on
Archived: نيويورك تايمز: لماذا لا يتدخل الجيش الأمريكي لحل الأزمة في سوريا؟
نيويورك تايمز : التقرير
تعتبر مذكرة وزارة الخارجية الأمريكية، التي سُربت الشهر الماضي بشأن سياسة الولايات المتحدة في سوريا، أحدث ما نُشر عن الاعتقاد السائد، داخل وخارج الحكومة، أن التدخل الأمريكي في سوريا أمر ضروري، سيكلل بالنجاح.
أصبح هذا الرأي مفهومًا، بعد خمس سنوات من وحشية حربٍ طاحنة، ففكرة حماية الولايات المتحدة للشرقَ الأوسط من نفسه، تستهوي صقور الليبراليين والمحافظين الجدد، على حد السواء، لكن للأسف عندما طغت هذه الفكرة مؤخرًا، ازداد وضع الأمن والاستقرار في المنطقة سوءًا، مثلما حدث في العراق عام 2003 وفي ليبيا عام 2011. وفي ضوء الظروف الجيوسياسية في سوريا، فإن تدخلًا على شاكلة ما أُقُترِح في المذكرة، يمكن أن يتسبب في عواقب أكثر خطورة مما تسببت فيها مغامرات سابقة.
يأتي ذلك لأنه من الواضح، أن من كتب المذكرة ومن معهم ممن يدعمون سياسة التدخل العسكري، لم يدركوا أن الولايات المتحدة في الواقع أضعفت نظام الرئيس بشار الأسد، بشكل فعال.
ففي العام 2015، ساهم برنامج العمل السري للإدارة الأمريكية في نجاح كبير للمعارضة السورية بشمال سوريا، عندما تعرضت اللاذقية، التي تمثل قلب النظام، للهجوم، إلى جانب الحد من نفوذ الجيش السوري في شمال غرب محافظة إدلب.
وكانت هذه الخسائر من العوامل الرئيسية التي دفعت روسيا للدخول في المعترك السوري، بعد سنوات من الصمت، ما سيعطي دافعًا لدعاة التدخل العسكري للاعتقاد أن الضربات الجوية الدقيقة، ستقلل من قوة نظام الأسد.
وإن أخذنا بعين الإعتبار انقضاض موسكو على فرصة التدخل بسبب دعم واشنطن السري للمتمردين، فإنه سيصبح من المنطقي، أن ترد روسيا بقوة أكبر في حالة دعم أمريكا العلني.
وفي الواقع، هذا الاحتمال هو الدافع الأرجح الذي جعل موسكو تبقي كتيبة جوية وآلاف الجنود في سوريا، للقيام بعمليات عادية هناك ومواصلة دعم الحكومة السورية.
وحتى في حال تخلي روسيا عن سوريا، فإن التدخل العسكري الأمريكي المباشر سيؤدي إلى مضاعفة تواجد إيران وحزب الله، حلفاء الأسد المقربين.
ويُخْطئ دعاة التدخل العسكري الأمريكي، عندما يعتقدون أن التدخل سيجبر الرئيس الأسد على الذهاب إلى طاولة المفاوضات، حيث لا توجد معادلة تجمع بين الرئيس السوري وخصومه، وخاصة منهم المتشددين الإسلاميين، فهو يفضل الذهاب هو وأصدقائه إلى ساحة القتال على أن يسلم سوريا للجهاديين السُّنة، وينطبق الشيء نفسه على إيران وحزب الله.
وتُعد المُعضلة الأكبر التي تطرحها المذكرة، هي التدخل بقوات على الأرض، إلى جانب الضربات الجوية، ونتيجة لذلك، لن يقف الأسد مكتوف الأيدي بل من المؤكد أن تكون ردة فعله أعنف، هذه المرة.
