Archived: د. عزالدين دياب: التوظيف المستقبلي للأدب الفلسطيني في القضية الفلسطينية..

د. عزالدين دياب: كلنا شركاء

تمهيد:

ُيلزمنا منهج تحليل المضمون الذي تعتمده الدراسة في تحليل قصة: “من يكتب النهاية؟،” وهي من المجموعة القصصية: “رصيف الدموع””1” أن نقدم تعريفاً للمصطلحات الرئيسة التي ستشارك في توجيه هذه الدراسة جنباً إلى جنب مع منهج تحليل المضمون.

* التوظيف المستقبلي: ويقصد به وضع قضايا البناء الاجتماعي: الاقتصادية والاجتماعية  والسياسية والثقافية للمجتمع الفلسطيني في خدمة معركة المستقبل التي يخوضها الشعب الفلسطيني.

* الأدب الفلسطيني: كل ما ينتجه كتاب وأدباء ورجال الفكر الفلسطيني من شعر، وروايات، وقصة، وفكر اجتماعي وسياسي، وثقافي  يحكي، ويترجم، ويعبر بالكلمة عن نضال الشعب الفلسطيني، ومستقبله لبلوغ أهدافه وحقه التاريخي.

* القضية الفلسطينية: وتعني في جملة ما تعنيه وصول الشعب الفلسطيني إلى حقه التاريخي في تحرير كامل التراب الفلسطيني وعودة فلسطين إلى أمتها العربية، وإقامة الدولة الفلسطينية، وعاصمتها القدس

* النهاية هي البداية: إنّ ما انتهت إليه فلسطين في أعقاب النكبة عام 1948 لابد أن تكون بداية فلسطين للفلسطينيين،بوصفهم أصحابها من فترات تاريخية موغلة في قدمها، وهي أطروحة تحسب لعلم المستقبل.

وتنوه الدراسة إلى وجود مصطلحات أخرى ترد في متنها ستأتي إلى تعريفها محكومة إلى موقعها داخل النص، وعلاقاتها مع الموضوعات التي ترد إليها تباعاً.

1.

الأدب الفلسطيني والعنصرية الصهيونية:             

-1-

بداية إذا أردنا أن نبحث عن أدب ربط نفسه بمسارات قضايا وطنه المصيرية/ المستقبلية فإننا نجد الأدب الفلسطيني في قمة هذه الآداب. هذا القول لا يأتي بجديد إذا لم يقدم برهانه على أن القضية الفلسطينية، قضية العصر الراهن بامتياز، فمنذ أن بدأت ثورة ضد الاستيطان الصهيوني أصبحت قضية العرب الأولى، واحتلت مكانتها الثورية في كل الأقطار العربية، فذهبت إليها القطاعات الجدية المناضلة من أبناء الأمة العربية مشياً على الأقدام حاملة السلاح، وأصبحت قضية العصر لأنها أصلاً انتزعت من شعب فلسطين، وأعطيت للحركة الصهيونية التي مارست من تاريخ النكبة، وحتى هذا اليوم أبشع الممارسات العنصرية، منقادة بعقيدة دينية وسياسية قائمة على مجموعة من الأوهام والأساطير التلمود ية التي لا يقبلها العقل الواعي المستند إلى التاريخ وحقائقه وذاكرته، وإلى التراث الفلسطيني وشواهده التي تتساكن في قلب الحياة الفلسطينية، وهويتها العربية الكنعانية، وهي هوية عربية بالمولد، والثقافة، والنشأة، والجذور التاريخية.

والحق أَنّ اغتصاب فلسطين وتقديمها على طبق من ذهب، شكل وعد بلفور ممسكه وإسورته، نكسة إنسانية ستدفع الأمم ثمنه غالياً إذا تمكنت الحركة الصهيونية من الثبات والاستمرار في فلسطين، وتأسيس الدولة الدينية اليهودية، فالصهيونية حركة عنصرية تدعي أن التلامدة شعب الله المختار. كما أنها تستبيح دم الأغيار ووجودهم، في عرفها وعقيدتها التلمود ية الشعوب والأمم غير اليهودية.

إذاً؛ من ينكر من أصحاب الضمير الإنساني، وملاك القلم الحر، والرأي الإنساني الشجاع أن الأدب الفلسطيني صاحب شأن ومقام رفيع في تعرية الحركة الصهيونية ومخاطرها على العالم في المستقبل، لأنها في حقائق الثقافة والتاريخ والسياسة الوجه الآخر للنازية. أضف إلى هذا وذاك أنّ الأدب الفلسطيني خير من أبلغ الشعب العربي بأن فلسطين قضيته المصيرية الأولى، بل هي ثورته الحقيقية على أوضاعه وعسره التاريخي، وتَفَرُّقِه، وَتَحَارُبه.

وإذا كانت فلسطين هذا حالها وشأنها في أمتها العربية، كما أفاد عنها الأدب الفلسطيني، فهو بالنسبة لأبناء فلسطين تذكر حي ودائم وعلاقة مصيرية مع الأرض الفلسطينية وتاريخها وتراثها، وهو الذي يعد العدة لفلسطين المستقبل الذي يجعل من نهاية فلسطين في أعقاب النكبة إلى فلسطين للفلسطينيين.

الأدب الفلسطيني، والشخصية الاجتماعية الفلسطينية:

-2-

القول في العلاقة والتأثير المتبادل بين الأدب الفلسطيني، والشخصية الاجتماعية الفلسطينية يلزمنا أن ننظر نظرة تكاملية لأجزاء البناء الاجتماعي الفلسطيني، وما بينها من اعتماد وظيفي متبادل. وهذا الالتزام المنهجي الأنثروبولوجي وليد النظرة الأنثروبولجية للوظيفة التي يمارسها الأدب من جهة، والشخصية الفلسطينية الاجتماعية من جهة أخرى، حيث ترى الأنثروبولوجيا أنّ النشاط الجزئي “الأدب الفلسطيني” يتداخل في النشاط الكلي “الشخصية الفلسطينية”، والأدب الفلسطيني في حالته البنائية، من وجهة نظر الأنثروبولوجيا، يحسب على الظواهر البنائية التي تمارس دورها في الحياة الاجتماعية للشخصية الاجتماعية الفلسطينية.

