on
Archived: محمد الزيباوي: عن سوريا والشامات الخمس
محمد الزيباوي: المدن
قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مؤخرا إن سورية على وشك أن تُمحى من الخريطة والمسرح التاريخي نتيجة ما آلت إليه الأوضاع هناك، وشدّد على عدم إمكانية غض الطرف عن مسح دولة تمتد لعصور تاريخية بعيدة. يأتي هذا التصريح في زمن راج فيه الكلام عن نهاية الكيان الذي استُحدث في كنف الانتداب الفرنسي على هذه المنطقة العام 1925، واكتمل بعيد ما يُعرف بـ”انتفاضة الاستقلال” العام 1946. يُقال عادة أن العرب عرفوا سورية باسم “بلاد الشام”، وان اسم “سوريا” كان يُطلق على هذه البلاد في العهد الروماني، كما أضحى يطلق على قسم منها بعد الحرب العالمية الأولى، وهو القسم الذي تتألف منه “الجمهورية العربية السورية”. في الواقع، عرف العرب سورية الطبيعية باسم “بلاد الشام”، وعرفوا “سوريا” كـ”موضع بالشام بين خناصرة وسليمة”، نواحي حلب، كما يقول ياقوت الحموي في “معجم البلدان”، في زمن نهاية الدولة العباسية.خارج هذا التعريف، يتردّد اسم “سوريا” في حديث إمبراطور الروم هرقل، الذي نقله الرواة مع اختلاف في اللفظ في الكثير من المراجع. بحسب رواية الطبري، سمع هرقل بأمر رسول الله، فجمع الروم وقال لهم: “فهلمّ فلأصالحه، على أن أعطيه أرض سورية ويدعني وأرض الشام”، “وكانت أرض سورية، فلسطين والاردن ودمشق وحمص وما دون الدرب من أرض سورية، وما كان وراء الدرب عندهم فهو الشام”، كما يحدّد إمام المؤرخين. رفض الروم هذا الاقتراح، وقالوا: “نحن نعطيه أرض سورية وقد عرفت أنها سرة الشام، والله لا نفعل هذا أبدا”. خسر هرقل الحرب، و”التفت إلى سورية فقال: قد كنت سلمت عليك تسليم المسافر، فأما اليوم فعليك السلام يا سورية تسليم المفارق، ولا يعود إليك رومي أبدا إلا خائفا حتى يولد المولود المشؤوم وليته لم يولد. ومضى حتى نزل القسطنطينية”.
كانت سورية بالنسبة إلى العرب “سرة الشام”، ولم تكن “ديار الشام” الواسعة، وهي الديار الممتدة “من الفرات إلى العريش طولا، ومن جبلي طيء إلى بحر الروم عرضا”، كما كتب القزويني في “آثار البلاد”. وجبلا طيء هما اليوم جبلا شمر في منطقة حائل، شمال غرب الرياض، أما بحر الروم، فهو بلغة عصرنا البحر الأبيض المتوسط. من جهته، قدّم ابن عبد ربه الأندلسي في “العقد الفريد” تعريفا مختصرا بـ”ديار الشام”، ورأى أنّ “أول حد الشام من طريق مصر أمج، ثم يليها غزة، ثم الرملة، ومدينتها العظمى فلسطين وعسقلان، وبها بيت المقدس، وفلسطين هي الشام الأولى”. تليها “الشام الثانية”، و”هي الأردن، ومدينتها العظمى طبرية، وهي التي على شاطئ البحيرة، والغور واليرموك. وبيسان في ما بين فلسطين والأردن. ثم الشام الثالثة الغوطة، ومدينتها العظمى دمشق، ومن سواحلها طرابلس. ثم الشام الرابعة وهي أرض حمص. ثم الشام الخامسة وهي قنسرين، ومدينتها العظمى حلب”، “وساحلها أنطاكية مدينة عظيمة على شاطئ البحر”.
في ايام هرقل، “غلب المسلمون على بلاد سورية، وهي الشام والجزيرة”، يضيف المسعودي مصحّحا هذا التعريف في “التنبيه والإشراف”. في المقابل، يستعيد ابن العديم في “بغية الطلب في تاريخ حلب” حديث هرقل: “عليك يا سورية السلام”، ويضيف معلّقا: “وسورية هي الشام الخامسة، وأنطاكية منها، وقد ذكرنا مدينة خربة يقال لها سورية”. في الخلاصة، تبدّل المعنى هنا وهناك، فسورية “هي الشام والجزيرة” هنا، وهي هناك “الشام الخامسة”، وهي كذلك اسم لمدينة خربة في نواحي حلب. وُلدت سوريا الحديثة في القرن العشرين، وضمّت جزءا من بلاد الشام، وانقسمت “الشام الخامسة” بينها وبين تركيا، وهي في كتب التراث “سورية” التي بقيت موحّدة حتى هذا التاريخ. قبل عهد الاستقلال، حملت “الشام الخامسة” اسم “امارة حلب”، وشكّلت الحدود الشمالية لدولة المماليك، وضمّت هذه الإمارة مدن وبلدات تقع اليوم في جنوب تركيا الحالية، أهمّها عين تاب وأضنة واسكندرونة وأنطاكية.
