on
Archived: أوراسيا ريفيو: الإرهاب كذريعة للتدخل في الشرق الأوسط
أوراسيا ريفيو: ترجمة إيوان24
لفهم هذه الضجة المحيطة بظواهر التطرف الإسلامي والإرهاب، نحن بحاجة لفهم النظام الاقتصادي العالمي السائد ومآلاته. بيدَ أنَّ توقعات خبراء الاقتصاد الواقعيين عن رأسمالية السوق الحرة كانت صحيحة، سواء أحببنا ذلك أم لا. لقد ظهر نوع من العشوائية الاقتصادية العالمية، حث تتدفق الأموال من منطقة ذات كثافة نقدية عالية إلى منطقة ذات كثافة نقدية منخفضة.
صعود دول “بريكس” في القرن الحادي والعشرين هو دليل على هذا التوجّه. تنمو مجموعة “بريكس” اقتصاديًا لأنَّ العمالة في الاقتصادات النامية رخيصة، وقوانين وحقوق العمّال غير موجودة تقريبًا، والنفقات على خلق بيئة عمل آمنة وصحية تكاد تكون معدومة، والإطار التنظيمي متراخٍ للغاية، ولا توجد أيّة نفقات على حماية البيئة، والضرائب منخفضة. باختصار، الربح المفاجئ للشركات متعددة الجنسيات ضخم للغاية.
وبالتالي، تهدّد مجموعة “بريكس” الاحتكار الاقتصادي العالمي للكتلة الرأسمالية الغربية المتمثلة في أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية. وهنا نحن بحاجة لفهم الفرق بين قطاع التصنيع وقطاع الخدمات. قطاع التصنيع هو العمود الفقري للاقتصاد، ولا يمكن إنشاء قاعدة صناعية بين عشية وضحاها؛ لأنها تقوم على أصول ثابتة: نحن بحاجة للمواد الخام، ومعدات الإنتاج، وبنية تحتية للنقل والطاقة، وأخيرًا وليس آخرا، قوة عاملة ماهرة. يستغرق الأمر عقودًا لبناء والحفاظ على قاعدة تصنيع. لكن قطاع الخدمات، مثل المؤسسات المالية الغربية، يمكن بناءه وتفكيكه في فترة قصيرة نسبيًا من الزمن.
إذا ألقينا نظرة خاطفة على اقتصاد الكتلة الرأسمالية الغربية، فإنّه ما زال يحتفظ ببعض من قاعدة تصنيع التكنولوجيا الفائقة، ولكنه يخسر بسرعة أمام قاعدة تصنيع رخيصة وقوية بنفس القدر من دول “بريكس” النامية. يتم تصنيع كل شيء في الصين هذه الأيام، باستثناء المعالجات عالية التقنية، والبرامج، وعدد قليل من عمالقة الإنترنت، وبعض المنتجات الصيدلانية، وشركات النفط الكبرى والمعدات العسكرية الهامّة للجميع وصناعة الإنتاج الدفاعي.
بغض النظر عن ذلك، يعتمد اقتصاد الكتلة الرأسمالية الغربية على المؤسسات المالية مثل البنوك الاستثمارية العملاقة، مثل بنك “جي بي مورغان”، الذي يصل مجموع أصوله إلى 2359 مليار دولار (القيمة السوقية 187 مليار دولار)، وسيتي جروب، ومجموع أصولها 1865 مليار دولار (القيمة السوقية 141 مليار دولار)، وبنك أمريكا، ومجموع أصوله 2210 مليار دولار (القيمة السوقية: 133 مليار)، وبنك يلز فارغو وغولدمان ساكس وبنك بي.إن.بي باريبا ومجموعة أكسا (فرنسا)، وبنك دويتشه ومجموعة آليانز (ألمانيا)، وباركليز وإتش إس بي سي (المملكة المتحدة).