حسبنا أن ننطلق من أن فلسطين وصلت إلى هذا القدر والمقام في الأدب الفلسطيني من خلال الاعتماد الوظيفي القائم بين الجزء، “الأدب”،والكل ” فلسطين” ـ ولكن هذا الوصول لم يأت من فراغ، وإنما من حقائقه الموجودة داخل بنيان الشخصية الفلسطينية. هي التي أبدعته وألهمته، ومن ثم أبلغته إلى العالم، وخاصة شعوب أوروبا الجار للعرب، لتعيد هذه الشعوب التفكير في مواقفها من القضية الفلسطينية، على طريق الاعتراف بالذَّنب بأَنَّ فلسطين لأهلها الشعب الفلسطيني، وليس لأحد غيرهم.

إذا اعترفنا بدور متميز للشخصية الفلسطينية في إنتاج أدب فلسطيني التزم نضالياً بقضيته، فسنجد هذا الأدب قد وجد نفسه في نضال الشعب الفلسطيني.. وانتفاضة أطفال الحجارة، وصمودهم المقاوم أمام عنصرية صهيونية تلمودية.

على هذا الأساس تبدو الشخصية الفلسطينية شخصية أصيلة في أسانيدها الوطنية، وذاكرتها التاريخية والثقافية.. وأصيلة في عروبتها، وهذه الأصالة وليدة عبقرية المكان والمكانة لفلسطين: الأرض، والتاريخ، والإنسان، أو ما يسميه العلم الأنثروبولوجي: المعادل/المحدد الموضوعي.

إذاً؛ فالشخصية الفلسطينية، كما نفهمها ونراها من محدداتها البنائية- نسبة إلى البناء الاجتماعي- تتداخل وتتضافر فيها عبقرية المكان ودلالاته الاستراتيجية، ومكانة فلسطين في عين السماء التي اختارتها مولداً وسكناً، ثم دعوة وإسراء لأنبياء التوحيد: موسى.. وعيسى.. ومحمد.

ولعمري فإنّ فلسطين أيضاً واسطة عقد وصلة وصل بين مشرق الوطن العربي ومغربه، ونقطة تلاقي بين الشعوب المؤمنة بالديانات السماوية التوحيدية الثلاثة في مناسبات دينية عدة. إذاً؛ أليس ذلك من دلالات عبقرية المكان، ثم أليست هذه الواسطة وظيفة استثنائية للقطر العربي                      

الفلسطيني على قاعدة علاقة الجزء بالكل “فلسطين” و “الأمة العربية” وتبادل الأدوار الحضارية بين الأقطار العربية؟

وهذا الاستثناء الجغرافي/ الديني لفلسطين لا يترك الشخصية الاجتماعية الفلسطينية بمعزل عن التأثير المثمر لعبقرية المكان الذي تُبَلِّغُ فيه الأمة العربية في لحظاتها المصيرية بأنها حاضرة في فلسطين، وإنها من أساسياتها في عودتها إلى حقيقتها الوحدوية، وبأَنَّهُ النداء التاريخي للشعب العربي بأنّ العروبة هويته، وضمان استمراره، فليحذر من التّهاون بشأنها.

أخذاً بما تقدم، فإنّ من لا يرى ولا يعترف بأن واسطة العقد في أمة قائمة على تبادل الأدوار والمهام الحضارية بين أقطارها تشكل مربط الفرس في الأمن المحلي، والوطني، والقومي. لاشك في ذلك، يجهل ألف باء العلم الاستراتيجي ومنطقه وقوله في المنافسة والسباق الحضاري بين الأمم، فإذا ضعف الأمن القومي العربي كله ضعفت الشخصية العربية الرئيسة، واهتزت أطرافها ومعالمها المحلية والوطنية.

هب أن قائلاً لا يرى مكانة فلسطين في جغرافية الوطن العربي تتموضع يمنة ويسرة في شخصيتها الاجتماعية داخل الأدب الفلسطيني المقاوم والمؤسس للعودة، فاسأله على الفور هل خروج رماة الحجر بالكيفية والفعاليات التي رآها العالم، وما أسست من ثقافة نضالية عربية وعالمية مبدعة في جدواها ومراميها، وإنسانياتها لا يشكل عنده البرهان والدلالة على إبداع الشخصية الاجتماعية الفلسطينية في استحداث مستويات من المقاومة على طريق العودة، وما يتأبط هؤلاء الأطفال من مطالب مشروعة لوطنهم فلسطين.

إنّ رماة الحجر في كل فلسطين يُذَكَّرون الأمة كلها بحقيقة التّواصل التاريخي بين رمي السماء لحجارة من سجيل ضد الأحباش الغزاة، ورمي النبال من قبل جند الحركة العربية الأولى الإسلام على فرسان الجاهلية، وهم يُشيّدون الصمود البطولي لطي صفحة الماضي، الذي آذن قدره؛ أي شروطه التاريخية، بأنّه قد انتهى، وأنّ أمة عربية جديدة قد ولدت بولادة الإسلام الذي مثَّل الحركة العربية الأولى، كما أسلفنا، وحمّلها المسؤولية بأن تكون أمة رسالة،لها دورها الحضاري الإنساني الجديد.

إنّ دراستي هذه وهي تقول قولها في الشخصية الفلسطينية الاجتماعية، الثقافية تريد أن تؤكد شرعية قولها إنّ الأدب الفلسطيني أنجز مهمته في توظيف نفسه مستقبلياً في قضيته، وسيكون هذا الإنجاز مدخلنا الشرعي لاختيار كاتب فلسطيني عاش النكبة بكل مظالمها ودروسها. ووظف أدبه في خدمة نضال الشعب الفلسطيني من منظور عربي يرى أن فلسطين بقدر ما هي فلسطينية.. هي عربية، وبقدر ما هي عربية… هي فلسطينية.

