on
Archived: مهدي محمود: الدولار سلاح بشار الأسد (النوعيّ)
مهدي محمود: إيوان
لا يستهان بالخبرات الميدانية التي اكتسبتها الأنظمة القمعية في حربها، ضد شعوبها، ذلك أن أسيادهم المستعمرين القدامى، يسوئهم أن يروا شعوب المنطقة تتخلص من نير عبوديتها، وتسترد حقوقها فبإضافة إلى الخبرات العسكرية الخاصة التي اكتسبها نظام الأسد، في حربه المعلنة ضد شعبه، كانت لعبة شيطانية جديدة تدور في خلد هذا النظام، تهدف بالمقام الأول إلى تركيع إرادة هذا الشعب، عبر زجه في مستنقع البؤس والحرمان، فكان لإحداث تخلخل في اقتصاد السوق، أثره الفعّال، عبر التلاعب بأسعار الدولار، وفي الحقيقة لم تكن هذه الحركات إلا استكمالاً لمشروع الانتداب الفرنسي، سحب النقود المعدنية “الذهب والفضة”، واستبدالها بالعملة الورقية، في زمن الانتداب، مما أدى إلى امتلأ الخزينة الفرنسية بالذهب والفضة، واليوم يجهز سليل الاستعمار بشار الأسد على الاقتصاد السوري، بالتلاعب بأسعار الدولار، حيث جعله يتقافز فوق سعر صرف الليرة السورية مئات المرات، ومع ما يرافق ارتفاع الدولار، من حمى استعار الأسعار، والارتفاع الصاروخي، في كافة السلع، حتى أن المواد الزراعية التي يكون انتاجها محلي، باتت تتأثر بالدولار، وكأن الدولار هو الذي يسعر البقل والقثاء والفوم والعدس، وهو بطبيعة الحال يهيج الشجع والشره، عند التجار الأزمات، ليصبح الاحتكار والتخزين شغلهم الشاغل، فينعكس ذلك على السوق ليصبح نجم أحاديث الناس هبوط الدولار وصعوده، حيث أنه قلب حياتهم جحيما.
وهنا تظهر “بطولات البنك المركزي وعبقريته”، في إعادة الدولار إلى حدود معقولة، وكأن الدولة كانت نائمة ثم استيقظت على وقع كارثة اقتصادية، لتثبت لأنصارها أنني قوية جداً، ولدي الكثير من الخيارات، ويمكن الوثوق بي، مع العلم أن هذه الحلول الترقيعية التي يطرحها البنك المركزي، لا تسمن ولا تغني من جوع، وأن الدولار سيعود في الصعود، كما هو الحال في كل مرة، لكن “البنك المركزي”، له أبعاد كثير من هذه الحركات أولها ترسيخ عقيدة أن الليرة السورية مرتبطة بالكرامة الوطنية، “كالعلم السوري”، الذي لا كرامة للمواطن بدونه البته، ورغم أن الليرة السورية منزلقة ولا تحتمل التداول، ولا الثبات، أمام الاضطرابات التي تعصف بالاقتصاد، لكن إحلال الاضطراب وعدم الاستقرار، في أسواق المناطق المنتفضة، هو هدف مقصود لذاته، وذلك لإحداث تغير ديموغرافي في المكون السني، ولإنعاش الهجرة الجماعية إلى خارج الحدود، فالناس نسوا طعم الاستقرار والثبات منذ زمن بعيد، و القاصي والداني يعلم أن رؤوس الأموال أصابها التوجس والارتياب، و فرت من قسوة الحرب مع استمرار الأسد بسياسة الأرض المحروقة ” الأسد أو نحرق البلد”، ومن هذا المنطلق يفرض البنك المركزي أوهامه العبقرية التي تعشعش في مخيلته، والتي تفرط في كل شيء ولا تضحي بمقولة: أن الدولة السورية هي دولة مؤسسات.
فتبدأ دولة المؤسسات بملاحقة الحلقة الأضعف “الصرافة”، في السوق السوداء، الذين اعتبرهم إعلام النظام مجرمي حرب، لأنهم يعرقلون “مسيرته الإصلاحية”، فساعة يتهمهم بالعمالة والخيانة، وساعة يصفهم بالقوارض التي تنهب الاقتصاد، وتمهد الطريق لأمريكا لسيطرة على البلاد.