بعد ترسيخ حقيقة أنَّ الاقتصاد الغربي يعتمد في الغالب على قطاع الخدمات المالية، نحن بحاجة إلى فهم آثارها. كما قلتُ في وقت سابق، يتطلب الأمر بعض الوقت لبناء قاعدة تصنيع، ولكن من السهل نسبيًا بناء وتفكيك اقتصاد قائم على الخدمات المالية. ماذا لو قرر تميم بن حمد آل ثاني (حاكم قطر) غدًا سحب أسهمه من بنك باركليز ووضعها في بنك ترعاه منظمة المؤتمر الإسلامي المتوافق مع أحكام الشريعة؟
ماذا لو سحب جميع شيوخ دول الخليج أموالهم من المؤسسات المالية الغربية. هل يمكن للاقتصادات الغربية الهشّة القائمة على الخدمات المالية أن تتحمّل مثل هذه الخسارة في الاستثمارات؟ في أبريل من هذا العام هدّد وزير المالية السعودي أنَّ المملكة العربية السعودية ستبيع ما تصل قيمته إلى 750 مليار دولار من سندات الخزينة وغيرها من الأصول إذا أقرّ الكونغرس مشروع قانون من شأنه إدانة الحكومة السعودية في أحداث الحادي عشر من سبتمبر. مبلغ 750 مليار دولار هي قيمة الاستثمار السعودي في الولايات المتحدة فقط، إذا أضفنا استثماراتها في أوروبا الغربية، واستثمارات دولة الإمارات العربية المتحدة والكويت وقطر في الاقتصادات الغربية، فإنَّ إجمالي قيمة هذه الاستثمارات تصل إلى تريليونات الدولارات من الاستثمارات الخليجية في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية.
وبالرغم من ذلك، نحن بحاجة إلى البحث عن المزايا النسبية والعيوب هنا. إذا كان الاقتصاد الهشّ هو أكبر نقاط ضعفهم، ما هي أكبر نقاط القوة للقوى الغربية؟ أكبر نقاط القوة للكتلة الرأسمالية الغربية هي قوتها العسكرية. ينبغي علينا أن نعطي المزيد من المصداقية للمتطرفين الغربيين الذين فعلوا ما لم يجرؤ على فعله أحد آخر في العالم: خصخصة صناعة إنتاج الدفاع. وكما نعلم، أنَّ الشركات الخاصة هي أكثر ابتكارًا وكفاءة، وفي هذه الحالة بالذات، قاتلة أيضًا. ولكن امتلاك القوة شيء، واستخدام هذه القوة لتحقيق أهداف معينة مرغوبة شيء آخر.
الديمقراطيات الليبرالية الغربية ليست أنظمة استبدادية؛ فهي مسؤولة أمام ناخبيها على أعمالها وآثامها. والكثير من الفزع من البراغماتية، والنخب المكيافيلية الحاكمة، لا يستطيع المواطنون تجاوز تحيزاتهم الأخلاقية الراسخة. ومن أجل التغلب على هذه المعضلة الأخلاقية، أرادت المؤسسات السياسية الغربية ذريعة أخلاقية لفعل ما يريدون القيام به على أسس واقعية واقتصادية. وكان ذلك عندما وقعت أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي كانت نعمة مُقنّعة للمؤسسات السياسية الغربية؛ لأنَّ ذريعة “الحرب على الإرهاب” أعطتهم صلاحيات التفويض المطلق لغزو واحتلال أي بلد غنية بالنفط في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
ولا عجب بعد ذلك أنَّ الضحية الأولى “للحرب على الارهاب” بعد أفغانستان كان العراق. ما الذي تخبرنا به شركات الإعلام عن غزو العراق في عام 2003؟ ووهم أسلحة الدمار الشامل التي يمتلكها صدام وعلاقاته المزعومة مع تنظيم القاعدة؟ إنّها ليست سوى مصادفة أن يمتلك العراق 140 مليار برميل من احتياطي النفط الخام وينتج أكثر من 3 ملايين برميل يوميًا من النفط الخام.
ما الذي تخبرنا به وسائل الإعلام الغربية عما يسمى بــ “التدخل الإنساني” في عام 2011؟ الاحتجاجات السلمية والديمقراطية من قِبل الليبيين “المعتدلين والعلمانيين” ضد نظام القذافي ومسؤولية الغرب لحماية الثورات الديمقراطية وأرواح المدنيين؟ مرة أخرى، هذه ليست سوى مصادفة أن ليبيا تمتلك 48 مليار برميل من احتياطي النفط وتنتج 1.6 مليون برميل يوميًا من النفط الخام الأكثر سهولة في استخراجه.