وهذا مضمونه من وجهة نظر الاستمرار الثقافي الذي تشدد على أهميته الأنثروبولوجيا الثقافية في المحافظة على معالم الشخصية، أنَّ الشخصية الاجتماعية الفلسطينية ستضفي على فكرها وإبداعها الأدبي وحدة التلاقي العضوي بين بعدها المحلي، والوطني، والعربي. هذا التلاقي الذي يجسد نفسه في إنسانية العروبة، وما ملكت من هموم قومية، وإنسانية، بحيث تجعل منه في نهاية الأمر هموما فلسطينية على ضوء نظرية تأثير الجزء في الكل داخل الشخصية القومية.

تلك هي النهاية/ البداية في أدب فلسطيني إنساني يشخص هموم الكبار والصغار..هموم الشعب الفلسطيني في معركة المستقبل العربي.

وسنلاحظ التوظيف المستقبلي للأدب الفلسطيني، على سبيل المثال وليس الحصر، في كل القصص التي تشكلت منها مجموعة: علي هاشم رشيد التي سيركز تحليل المضمون على قصة واحدة منها: من يكتب النهاية؟، كما أسلفنا، ليستشرف التوظيف المستقبلي في ظاهرة: الانتفاضة، وعلى رأسها: أطفال الحجارة.. رماة الحجر.

أليس هو القائل في توظيفه المستقبلي لأدبه: “لن تكون هذه نهاية شعبنا… ولكنها ستكون نهاية الذين أرادوا له الفناء””2”

وثمة من يقوم بهذه المهمة من أبناء فلسطين: “هذا الذي من أجله يحيى هذا الأب، وآباء آخرون””3” وفعلاً فقد ولدت فلسطين هذا الجيل.. جيل الانتفاضة.. جيل المستقبل.. جيل رماة الحجر.وإذا شئت أن تبحث عن كاتب آخر غير كاتبنا من أدباء فلسطين، فسيبلغك الأدب الفلسطيني عن كثرة من الأدباء لأن فلسطين التاريخ، وحق العودة للفلسطينيين تجعلهم يملكون هذه الميزة.

وتتنوع الأغاني، والأناشيد، والقصص، والروايات، والدراسات من كاتب فلسطيني لكاتب آخر. فهذا الشاعر الفلسطيني ينشدك قصيدة حق العودة، وآخر يُسطر في صفحات كتابه الحق التاريخي للشعب الفلسطيني في فلسطين.. وثالث يتغنى بعروبة فلسطين والقدس عاصمتها الأبدية، ورابع ينشد الأناشيد في قوة العروبة في فلسطين، ويقول لك هذا هتافي الداخلي/ منولوجي لفلسطين، ثم يسمعك قوله: إنَّ ما أُخذ بالقوة من فلسطين لا يسترد إلا بالقوة.. وأطفال الحجارة لها.. لهذه المهمة.

وبرهان الأدب الفلسطيني على ما أتى به من قضايا وحكايات فلسطينية.. وما غنّى وتفاخر برماة الحجر، وبالانتفاضة التي وَحَّدت الجزء بالكل، وجمعت الأجيال الفلسطينية في شوارع وساحات فلسطين. نقول إن برهان الأدب الفلسطيني ونداءه التاريخي للضمير العالمي: إذا كان لفلسطين أرض ميعاد، فالشّعب الفلسطيني أهل هذا الميعاد. ذلك هو مستقبل فلسطين.

إذا انطلقنا من صحة ما قلناه عن الشخصية الاجتماعية الفلسطينية يصبح مشروعاً للدراسة أن تزيد كاتب القصة موضوع الدراسة تعريفاً بحكم قوة التزامه في توظيف أدبه المستقبلي في القضية الفلسطينية، وبحكم الولادة في غزة هاشم أولاً، ومكانة فلسطين، ومعاناة أهلها في كل أدبه، شأنه في ذلك شأن كل فلسطيني التزم بهموم فلسطين، وثورة الشّعب الفلسطيني، فوظف هذا الالتزام مرّة في شعره، ومرّة أخرى في قصصه، ومرّة ثالثة في منبره في صوت العرب. وكان هدفه أن يّشهر معاناة الشعب الفلسطيني إلى مستوى قضيته، بوصفها قضية العصر.

الأديب علي هاشم رشيد ـ تاريخ حياة ونضال”4″:

ولد شاعرنا وكاتبنا علي هاشم رشيد في غزة عام 1919م. درس في الكتاب شأنه شأن جيله آنذاك، ثم في المدرسة الابتدائية والثانوية بغزة، وتخرج في الكلية الرشيدية بالقدس 1940، ثم عمل في التدريس بعد أن نال شهادة امتحان المعلمين الأعلى متخصصاً في اللغة العربية وآدابها. وفي عام 1954، وبعد أن أمضى فترة بتدريس اللغة العربية انتدب للعمل في إذاعة صوت العرب، وشغل عدة مهام فيها، فصار مشرفاً على ركن فلسطين، ومحرراً لمواده،ثم مديرا لإذاعة فلسطين في صوت العرب خلال النصف الأول من عقد الستينيات من الألفية المنصرمة، وفي أثناء وجوده في إذاعة صوت العرب كَوَّن صداقات مع أعلام الفكر القومي العربي الوحدوي في مصر العربية من أمثال فاروق شوشه صاحب برنامج لغتنا العربية الأصيلة، وفاروق خورشيد صاحب الكلمات العربية القومية في العروبة.