وبين هذا وذاك يسطع نجم الدولار في الأحاديث السورية، ليس لأنه يرتبط بالمعاملات المالية والنقدية فقط، بل لأن طريق حلول البنك المركزي التعسفية، تجعل الدولار والحكومة، قصة من قصص الخيال الأسطوري، فالحكومة لها حساباتها الخاصة في صرف الدولار، فهي تصرفه بأقل من سعر الصرف في السوق السوداء، ثم تصرف الحوالات المالية التي يرسلها اللاجئين إلى أهليهم، بأقل من سعر صرف الدولار الذي يعلنه البنك المركزي، وتصرف المساعدات المالية للإخوة الفلسطينيين التي ترسلها الأونروا، بأقل من سعر الحوالات، هذه الازدواجية في تسعير صرف الدولار، تنسجم مع نظام، لا يراعي للمثل والأخلاق أي قيمة، ولا يرى غضاضاً في ذلك، فابتزاز المواطن أولى أولوياته، وباعتماد استراتيجية التشليح والتشبيح، التي تعلمها من الاشتراكية الشيوعية، “التي يراها حزب البعث مثله الأعلى في الحياة”، يتلاعب في صرف سعر الدولار كيفما يشاء، وكأنه يمتلك مصباح علاء الدين السحري، فيخرج المارد متى شاء، ويعيده متى شاء، وهذا المارد يفعل فعله بقلب حياة الناس رأساً على عقب، فهو يتحكم في سعر رغيف الخبز، ويقلل الأطباق على موائد الفقراء، ويعيد التاجر الصغير إلى مربعه الأول الذي انطلق منه، وأما المتنفذين والواصلين، فتسريبات هبوط الدولار وصعوده، تصل إليهم وبدقة عالية، ومن صناع القرار تحديداً، بهدف تمكين هؤلاء التجار الذين يدورون في فلك نظام الأسد، لذلك هربت رؤوس الأموال المستقلة، إلى أسواق أكثر أمناً واستقراراً، فهي لن تصبر تحت رحمة أخلاق البنك المركزي، الذي يصادر حرية الدولار الأمريكي، ويجعله أسير أهواءه وشهواته، أو يجعله، كسيراً ذليلاً، بين عشية أو ضحاها.
لقد أضحى النظام هو المستفيد الأول من ارتفاع سعر الدولار، عندما جعله طعم، لاستدراج البسطاء للانضمام إلى الميليشيات الإيرانية، التي تنفق بسخاء على عناصرها ما يعادل 500$ شهرياً.
هذه هي الحقيقة بلا رتوش: الدولار يتقافز فوق الليرة السورية، عندما يريد له النظام أن يتقافز، فيصبح ورقة ضغط، عندما يسحب الدولار من السوق السوداء، ويغرق السوق بالليرة السورية، ويمنع منعاً التعامل بالدولار من قبل البنك المركزي، مما يؤدي إلى ارتفاع سعر الدولار “نهضة خلبيه”، هذه هي سياسة النظام الاقتصادية “كسر الأمن الاجتماعي للحواضن السنية”، ليسهل اختراقها بلقمة عيشها، والعمل على استغلالهم لأبعد حد ممكن، والخاسر الأكبر هو المواطن البسيط الذي لا يعلم الكثير عن ألاعيب تجار المافيات التي تتحكم بالدولار والاقتصاد ولكن يعلم أن مخصصات السعرات الحرارية تتناقص في أجساد فلذات كبده.
مما اضطر المعارضة في المناطق الشمالية إلى إصدار قرار باستبدال الدولار بالليرة التركية، مما استدعى الذين اختزلوا حب الوطن بالأسد، إلى إطلاق، حملة على الفيسبوك، معتبرين ذلك خيانة عظمى، وانتهاك للسيادة الوطنية، وتحقيقاً لأطماع أردوغان التوسعية، فاستبدال الليرة التركية بالليرة السورية حرمان للبنك المركزي من شريحة واسعة من زبائن المغرر بهم.
والذي زاد الأمر سوءاً، الدينار الذهبي الذي أصدره تنظيم الدولة “داعش”، لكبح جماح البنك المركزي، خوفاً من الانزلاق اقتصاد داعش إلى وكر النظام.
وهذا نوع من الابتزاز، فلا أحد يستطيع أن يظهر الدينار الذهبي ويتداوله، خارج حدود داعش، خشية اتهامه، بالتعامل مع منظمات إرهابية، وهكذا تضيع أموال الناس بين: البنك المركزي عديم الأخلاق، ودينار البغدادي عديم الفائدة.
لذا والحال كذلك، أصبح هناك خوف حقيقي، من مارد الدولار والدينار، خوفاً يماثل الخوف الذي تلقيه طائرات الحقد الأعمى التي تدمر المنازل على رؤوس قاطنيها، والدولار يدمر، الاقتصاد ويجهز على الأرزاق المخبَّأ في المستودعات التي لا يصل إليها القصف العشوائي.
اقرأ:
مهدي محمود:مجلس الشعب ألعوبة الحكام