وفي حال صعّدت الولايات المتحدة من وتيرة وشدة الضربات الجوية بهدف إضعاف مقاومة الأسد، فإن روسيا وإيران وحزب الله لن يتوانوا عن التدخل والرد بقوة؛ لإنقاذ حليفهم الاستراتيجي، ما سيضع واشنطن أمام خيارين واقعيين فقط، وهما: إما التنحي والاكتفاء بمراقب ما يحدث، أو تصعيد الصراع وجره إلى حرب بالوكالة، مع الالتزام بالإجهاز على النظام السوري الحالي.
علاوة على ذلك، لن يأخذ التدخل العسكري المباشر ضد الحكومة السورية الدرس الليبي بعين الاعتبار، حيث إن تغيير النظام، غيّب الرغبة والقدرة على المشاركة في عمليات تحقيق الاستقرار، بل فتح الباب على مصراعيه للجماعات المتطرفة.
كما أنه سيتجاهل الدرس العراقي أيضا، حيث يتطلب الاستقرار الحقيقي، التصدي للفوضى وبناء الدولة، على حد سواء، لكن الولايات المتحدة، مثل معظم الديمقراطيات الناضجة، لم ترغب في استعمال القوة المفرطة، كما لم تكن لها القدرة على التحمل السياسي.
وعلى نطاق أوسع، لا يبدو أن الموقعين على المذكرة ورفاقهم قادرين على استيعاب أن الرئيس الأمريكي محدود الموارد للوفاء بكل التزامات الدولة الاستراتيجية العالمية، على غرار مواجهة الصين في المحيط الهادي، وتعزيز قدرة حلف شمال الأطلسي، مع إبقاء الأسلحة النووية بعيدة عن أيدي إيران، علاوة على ذلك لا يرغب في الدخول إلى مستنقع حرب مفتوحة في سوريا، البلد الذي تكون فيه المصلحة الوطنية للولايات المتحدة خفية ومعقدة، وإذا كان لدى الولايات المتحدة مصلحة عسكرية مباشرة في سوريا، فإن هذه الأخيرة ستصبح ميدانًا للقتلى الجهاديين، وهي الآن تتقدم بالفعل من خلال حملة جوية متواصلة وفعالة ضد تنظيم الدولة، من أجل تحقيق تلك النتيجة.
وبعيدًا عن هذه الاعتبارات الواقعية، تطرح المذكرة مفاهيم عامة مثل سلامة “النظام الدولي” لحماية المدنيين و”المساءلة” في انتهاكات حقوق الإنسان، وعلى الرغم من أنها بالفعل تمثل مخاوف حقيقية، فإنها تبقى نظرية من الناحية الاستراتيجية العملية.
وتكشف المذكرة أيضًا أن ضبط النفس الأمريكي في سوريا يضع مصداقيتها على المحك، فبكين ربما لا تبالي بكيفية تعامل واشنطن مع دمشق، سواء من الناحية الأخلاقية أو من الناحية العملياتية، لتقرر ما إذا كانت ستستولي على تايوان أو ستفرض سيطرتها على مضيق “ملقة”، لكن بالرغم من ذلك، لم يقوض ضبط النفس الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط، جهود التحالف الدولي المعادي للإسلام السني، كما أن من المستبعد أن يفعل ذلك.
ومن جانب آخر، هناك بالطبع مصلحة إنسانية كبيرة لأمريكا في سوريا وفي مساعدة الحلفاء والشركاء في تدفق اللاجئين، فقد قُتل نحو 400 ألف شخص، وجُوِع نحو 600 ألف، كما أُجبر الملايين على مغادرة منازلهم. لذلك، فالتهاون مع هذه الحرب الرهيبة هو غير مقبول بالمرة.
وخصصت الولايات المتحدة بالفعل ما يزيد عن 5 مليارات دولار لتخفيف المعاناة في سوريا ودعم الأصدقاء الضعفاء كالأردن، حيث إن إنفاق الموارد الأمريكية لتقديم الدعم للسكان المنكوبين وللحكومات الإقليمية إلى جانب رعاية العملية السياسية في سوريا، مهما كان مضنيًا، هو أفضل من القيام بعمليات عسكرية غير مجدية ضد النظام.