وخورشيدهو صاحب مقدمة قصة كاتبنا علي هاشم رشيد: رصيف الدموع، حيث قال في نهايتها: “وليست هذه مقدمة، كما أنّها ليست دراسة، وإنما هي بكل بساطة خواطر صادقة أثارتها هذه المجموعة بما فيها من حياة، وبما فيها من صخب. بما ترمز إليه من اتجاه يُصارع ليحطم عقبات الطريق. قد شئت فيها أن تكون إضافة وإثارة لا مجاملة وتعريف.

وحسب الصديق “علي” هذا.. وحسبي أن أتاح لي هذه الفرصة لأسهم معه بكلمات..”5″ علي.. هو الشّقيق الأكبر لثلاثة أخوة من الشعراء المعروفين في الساحة الشعرية الفلسطينية العربية هم: هارون هاشم رشيد، وأكرم، والشاعرة سهام، والكاتبة الأدبية مكرم.

كتب على هاشم رشيد القصة القصيرة، ونشر كثيرا منها في الصحف والمجلات الأدبية، وأعاد جمعها ونشرها في مجموعة عنوانها:” رصيف الدموع”، كما أسلفنا. وقال فيها صاحب المقدمة أيضاً: “القضية عند علي هاشم رشيد تسير على القواعد المعروفة لفن القصة لا تحيد. وهي بهذا ترضي لفيفاً كبيراً من نقادنا ففيها البداية، وفيها التشابك الذي يكون الموضوع، وفيها لحظة التنوير التي تأتي في الختام، أو في أي مرحلة من مراحل القصة لتوصلها إلى قمتها المرتجاة عند أصحاب نقدنا الحديث. فالكاتب يفهم وسيلته تمام الفهم ويستخدمها في حرفية مدروسة ـ المقدمة “6””.

وتتكون: رصيف الدموع من القصص الآتية: سرّ الراعي، الثّمن، الهدايا، رصيف الدموع، الحفيد، القسم، إننا على موعد، لن يمروا، الفدائي الصغير، في طريق فلسطين، من يكتب النهاية؟ من ص 13 ـ ص 132.

وفاتحة المجموعة القصصية الإهداء الذي قدمه الكاتب لوالده اعترافاً بفضله وريادته لأولاده. وهو الذي علمه كيف يقدس وطنه وقد  قدسه الوالد، وكيف يحب أمته إذا اعتز بها وأحبها من أعماقه.. ويختم الإهداء بالآتي:.. إلى أبي زهرات عطرات في ذاكرة.

ونشير بداية إلى أن منهج تحليل المضمون الذي سيقود الدراسة في مهمتها التحليلية للقصة المختارة من المجموعة له مسوغه وحجته في هذا الاختيار حيث إن صغر حجم الموضوع يسهل عليه القول الموضوعي في المادة المدروسة من قبله.

دواعي الاختيار:

عرف عن منهج تحليل المضمون تمسكه بإجراء من إجراءات شروط الدراسة الناجحة لنص أدبي، أو ظاهرة من الظواهر البنائية ألا وهو إشهار دواعيه.. التي تُعّد إجراءاتها وخطواتها لرسم مشاهد الحياة التي عاشها الشعب العربي الفلسطيني في أعقاب النكبة عام 1948 التي جعلت فلسطين مراحاً وملاذا ليهود العالم على اختلاف جنسياتهم وقومياتهم بتوجيه وإلزام بالقوة من الحركة الصهيونية/ التلمود ية، وبمساعدات مالية سخية، وسياسية لوجستية من قبل الدول الأورو/أمريكية.

توجهاً مع ما تقدم ستفترض الدراسة مبدئياً أنّ المشاهد التي تزمع رسمها وتكوين جبِلَّتها ستكون حاملة وجامعة لمعاناة الشعب الفلسطيني اعتماداً على القصة المختارة: من يكتب النهاية؟

إذاً؛ منهج تحليل المضمون يُكمل مهمته في انتقاء المشاهد التي تشّكل أساسها ما بين أسطر القصة، وما حوت من أحداث ومعطيات، وستلوح الدراسة إلى معاناة الشعب الفلسطيني كما تقدمها كلمات الكاتب.

وفي التلويح ذاته إشارات إلى أقلام فلسطينية: روايات، مقالات، دراسات، شعر، رسمت صورا متعددة الألوان والمضامين لمعاناة الشعب الفلسطيني في تشرده المفتوح على العديد من التحديات والصعوبات… لكنها رسمت صورة واحدة جامعة للفلسطينيين : حق العودة.. ذلك هو مستقبل فلسطين.

وهذا معناه في تحليل المضمون، وهو يقلب صفحات القصة، أنّ المعاناة واحدة لدى الأجيال الفلسطينية المتعاقبة من تاريخ النكبة، وإلى زمن وأوقات مفتوحة على المستقبل حتى الظفر بالعودة وبلوغها.

ولاشك في أنّ مسألة العودة التي نلاحظها في مشاهد من القصة، وبين أسطرها كانت أيضاً تعبيراعن الاستمرار الثقافي في وحدة الشخصية الفلسطينية. ومن موقع مسألة العودة في حياة الفلسطينيين، سيكون الأدب الفلسطيني، ومنه قصة صاحبنا أبي حيدر ألف باء النضال الفلسطيني، في كل فلسطين وخارجها بدءاً من الداخل الفلسطيني، ومروراً بالضفة الغربية. وغزة هاشم، والمخيمات، وانتهاء بالأقطار العربية التي توجد فيها مخيمات فلسطينية، وفي أنحاء مختلفة من العالم.

ولاشك أيضاً في أنّ الأدب الفلسطيني وهو يوظف بنجاح حق العودة إلى فلسطين، يضع في خلده الدروس المستفادة من كل ما قدمته الأجيال الفلسطينية من فداء وتضحيات غالية الثمن، مشفوعة ومقرونة بالصبر والألم، وحلم فلسطين الأرض، والمسكن، والذكريات، والتاريخ، والتراث، ألم تقل لنا القصة في أحد مشاهدها: “لقد قطع رأس الأفعى… إلا أن الأذناب باقية يا بني، “7””.