حقيقة الأمر هي أنَّ الرأسمالية الاحتكارية والنظام الاقتصادي والسياسي العالمي الاستعماري الجديد هي قضايا حقيقية، في حين أنَّ التطرف الإسلامي والإرهاب هي قضايا ثانوية ومنتج ثانوي للقضايا السابقة. هذه هي الطريقة التي تبنى بها وسائل الإعلام الرئيسية سرديات مصطنعة وتخدع جمهورها لتصديقهم. أثناء الحرب الباردة، على سبيل المثال، خلقت وسائل الإعلام “الخوف الأحمر” وأخبرت الجماهير أنَّ الشيوعية هي تهديد وجوديّ للعالم الحرّ وطريقة الحياة الغربية، وللأسف اقتنع الجمهور الساذج بهذه السردية.
ثمّ قامت القوى الغربية ومعهم الشركاء السعوديين والباكستانيين بتمويل وتدريب وتسليح بل وشرعنة “مقاتلون من أجل الحرية” الأفغان واستخدامهم كوكلاء ضد الاتحاد السوفياتي.
وبعد تفكّك الاتحاد السوفيتي أعلنوا أنَّ “مقاتلون من أجل الحرية” هم مجموعة من الإرهابيين الذين يشكّلون تهديدًا وجوديًا آخر للعالم الحرّ وطريقة الحياة الغربية. ومرة أخرى، اقتنع الجمهور بهذه السردية.
ومرة أخرى، خلال الحرب الأهلية الليبية والسورية، أصبح “الإرهابيون” السابقون مقاتلين من أجل الحرية، وإن كان ذلك بطريقة أكثر دقة، كانت وسائل الإعلام يبيعها تروّج سردية اعتبارهم “ثوار معتدلين.” كيف يمكن أن تصف مقاتل يحمل بندقية في يده بأنه “معتدل وسلمي؟”
أرى أنَّ تنظيم الدولة الإسلامية، مثل سابقه، تنظيم القاعدة، هو غول خلق جو من الخوف لتبرير سياسة تدخليّة في منطقة الشرق الأوسط الغنية بالطاقة. تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا مختلف تمامًا عما يسمى الجماعات التابعة له في المناطق النائية والمتباينة مثل ليبيا وسيناء.
الشيء الوحيد الذي يميّز تنظيم الدولة الإسلامية عن غيره من الجماعات الجهادية المتشرذمة هو ترسانة الأسلحة المتطورة الذي قدّمها له حلف شمال الأطلسي وتمويل دول الخليج العربي خلال الحرب بالوكالة في سوريا. ثمة عامل آخر يعطي أفضلية نسبية لتنظيم الدولة الإسلامية على الجماعات الجهادية الأخرى؛ وهو هيكل قيادتها العليا والمتوسطة، الذي يتألف من المهنيين، وضباط الجيش والمخابرات السابقين من عهد صدام حسين.
أي جماعة مسلّحة تفتقر إلى ترسانة أسلحة مثل الذي يمتلكها تنظيم الدولة الإسلامية وهيكلها القيادي المهني لا يمكن أن تدّعي أنها تابعة للتنظيم فقط على أساس التقارب الأيديولوجي دون أي صلة تنظيمية وتشغيلية. وعلاوة على ذلك، تنظيم الدولة الإسلامية ليس تنظيمًا إرهابيًا مثل القاعدة؛ فقد اجتاح ثُلث سوريا والعراق، وبالتالي، فإنّه من منظمة متمردة.
