on
Archived: أحمد العربي: اللارأسمالية في العقد الوطني والاجتماعي
أحمد العربي: كلنا شركاء
في الاجتماع الأخير بين هيئة التنسيق وائتلاف الدوحة جرى الاتفاق على الحاجة إلى ميثاق وطني أو إعلان دستوري يسهل العبور الناجح خلال المرحلة الانتقالية للحل السياسي للأزمة الطاحنة في سوريا. الاجتماع بحد ذاته فكرة جيدة، فهيئة التنسيق تحتاج إلى مزيد من تجاوز الماضي وأسئلته، ومن ثم التركيز على الواقع وعلى الحاضر؛ بينما يحتاج الائتلاف إلى النضج الإيديولوجي والخبرة الطويلة التي تمثلها مكونات هيئة التنسيق.
من الواضح أن كثير من مفردات هذا الميثاق أصبحت بديهية بالنسبة للجديين بخصوص الحل السياسي نحو سوريا ديمقراطية بالمعنى الحقيقي للكلمة (وليس بمعنى انتخابات تأتي بأكثرية نسبية مسعورة!) من هذه المفردات، التي أكدتها مؤتمرات فيينا وجنيف بشأن سوريا، حرية التعبير، التداول السلمي للسطلة، استقلال القضاء (الذي بدأ فيه مع إنشاء المحكمة العليا)، اللامركزية على أساس الأقاليم، العلمانية (بمعنى المساوة الكاملة بين جميع المواطنين أمام القانون، بدون أي استثناء)؛ وغير ذلك.
نهدف في مقالتنا هذه اقتراح إضافة بند جديد إلى الميثاق المأمول وهو اللارأسمالية (alter-capitalism).
بداية لنلاحظ أن الحجة الوحيدة المقنعة التي قدمت في بداية عهد الإصلاح والتطوير للتحول نحو المصارف الخاصة كانت إنهاء حالة الاغتراب عن المنظومة الاقتصادية العالمية. وللحق والأمانة فإن الدولة بذلت جهد لعقلنة نشاط المؤسسات المصرفة الجديدة. لكن في النهاية، البنك يبقى بنك ولا بد من حل جذري حقيقي.
المجتمع السوري قبل منذ عقود طويلة خيار الاشتراكية بالمعنى الواسع للكلمة لسببين مرتبطين بالثقافة والمزاج العام. السبب الأول هو رفض مظاهر الفقر والحاجة، والإيمان بضرورة تأمين الخدمات الأساسية التي يحتاجها المجتمع من منطلق ثقافة التكافل والتضامن والتعايش السلمي على أوسع مدى. السبب الثاني هو تعارض الربا، أو الفائدة على رأس المال، مع النص القرآني الصريح ومع الجوهر المتفق عليه للعقيدة الإسلامية وللهدي المحمدي.
(الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (277) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) – من سورة البقرة.)
والحق أن البيع مثل الربا، بمعنى أنهما متشابهان، ولكنه ليس مثل الربا، بمعنى أن الاختلاف الصغير بينهما مهم جداً، ومهم جداً أن نفهمه. فإذا كان “البيع مثل الربا” وأردنا أن نحرم الربا عندئذ ينتهي بنا الأمر بدولة تسيطر على كل الحياة الاقتصادية والاجتماعية وتملك كل شيء، والعياذ بالله من مثل ذلك. حتى آباء الماركسية-اللينينية لم يتخيلوا مثل ذلك. تحدث لينين عن أهمية المبادرة الفردية في الاقتصاد، بين أصر أعظم منظري الاشتراكية على إعلاء شأن الحرية فوق كل اعتبار. وبالفعل يتفق الجميع أن مثل هذا السيناريو هو جزء من الماضي وليس جزء من المستقبل.
جزء من الحل السوري للموضوع كان بتشجيع المصارف الإسلامية بهدفيه متوازيين متقابلين: تشجيع المجتمع على الاستثمار بإزالة الحاجز “الشرعي” من جهة، وعقلنة الجموح المصرفي الرأسمالي بأفكار خلاقة من جهة أخرى. لكن ما حدث خلال السنوات العشر الماضية أثبت أن مثل هذه الحلول هي ولن تكون إلا حصان طروادة، حصان خشبي سينتهي الأمر بسقوط المدينة إذا سمح له بدخول الأسوار. ولكن، وقد يكون هذا هو الدرس الأهم، ثبت أنه بالإمكان كسب الوقت، وكسب القلوب، عبر أفكار جريئة وخلاقة.
كما أن البديل عن الهويات القاتلة الدينية والعرقية في مجتمع التنوع السوري هو المزيد من الديمقراطية والعلمانية (واللامركزية) كذلك فإن البديل عن الوحشية الرأسمالية هو في الحلول الديمقراطية وليس الحلول التعسفية. هذه فكرة مهمة لاستشراف المستقبل الحر بشكل خلاق وأنيق.
باختصار ملامح الإصلاح المصرفي كما نتصوره هي كما يلي:
- تحرير سعر صرف العملة بالكامل (خصوصاً عندما يعم الأمن والأمان مرة أخرى، قريباً جداً إنشاء الله.)
- تحول الأموال الخاصة بدون عوائق من وإلى البلد، ولكن ليس رؤوس الأموال الخاصة بالشركات فهذه لا بد أن تخضع لعملية ضريبية جدية (لأن البيع ليس تماماً مثل الربا!)
- استحداث إطار قانوني ممتاز لإنشاء مصارف بلدية تمول المشروعات الصغيرة في الإطار المحلي.
- رفع حوكمة المصارف العامة إلى مستويات ديمقراطية غير مسبوقة بجعل سياستها الإقراضية في خدمة المجتمع وتعبيراً مباشراً عن إرادته وخياراته.
- التوضيح بأن المصارف العامة التي تدفع “مكافآت” معقولة على الإيداعات الطويلة ليست ربا بل هي عكس الربا لأنها سد في وجه الرأسمالية الربوية (لأنها أوجدت لتكون كذلك!)
- تشجيع المصارف الخاصة على التجمع في مصرف كبير يقدم الخدمات المصرفية غير الربوية كالدفع الإلكتروني ونحوه بمقابل مدروس. (يمكن أيضاً البحث في إمكانية صيغة لإقراض الأموال للمصارف البلدية أو الحكومية.)
- السهر الدائم على علاقة متوازنة وشفافة بين قطاع التمويل وقطاع الأعمال والتجارة.
إذن، نعم لبند يكرس اللارأسمالية في ميثاق شرف وطني لسورية المستقبل يمكن أن يلهم أقطار أخرى، وأن يتيح للتجربة السورية الأصالة التي تحتاجها لاستلهام القوة والزخم، ولفرض الاحترام في سياق الركب الحضاري العالمي.