في منهج تحليل المضمون:

مادامت الدراسة اختارت منهج تحليل المضمون للقيام بمهام تحليل النص الأدبي المتمثل في قصة:” من يكتب النهاية؟” فإنها تؤكد أنها لن تذهب في تقديمه أكثر مما تحتاج إليه في مهمتها وفي سياق ما يلزم من آلياته البحثية التحليلية في تحليل النص المختار، ولنقل مباشرة: إنهامقتطفات من القصة موضوع الدراسة.

وسيحاول منهج الدراسة استنطاق تلك المقتطفات ليقول عن معانيها على النحو الذي يقول عنها الشارع الفلسطيني بأحيائه، وقراه، ومدنه، وكما يطلق هؤلاء جميعاً على معاناتهم وهمومهم.

وعن سؤال لماذا منهج/ اتجاه تحليل المضمون لأنّه من وجهة نظر الدراسة من أهم المناهج الاجتماعية/ الأنثروبولجية في وضع المعاني السليمة على الظواهر البنائية التي يدرسها داخل النص المختار من قبله، ولأَنَّه يتقاطع مع علم المستقبل في كثير من القضايا.

إنّ انطلاق الدراسة من صحة اختيارها لمنهجها، يجعلها تذهب إلى الأنثروبولوجيا الثقافية التي عرفت جامعياً/ أكاديمياً بنجاحها في إعادة المعاني الصحيحة للظواهر التي تجدها داخل النص، وهي المعاني التي يطلقها الناس في غدوهم ورواحهم.

والمنهج في حالته هذه يبعد مسألة التخيل في إعطاء هذه الظاهرة أو تلك المعاني التي يختارها منطق الرغبة.

وتؤكد الدراسة أن اختيارها لمنهجها حصيلة الخصائص التي يتصف بها، وأهمها الموضوعية وتنظيم الوقائع، ومن ثم توصيفها بناء على وظائفها البنائية، واعتماده الكم، والمشاهد بوصفها إجراءات آلية ومشتركة بينه، وبين علم المستقبل. كما أنه يتعامل بحيادية مع موضوعاته  التي يختارها للدرس والتحّليل، وقول المعاني على الظواهر البنائية الموجودة داخل النص، لأنّه في الأساس يقف على مسافة واحدة من الظواهر، وما حملت من معان، وما قيل عنها من آراء ووجهات نظر.

وعلى الرغم من علو مكانة منهج تحليل المضمون في الفكر الاجتماعي والأدبي الأورو/ أمريكي إلا أنه على حد قول ما دلين نصر لا يزال ضعيف الاستعمال في الفكر الاجتماعي العربي، وخاصة في أقسام علم الاجتماع والدراسات الأنثروبولجية، كما أنّ تطبيقاته لا تزال نادرة.”8″

وتكمل مادلين نصر رأيها في منهج تحليل المضمون قائلة: “فإنه يعتمد على النصوص المكتوبة بكل مكوناتها من مضامين ودلالات، ومؤشرات وحتى اتجاهات”9” ـ كما يوجه إليها الأسئلة التي تتحلى بطابع وخصوصية الاحتمال، كما ويثير أمامها الفروض بقصد الإجابة والبرهنة عليها انطلاقاً من قاعدة أنثروبولوجية منهجية.

هب أن سائلاً يسأل، ولماذا تحليل المضمون في قصة صغيرة لا يتجاوز عدد صفحاتها أكثر من تسع صفحات؟

وتمسكاً بالحيادية، والابتعاد عن منطق الرغبة الذي أكدت عليه هذه الدراسة، فإنها تترك الإجابة عن هذا السؤال لمادلين نصر وهي المعروفة جامعياً/ أكاديمياً بأنّها نجحت في دراساتها التي اعتمدت تحليل المضمون الذي يتصف من وجهة نظرها بالميزة الآتية: “إنّه يسمح للباحث باكتشاف أمور جديدة”

قصة من يكتب النّهاية:

إنه سؤال فلسطيني بامتياز لأنّ في هذه النهاية قدر الشعب الفلسطيني، أي الظروف الموضوعية والذاتية التي تحيط بالقضية الفلسطينية على المستوى العربي والدولي. وكأن هذا السؤال يقول لصناع الكيان الصهيوني لقد قمتم بفعلتكم الشنعاء بإقامة الكيان الصهيوني على حسابنا نحن شعب فلسطين. وكانت هذه البداية. ولكن نسيتم أنّ النهاية ستكتب البداية الجديدة… أليس هذا إعلان التاريخ وحقائقه الموضوعية والذاتية. فالبداية الصهيونية العالمية خاطئة، وضَالًة وقاصرة لأنّها تُعاند التاريخ، والتاريخ لا يعاند.

ولذلك فإنّ بداية الكيان الصهيوني “إسرائيل” ستكون رهن نضال الشعب الفلسطيني من مبدأ تاريخي ومنطقي يقول: “لا يضيع أي حق إذا كان وراءه مطالب” وهذا الحق سيكتب نهاية جديدة للكيان الصهيوني، وبداية جديدة للشعب الفلسطيني.

وتجيب الدراسة غداة لحظات عن سؤال هاشم رشيد في قصته:” من يكتب النهاية؟” انطلاقاً من تصور مستقبل فلسطين، استناداً إلى قاعدة علم المستقبل ودراساته المستقبلية: الماضي يوجد في الحاضر، والحاضر والماضي يوجدان في المستقبل، لأنّ المستقبل له ماض وحاضر.

وسنرى إن كانت هذه القصة قادرة على أن تقدم مشاهد من الماضي الفلسطيني ← وحاضره ← ومستقبله. أي حقائق الحياة الفلسطينية في تاريخها الطويل الممتد من الأمس البعيد.. إلى اليوم. الشعب الذي قام بتعيين هذه المشاهد: جيل وراء جيل، وفكرة تاريخية، وراء فكرة تاريخية.

