011 عندما قصدت جامعتها التي كانت في الساعات الأولى للقائي بها تشهد استقطاباً حاداً غلب عليه، على ما بدا لي، انجذابها إلى ضفة النظام، في شكلٍ أو في آخر، إذ أذكر ذلك الموقف الغريب، حين أُجبرت من موظف التسجيل، على الذهاب معه أنا وجميع من أراد التسجيل في ذلك اليوم، إلى واحدة من المسيرات المؤيدة في ساحة سعدالله الجابري. يومها، كان شأني شأنُ الجميع، ممن كانت وجوههم تشي بغضبٍ مكتوم، وتجنبوا على رغم ذلك، الاحتجاج على الدعوات «العفوية» التي نظمتها المؤسسات الحكومية والنقابات، ما قادنا في النهاية إلى هناك.

رواية الاصلاح

لم يطل هذا النفاق، كما لم تعش رواية الإصلاح في حلب طويلاً، فضلاً عن أسطورة الصمت المطبق على المدينة منذ ما بعد الثمانينات، وإلى الأبد. لقد قُضيَ على كل تلك الثرثرة الموجهة في الذكرى السنوية الأولى للثورة، إذ احتُجزتْ مجموعة من الطلبة الجامعيين، كنتُ بينهم، إضافة إلى شبان قادمين من أحياء المدينة، بعد انطلاق تظاهرة الجامع الكبير «الجامع الأموي»، في طقسٍ بدا أقرب الى الاحتفال الذي دُعيَ إليه، وأُشيعَ كنبوءةٍ في كل مناطق حلب، وهمساً بين طلبة جامعتها.

ضربنا موعداً بعد صلاة الظهر فور خروج المصلين، الأمرُ الذي لم يحدث وفق الخطة المأمولة تلك. كان أحد المشاركين متّقدَ الحماسة، إلى درجة أنه سارع إلى الهتاف بالتكبير في بهو الجامع، وقبل خروج الناس. كنتُ أنا وصديقي نلتقط أحذيتنا في تلك اللحظة، لنكتشف ما أن التفتنا حولنا أن قسماً لا بأس به ممن عَلِموا بالتظاهرة وكانوا ينوون المشاركة فيها، كانوا في الخارج لأسباب شتى. منهم من تردد خوفاً من عيون المخبرين، ومنهم من لم يكن في وارد الصلاة، من أشخاص ليبراليين أو يتبنون أسلوب حياة ٍغير ديني. عند بدء التكبير، اشتعلت حماسة هؤلاء أيضاً، لتتطور الأمور في ثوانٍ إلى إطلاق الرصاص من مخبري النظام وشبيحته المنتشرين في كل مكان. بدا أن مدخلَ الجامع وداخله خاليان من أعوان النظام، ما دفع الموجودين قريباً من الباب إلى إغلاقه، لنأمن نسبياً إلى بعضنا بعضاً ويبدأ ما هو أقربُ إلى التعارف الحذر، مواجهةٌ عارية بين الخوف والضرورة.

علم الاستقلال

التجأ الجميع في البداية إلى الاحتماء بالجدران والسقوف خوفاً من القناصين وأخبارهم التي كانت تفزعنا، إلى أن كسرت مجموعة من الشجعان الخوف فينا، بتسلقهم السور ورفع علم الاستقلال، علم الثورة السورية. يومها، وبينما كان الجميع مدركاً لحجم الخطر المحدق، ساد أيضاً وعيٌ جديد، لمستُه في حالة التقبل الجماعي لطيفِ اختلافاتنا كشبابٍ مناوئين للنظام، اختلافاتنا من حيث ألسنتنا وأفكارنا وطرق تعبيرنا. ما لا ينسى، تحديداً، من ذكرى ذلك اليوم، هو التجسيد الحي لأقصى إمكانات التعاون والتنسيق الفاعل بين المجموع، بدافعٍ من حتمية رفع المعنويات، وتصويب الرأي.

انتهى ذلك اللقاء الدامي بكسب مجموعةٍ من الأصدقاء، أحرصُ حتى اليوم على التواصل معهم. منهم من عبر البحر، ومنهم من انتهى به المطاف لاجئاً في لبنان أو تركيا، ومنهم من لا يزال صامداً في حلب المحررة.

يُفضي التأمل في حال الإنسان في حلب، الذي تحاصره فكرة الحصار بشجونها، حتى قبل أن يطبق الحصار أسواره حول المدينة. فمعنى فكّ الحصار عن حلب المحررة، عملياً، هو التوجه إلى محاصرة القسم الخاضع لسيطرة النظام من المدينة، وزيادة الضغط عليه. سيشكلُ موقفٌ كهذا، جحيماً حقيقياً بالنسبة إلى من يحمل السلاح على خط المواجهة في الجزء المحرر، وتقيم عائلته تحت سيطرة النظام في الوقت نفسه. عقبَ كل فرحٍ بالتحرير، تنهال القنابل وتُسفَكُ الدماء، ومع فكّ الحصار يطبقُ حصارٌ آخر.

أسألُ في حيرة العاجز الآن حيال التطورات المتسارعة: ترى لماذا أجدني في هذه الزاوية الحادة جداً، أفاضلُ بين حصارٍ وآخر؟ وما هو هذا القدر الأعمى، الذي قادنا إلى وضعٍ أجادَ وصفه المثل العربي القاسي: كجادع أنفه بيده؟.