سعى بنو عثمان إلى التمدّد جنوباً وذلك بهدف الوصول إلى مكة والمدينة وبسط سلطتهم على هاتين المدينتين المقدستين، وتثبيت حق الخلافة الإسلامية التي استقرّت في استانبول، وشكّلت حلب المدخل إلى تحقيق هذا الهدف. انتصر السلطان سليم الأول في معركة مرج دابق العام 1516، وسيطر على المدينة، وانطلقوا منها لفتح بقية بلاد الشام سلماً، وتمّ لهم ذلك بسرعة.
اعتمد العثمانيون التقسيمات الإدارية السائدة، وجعلوا من بلاد الشام ولاية واحدة تنقسم إلى عدة وحدات إدارية، وكانت حلب مركز هذه الولاية. في مرحلة ثانية، تمّ تقسيم هذه الولاية إلى ولايتين، هما ولاية حلب وولاية دمشق، وضمت الولاية الأولى أضنة ومرعش وعنتاب وأورفة ومعرة النعمان وحماة وحمص. وفي مرحلة ثالثة، استُحدثت ولاية طرابلس الشام، وضمّت اللاذقية وحماة وحمص. بعدها أنشئت ولاية الرقة، وشملت مناطق الجزيرة الفراتية وبادية الشام، وتبعتها ولاية صفد التي ضمت عكا وصيدا وجبل عامل وجبل لبنان. في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وُلدت متصرفية جبل لبنان، وتبعتها متصرفية القدس الشريف عام 1874. في الحقبة الأخيرة من العصر العثماني، فُصلت ولاية أضنة عن ولاية حلب، وضمت ولاية سوريا دمشق والأردن وجزءأ من فلسطين، إضافة إلى بعلبك والبقاع. وامتدت ولاية بيروت من حيفا إلى اللاذقية. واستبدلت ولاية الرقة بمتصرفية الزور.
في مطلع القرن العشرين، مع احتضار دولة العثمانيين، دخل العرب في مواجهة مفتوحة مع الأتراك. تصارع الطرفان على حكم حلب، وانتهى هذا الصراع مع عقد ما يُعرف بمعاهدة لوزان، حيت فُصلت حلب عن مدن الأناضول وبلداته التي كانت تابعة لها، ولم يبق من لواء حلب سوى العاصمة ولواء الإسكندرونة. العام 1939، ضمّت الدولة التركية هذا اللواء بمؤازرة من الانتداب الفرنسي، وحُرمت حلب من مينائها الرئيسي، وباتت معزولة عن محيطها الأناضولي “التاريخي”. في المقابل، عمد الفرنسيون في اول عهد انتدابهم إلى تقسيم سوريا إلى خمس دويلات، وهي دولة دمشق، دولة حلب، دولة الاسكندرونة، دولة العلويين، ودولة جبل الدروز. ولدت “دولة العلويين” بقرار اصدره المفوض السامي الفرنسي في 23 ايلول 1920، وتألفت يومها من “لواء اللاذقية” العثماني، وقضاء حصن الأكراد وصافيتا من “لواء طرابلس”، وطرطوس ومصياف من أعمال حماه. تحولت “دولة العلويين” إلى “حكومة اللاذقية” في عام 1930، وضُمّت هذه الحكومة إلى “حكومة دمشق” في الخامس من كانون الأول 1936 بقرار موقع من المفوض السامي للجمهورية الفرنسية، وذلك بعد ثلاثة أيام من صدور قرار يقضي بضم جبل الدروز، وهكذا ضمّت الدولة السورية الوليدة كل المناطق التي تقع ضمن حدودها المعروفة دوليا.
قبل مئة عام بالتحديد، وقعت القوتان الاستعماريتان الرئيسيتان، بريطانيا وفرنسا، اتفاقية سرية عرفت لاحقا باسم “سايكس- بيكو” تم بموجبها اقتسام ارث الدولة العثمانية في الشرق الاوسط بعد الحاق الهزيمة بها في الحرب العالمية الاولى. قسّم هذا الاتفاق العالم العربي إلى مناطق النفوذ بين القوى الكبرى آنذاك، وشكّل الأساس القانوني لحدود هذه الدول، واليوم، يقال إن الحدود التي رسمتها تلك الاتفاقية دخلت مرحلة التبدل والتحولات. وبينما يستمر مسلسل الحرب الضارية في انحاء الدولة السورية، ويتواصل تفكّك “الشامات الخمس”، يعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن سوريا على وشك أن تمحى من الخريطة والمسرح التاريخي نتيجة ما آلت إليه الأوضاع هناك.