وبداية سنلاحظ في هذه القصة مشاهد من الماضي الفلسطيني وحاضره المتمثل في كثرة المخيمات، وفي الشتات المنتشر في أنحاء متعددة من العالم. ولكن ما هي هذه المشاهد، وما تريد أن تقوله للتاريخ.. للعالم.. للقارئ العربي؟.

وفي هذه اللحظة من مشوار الدراسة مع القصة موضوع الدرس يأتي سؤالها عما إذا كانت حمالة ومصورة للمستقبل الذي يتعين في عودة الشّعب الفلسطيني إلى فلسطين.

وتتوارد المشاهد عندما يحدثنا الكاتب علي هاشم رشيد عن قضاء “محمود ووالده ذلك اليوم بليلته في هذه المدينة.. وعاش في انفعالات متتابعة مذهلة، وعرف أنّ حياته في ذلك المخيم لم تكن كل ألوان الحياة.. وأن وراء حدود ذلك المخيم دنيا أخرى غير دنياه.. وهكذا بدا له أنّه في مشكلة لا يجد لها حلاً، ونهض في نفسه سؤال يبحث عن جواب.”10”

وتلاحظ الدراسة في هذا المشهد الصور الآتية:

1- إنّ الحياة في هذا المخيم لا تحمل كل ألوان الحياة لأَنَّها مرحلة انتقالية في حياة الشعب الفلسطيني.. والمرحلة الانتقالية عادة كثيرة التغير والتبدل بفعل فاعل؟

2- وهذه الصور موجودة بل ساكنة في ضمير وذاكرة الشعب الفلسطيني، وهي شاهدة على هذا العصر.

3- المخيم شاهد عصر على الشتات الفلسطيني، ومعاناته في هذا الشتات.

ويسأل الطفل محمود أباه… وفي سؤاله سؤال للعالم أجمع، وبالتحديد لمن كان وراء النكبة: “لماذا نسكن المخيم يا أبي.”11”

سؤال مشروع فيه ماض ـ وفيه حاضر، وفيه مستقبل. هو سؤال الأجيال الفلسطينية..حتى هذه اللحظة.. واللحظات القادمة؟

ويستنهض الكاتب الطفل… الجيل الجديد ليعاود طرح أسئلته… “وفي نفسه سؤال يبحث عن جواب..”12”

إنه ولاشك في ذلك السؤال الفرض، حيث يجد فيه منهج تحليل المضمون أحد إجراءاته المنهجية لذلك سيتابعه بأسئلة فرضية مكملة وداعمة للمنهج لأنها في الأساس أحد إجراءاته، حتى نرى المشهد الفلسطيني، كما أسلفنا، بماضيه وحاضره ومستقبله، ولحظات جدلية التداخل بين أزمنته.

إذاً؛ فإنّ سؤال الطفل يأتي بقوة التنشئة، والاستمرار الثقافي الذي يقول بقوة الحقائق المتعينة على الأرض. بقوة النكبة وتوابعها، مثل قيام العصابات الصهيونية التلمودية بتهجير أهل فلسطين من مساكنهم، ومدنهم، وقراهم، ومزارعهم. وهذه الحقائق بدت في “..هذه الأكواخ لمحمود، وكأنّها لا تختلف كثيراً عن تلك القبور التي مر بها في ظاهر المدينة..”13”

ويأتي الطفل الجواب من أبيه ، ونحن معه: القارئ والباحث بقوله: “إننا نعيش في المخيم لأننا فقدنا المدن التي كانت تضمنا في فلسطين.. ونحن لا نحتفل بمباهج شهر رمضان لأنّ كل أسباب البهجة خلّفناها هناك في الوطن.. بل إنّ شهر رمضان يثير في نفوسنا ذكرى أليمة، إذ يذكرنا بيوم خروجنا مشردين من مدينتنا، ولم يكن خروجنا عن ضعف في عزائمنا أو تقاعس عن أداء الواجب…. ولكنها الخيانة يا محمود ألا تعرف أنّنا من الرملة…”14”

ماذا يعني فقدان المدن الفلسطينية.. السؤال/ الجواب: يعني أننا نعيش في هذا المخيم بقوة السلاح الصهيوني، والمؤامرة الدولية التي تمثلت بالوعد المشئوم الذي سمي بوعد بلفور، والخيانة في الداخل والخارج، إنّها خيانة مركبة من أطراف عدة، ممكن وصف أصحابها بالعملاء.. وهذه خلاصة من خلاصات تحليل المضمون.

والخلاصة الأهم يتضمنها قول الأب لابنه محمود “… ألا تعرف أننا من الرملة”.

حديث الذاكرة والهوية الفلسطينية. فالرملة شاهدة متعينة على الأرض بشوارعها، ومساكنها، ومساجدها،وكنائسها منذ مئات السنين. والشاهد الحاضر يقول: إنّ فلسطين لشعب فلسطين وليس لأحد سواهم. قول لا يقبل لوي حقائق التاريخ وتغييبها عن الأرض “ألا تعرف أننا من الرملة”؟

هذا الشاهد فيه جدل التعامل بين الماضي، والحاضر، والمستقبل وتتوضح هذه العلاقة الجدلية بقوة وقع النكبة في ماضيها، وحاضرها ومستقبلها، وما أسسته من حوار/ منولوج داخلي في شخصية الفلسطيني الذي يعبر عنه الحوار الداخلي للكاتب : “لقد كان يفكر في هذا المصير الذي آل إليه.. ويجمع في ذهنه العوامل المختلفة، والأيدي التي صنعت هذا المصير، ثم يقول في نفسه في حقد مرير.. الخونة ـ”15” ويوصل تحليل المضمون هذا المشهد بتعييناته مع مشهد آخر يكملّه، ويغني حواره الداخلي بقوله “… إن نفس العوامل التي صنعت هذا المصير لا تزال تغل يديه عن السير في تحقيق تلك الآمال…”16”

