on
Archived: د. محمد عادل شوك: السوريون، و قَوْنَنةُ أوضاعهم في دول اللجوء
د. محمد عادل شوك: كلنا شركاء
تلك حالةٌ متوقعةٌ، و لاسيّما أنّ فريقًا من السوريين قد خبرها في محنة الثمانينات، فلقد تعاطفت ذات الدول مع الملف السوريّ، في إطار التوجيهات السياسية، كحالة إنسانية تقتضي غضَّ الطرف عن قَوْنَنة أوضاعهم في وقت أزمتهم.
و لقد تمّ الخوض في ظرفيّة هذه الحالة، ممَّن خَبِرَ أمرها في حينها، على الرغم من أنّ بعض القوم كان مصرًّا على إضفاء البُعد الخصوصي عليها، و أنّ ما ألمّ بالسوريين اليوم مباين لها، و أنّ دول اللجوء تعي هذا البُعد الشمولي لها، و بالتالي ستكون توجيهات انفعالات اللحظة أمرًا يغلب على التعامل معهم.
لقد أخذت الأمور تتجه إلى القَوْنَنَة في التعامل مع، و هو أمرٌ كان منتظرًا في أيَّة لحظة، إذْ أنه من البديهي أن تتعامل تلك الدول مع الأمور من خلال مصالحها، و تُكيِّف ذلك مع قوانينها الناظمة، فالحكومات فيها مسؤولة أمام شعوبها، و لاسيّما أنها ليستْ طرفًا مباشرًا في محنة السوريين، و قليلٌ منها من يلبس نظارة السوريين في التعامل معهم.
لقد تساهلت تلك الدول مع شريحة محددة من اللاجئين السوريين، بدوافع غلبَ عليها البُعد الاقتصادي، و هو أمرٌ مألوف في عالم الأزمات؛ حيث بادرت دول الجوار إلى استقطاب رؤوس الأموال السورية، مانحة إياهم تسهيلات قانونية تغريهم في التوطّن لديها، تتجاوز الإقامة إلى جواز السفر، لا بلْ حتى الجنسية في بعض الأحيان، و هو الأمر الذي قد ينسحب على ذوي الكفاءات العلمية، و التخصصات النادرة و المواهب الفذّة، و بدرجات متفاوتة.
و أمّا الشرائح العريضة منهم، فلا تملك في قَدَرها الكثير من الخيارات، فهي ستكون خاضعة لقوانين الهجرة و الجوازات و الوثائق و التنقّل الداخليّ، و العمل و التجارة و الاستثمار، و التأمين الصحي و العلاج، و الجمعيات الخيرية و تلقّي الهبات و المساعدات، و التعليم ، و حرية التجمّع و إقامة المهرجانات و الرقابة الإعلامية، و لربما يرافق ذلك شيء من التطبيق الصارم بدواعي الاحتياطات الأمنية و محاربة الإرهاب.
و هو الأمر الذي ظهر كثيرٌ من أَماراته في تلك الدول؛ حيث أُوصِدت الحدودُ في وجوه السوريين، و جرت اتفاقيات مهينة بحقهم بين دول الاتحاد الأوربي و تركيا، و أُسيلَت الدماءُ على الجانب السوريّ من الحدود في عدد منها، من جراء تطبيق قوانين الحدّ من الهجرة غير الشرعية إليها، و أخذت وزارة العمل تتعقّب فقراءَهم؛ للحدّ من مزاحمتهم طالبي العمل من مواطنيها.
و لن يتوقّف الأمر عند ما هو معمول به من تلك القوانين أو التشريعات، أو العلاقات البينيّة بين هذه الدول و سورية قبل نشوء الأزمة؛ حيث بادر بعضها إلى إعادة العمل بما كان قد تمّ تجاوزه مع النظام من قبل، كفرض التأشيرة مجددًا على السوريين القادمين من غير سورية، الأمر الذي ألحق الضرر بكثير منهم من الناحية المادية، أو بسب منع كثير منهم من الحصول عليها، بدعوى أنهم لا يملكون إقامات في تلك الدول التي وصلوا إليها، حتى من مطارات هذه الدولة نفسها؛ ممّا جعلهم حبيسي هذه الاجراءات في دول الزيارة.
و حتى من مازال منهم مقيمًا في سورية، فإنّه يعاني الأمرين إذا أراد السفر، بسبب الحاجة للحصول على موافقة أمنية من إدارة المعبر، الذي باتت قرارات غلقه و فسحه أقرب منها إلى التنجيم، و لأسباب تبدو غير مقنعة لهم في كثير من الأحيان، و قد ضيّع هذا الأمر على كثير منهم اِلتزامات مترتبة عليهم في دول أخرى، تربطهم بها إقامات عمل أو دراسة أو زيارة، أو معاملة أو لمّ شمل أتَتْ على كلّ ما ملكوه أو ادخروه في الزمن الغابر.
لقد تباينتْ ردودُ فعل السوريين تجاه هذه الحالة، و جعلَتْ شريحة واسعة منهم تقتربُ من حالة الاحباط، و تميل إلى الأخذ بنظرية المؤمرة، و ترى في هذه المواقف الدولية عقابًا لهم على ما أقدموا عليه في الانخراط في ثورات الربيع العربي.