وسؤال الواقع الفلسطيني يقول: نعم إن العوامل التي أدّت إلى النكبة لا تزال هي..هي، وهي حاملة محدداتها وشروطها.. وإن هذه العوامل شكّلت “… الصيرورة إلى المخيم.”17”

ويهمس تحليل المضمون في آذاننا إن في هذا المشهد رسائل لا تتوقف من جيل فلسطيني.. إلى جيل فلسطيني آخر خاتمتها أن خروج الشعب الفلسطيني من أرضه لا يعني إطلاقاً الخروج من تاريخه… من حقائقه التاريخية والتراثية… والذكريات، والأدب الشعبي. وعلى العكس من ذلك يؤدي إلى الارتباط العضوي المصيري مع هذه الأرض وتاريخها…

وفي القصة أسئلة تعيد إنتاج نفسها على نحو وآخر تظهر بسؤال رئيس: “ترى أهذه هي النهاية؟ أم أنها مقدمة لنهاية أسوأ وأشد فظاظة؟ .”18”

لاشك إنّه حديث الأجيال للأجيال. لكنه يريد أن يقول إنّ أسباب ضياع فلسطين لا تزال موجودة ولذلك لابد أن نراها دائماً بعين مستقبلية. وثمة فطنة في هذا القول… هي فطنة مناضل استخلصها من معاناته، وتذكر الواجب تجاه ولده…. الجيل الفلسطيني الجديد. هو” تذكر حي.. هذا الجيل الذي من أجله يحي هذا الأب وآباء آخرون.”19″

وفطنة أخرى تُحسب للكاتب نلمسها ونشعر بها وهو يسقطها على الأب بطريقة كاتب القصة المتميز، وتأكيده أنّه من الجيل الفلسطيني الذي عاش القضية الفلسطينية من بداياتها ـ وهو في عز شبابه وشكلت له الدرس المستفاد بوصفه ابن النكبة بكامل محدداتها السياسية والعالمية والحضارية والثقافية. وما حملت من جرح غائر في الجسد الفلسطيني.

فلسطين هذه الواقعة القومية العربية وتعينها في مشاهد من قصة علي هاشم رشيد، يخبرنا عنها منهج الدراسة إنّها ماض تعيش في الحاضر الفلسطيني، وهذا الحاضر يعيش في ماضيه ومستقبله.

ثلاثة أزمان فلسطينية تتداخل جدلياً في ما بينها بحكم التأثير والاعتماد الوظيفي القائم بينها، المتضمن في صيرورة التاريخ واستمرارية الثقافة الفلسطينية، والحق الخالد في العودة.

حسبنا أن التداخل بين الأزمنة الفلسطينية يتعين في معادلة يقولها لنا علم المستقبل ودراساته المستقبلية في القرار التاريخي للشعب الفلسطيني، كما أسلفنا في المشهد الآتي: “لا… لن تكون هذه نهاية شعبنا.. لكنّها ستكون نهاية الذين أرادوا له الفناء ـ”20”

وانطلاقاً من رأي علم المنطق بأنّه يجب التفريق بين واقعة موضوعية، وتعين لهذه الواقعة نلاحظ أنّ الكاتب يحاول تجسيد هذه الواقعة أثناء التنقل من المخيم إلى المدينة، وخلال ركوب السيارة التي أكل عليها الدهر وشرب، حيث لا سقف لها “يحمي ركابها من برد قارس، أو مطر منهمر أو شمس محرقة ]….[ ولا تسل عن الكوارث إذا ما انقلبت السيارة بحملها ]….[ وجد الأب له ولابنه موضع قدم بين هذه الأجسام المتلاصقة ]….[ قفز الراكبون من السيارة ينفضون ما علق بثيابهم من تراب، ويمسحون ما غطى وجوههم ورؤوسهم من غبار.”21”

ويسكن هذا المشهد في سمعنا: ترى أليس ما رأيناه من لقطات وصور عن معاناة الرحيل ـ والهجرة واللجوء؟. وفي هذه الصورة مناظر للوقائع المتعينة في الحياة الفلسطينية. كل هذا تم بفعل فاعل: الصهيونية العالمية التلمودية، والخونة، وحكام أوربا، والولايات المتحدة الأمريكية.    ويحيلنا منهج تحليل المضمون على مقولة علم المستقبل على لسان أحد رواده: برتراند ده جوفينيلل “إنّ رجال الدولة الذين يتحملون المسؤولية عاجزون عن الاعتراف أنّ النهاية هي بداية فقط.” 22″

ويجيبنا الكاتب علي هاشم رشيد بفطنته وتجربته ومعاناته: “لا… لن تكون هذه نهاية شعب.. ولكنها ستكون نهاية الذين أرادوا له الفناء.”23”

وأهم ما في هذا القول للكاتب من وجهة نظرنا كقراء وباحثين محللين مهمتنا وضع المعاني الصحيحة على المفاهيم أن نضع النهاية في جدل لا يتوقف أبداً بفعل وقوة النضال الفلسطيني الذي يشكل صيرورة لهذا الجدل. فالنّهاية التي انتهت إليها فلسطين في أعقاب النكبة تتحول إلى نهاية أخرى بفعل قوة تمسك وإيمان الشعب الفلسطيني بقضيته ونضاله في سبيلها ـ وهي أنّ نهاية الكيان الصهيوني… هي بداية جديدة لشعب فلسطين، يوم يعود إلى أرضه، ويمارس استمراره التاريخي، والاجتماعي، والثقافي، ويصبح واقعة موضوعية متعينة على أرضه.

النتائج التي خلصت إليها الدراسة:

إنّ الرسالة المتبادلة بين والد محمود وصديقه في المدينة، يدعوه فيها إلى حضور احتفال بتلاوة قّصة المولد النبوي في ليلة القدر.. هي في حقيقتها مستوى من مستويات التواصل بين أبناء القضية الفلسطينية من الأمس.. إلى اليوم.. وعلامة على الاستمرار الثقافي المتمثل في رمز من رموزه: “قصة المولد النبوي في ليلة القدر” وحضوره في الشخصية الاجتماعية/ الثقافية الفلسطينية. والمعروف أنثروبولوجيا أنّ الاستمرار الثقافي لازمة للشخصية الاجتماعية حتى تحافظ على معالمها الرئيسة..وعلى هويتها.

ألم يقل لنا ابن خلدون: إنّ الإنسان ابن عوائده، أي أن الثقافة تُشكل الشخصيات الاجتماعية، على حد تعبير فرانس بواس”24″. كما أنّ حديثه عن أم محمود وامتلاكها خمس دجاجات، واعتمادها على ما تبيض كل يوم لتشتري الزيت وحوائج أخرى، وإمساكها عن تذوق طعم البيض.. الخ من دلالات ومؤشرات الصبر الذي عرفت به الشخصية الاجتماعية الفلسطينية. وأحد معاني الاكتفاء الذاتي الذي عاشه سكان المخيمات الفلسطينية. ولا يفوت الدراسة مشهد البطالة الذي رسمه الكاتب على لسان الأب وهو يقول لزوجته عندما دعته لشراء ثوب لابنه محمود: “ومن أين ثمن الثوب، ولم أعمل يوماً واحداً طوال شهر رمضان.”25”

… المشهد الذاكرة الذي يربطه بأرضه، لأن الأرض الفلسطينية لا تفارق ذاكرته،كأنها تقول له: بالأمس كنت أستقبل العمالة من الأقطار العربية الشقيقة المجاورة واليوم.. يوم المخيمات لا تجد عملاً لك.

ولعمري أليس الذهاب إلى المدينة يعني في جِوَّانيةِ الكاتب الذهاب إلى فلسطين التاريخ… والثقافة… وممارسة حياته باطمئنان مستنداً إلى ذاكرة مربوطة في الأرض. الذهاب إلى فلسطين تعني العودة إلى الديار… ولذلك ترى الشّعب الفلسطيني يعبر عن هذه العودة في حياته اليومية بالانتفاضات…ورمي الحجارة… وبالكلمة..ويوم الأرض لأنّ المخيم عنده أشبه بالسجن الكبير. كما أن رؤية الأم ذهاب ولدها إلى المدرسة، ومتابعة العلم والمعرفة، بأنّه الطريق الصحيح إلى انتصار القضية الفلسطينية. وهذا معناه أنّ على الشّعب الفلسطيني الاستمرار في نضاله وبلا هوادة ـ إلا ببلوغه تجاوز الأسباب التي أدّت إلى النكبة.

وفي مشهد/ نتيجة قال الكاتب على لسان الأب: “…لقد قطع رأس الأفعى.. إلا أنّ الأذناب باقية يا بني. وسنعود إلى مباهج رمضان في مدينة الرملة البيضاء يوم نسحق الأذناب ـ “26”

هؤلاء هم يكتبون النهاية/ البداية… وهم حقيقة صناعها… أليس الجيل الذي يعد نفسه ليكون أرضاً وسنداً للأجيال القادمة هو من يصنع النهاية، وهو طوال حياته يصرخ في داخله:

زرعوا فأكلنا ونزرع فيأكلون “وإذ قررت هذه الأم أمراً فقد أمسكت عن تذوق طعم البيض. كما حرصت على الحد من إنفاق ما يتجمع من ثمنه فتطفئ السراج مبكرة، وتقتصد في استعمال عيدان الكبريت… وتستغني عن الزيت ما أمكن ذلك دون أن يشعر الزوج بما يحدث… وكلما تجمعت القروش في العلبة الصغيرة أحست الأم أن أمنيتها قريبة التّحقيق”27”.

إنّها ولا شك بذلك، خلاصة لمسألة التّساند الوظيفي النضالي القائم بين الأجيال الفلسطينية، ـ وصيرورة التواصل على طريق العودة إلى فلسطين المستقبل. لقد جاء الوقت أن نتحمل المسؤولية، ونعترف أنّ النهاية هي بداية.. ذلك قدر فلسطين

الهوامش:

1-علي هاشم رشيد-رصيف الدموع-دار ممفيس-القاهرة-1960

2-المرجع السابق-ص128

3-المرجع السابق-نفس الصفحة

4-=      =ص134

5-=      =  ص11

6-  =    =  ص10

7-  =     =  ص132

8- د- عزا لدين دياب-التحليل الأنثروبولوجي للأدب العربي- الرواية السورية أنموذجا- سلسلة دراسات –رقم(10) إتحاد الكتاب العرب –دمشق -2010- ص60-                 61

9- د – مادلين نصر – التطور القومي العربي في فكر جمال عبد الناصر 1952 –           1970 دراسة في علم المفردات – مركز دراسات الوحدة العربية-لبنان-بيروت –                   ص138

10 –علي هاشم رشيد –المرجع السابق ذكره –ص131

11-المرجع السابق- نفس الصفحة

12- نفس المرجع- نفس الصفحة

13- نفس المرجع – نفس الصفحة

14- =       = – ص132

15- =       = – ص127

16 – =       = -ص128

17 – =       = -ص128

19 – =       =- ص128

20 – =       = ص -129

21 – =       = ص -128 – 129

22 – د-جورج طعمة –د-سعد حافظ:الدراسات المستقبلية وتحديات العصر(عرض تحليلي ونقدي) –دارطلاس للدراسات والترجمة والنشر-دمشق -1988- ص30

23 – =      = ص – 128

24 – آدم كوبر – الثقافة – التفسير الأنثروبولوجي – ت:تراجي فتحي – عالم المعرفة –        العدد349- مارس – 2008 –الكويت –ص 60- 61

25 – علي هاشم رشيد –المرجع السالف ذكره – ص 125

26 – =       =     ص132

27 – =    = ص -124

اقرأ:

د. عزالدين دياب: التفسير الأنثروبولوجي الثقافي لثقافة الأوباش