من أجل الحفاظ على سردية “الحرب على الإرهاب” الهشّة، تميّز القوى الغربية الآن بين “الإرهاب الأخضر والأصفر والأحمر”، المسلحون الخُضر، مثل الجيش السوري الحر، الذي تدعمه منظمة حلف شمال الأطلسي بشكل علني، الجهاديون الصُفر، مثل جيش الفتح الذي يتضمن الإسلاميين المتشددين بدعم سعودي مثل حركة أحرار الشام وجبهة النصرة، التي تدعمها منظمة حلف شمال الأطلسي سرًا، هناك الإرهابيون الحُمر مثل تنظيم الدولة الإسلامية وهو منتج ثانوي للسياسة الغربية المنافقة في سوريا والعراق.
في السنوات الخمسة عشر الأخيرة لما يسمى بــ “الحرب على الإرهاب”، أطاحت القوى الغربية بنظام إسلامي واحد متمثل في حركة طالبان في أفغانستان، وثلاثة أنظمة قومية عربية: النظام البعثي بقيادة صدام حسين في العراق، والنظام القومي العربي الأفريقي بقيادة القذافي في ليبيا، والآن في محاولة يائسة للإطاحة بنظام بعثي آخر، نظام بشار الأسد في سوريا.
بعض المسؤولين الأمنيين رفيعي المستوى في أمريكا وبريطانيا، مثل دينيس بلير من وكالة الأمن القومي، وإليزا مانينجهام المديرة السابقة لوكالة الاستخبارات الداخلية البريطانية، وأليستر كروك الضابط السابق في الاستخبارات البريطانية، اعترفوا أنَّ وصول احتمال وقوع حوادث إرهابية إلى مستوى الصفر في عالم مُعسكر ليس خيارًا بالأساس.
الإرهاب جريمة بشعة، وليس عملًا من أعمال الحرب. أولئك الذين يتعاملون مع الإرهاب على أنّه عمل من أعمال الحرب لديهم دوافع خفيّة. إنَّ مهمة وكالات إنفاذ القانون والاستخبارات هي منع وتقليل مثل هذه الحوادث من الحدوث، ومع ذلك، وكما ذكر خبراء الأمن المشار إليهم أعلاه في تقاريرهم أنّه كأي جريمة أخرى من الممكن منع حوادث الإرهاب من خلال تنفيذ سياسات أمن خارجية طويلة المدى، لكنَّ القضاء التام على الإرهاب هو ببساطة أمر غير وارد.
جرائم مثل القتل والسرقة والسطو والاغتصاب لا تحدث في كل المجتمعات؛ ففي المجتمعات المثالية والمزدهرة والسلمية ينخفض معدل هذه الجرائم، بينما في المجتمعات الفقيرة التي تعاني من الصراع يرتفع معدل هذه الجرائم. ولكن سيكون هناك دائمًا مجموعة من المجرمين مثل أندرس بريفيك وسيونغ هوي تشو مرتكب مذبحة جامعة فرجينيا للتكنولوجيا الشهيرة التي من شأنها أن تطلق العنان لحقبة من الإرهاب في أي مجتمع معين.
وبالرغم من ذلك، ظواهر التشدد والتمرد لها علاقة أقل بالتطرف الديني، وعلى هذا النحو، ترتبط أكثر بضعف الدولة في المناطق الريفية والقبلية في البلدان النامية، مما يؤدي إلى زيادة تفاقم التسليح المتعمد لبعض الجماعات المتشددة من قِبل اللاعبين الإقليميين والعالميين.
حركة التمرد الماوية في الهند، على سبيل المثال، ادّعت أن هناك 2.866 حالة وفاة منذ عام 2010، وأنَّ جميعهم من الهندوس، وليسوا من المسلمين. سواء كان إسلاميًا أو متطرفًا ماويًّا، حركات التمرد هذه ليست سوى ردود فعل على تفاوت الثروة والتنمية غير المتوازنة التي كانت في معظمها تقتصر على المراكز الحضرية في حين تغرق المناطق النائية الريفية في فقر مدقع، وغياب أجهزة إنفاذ القانون وأجهزة أمن الدولة في المناطق المُعرّضة للتمرد.
الأيديولوجية المُعلنة للمسلّحين تلعب دورًا ثانويًا مقارنة بالدور الأساسي الذي لعبته السيطرة المركزية الضعيفة للدول النامية في مناطقهم النائية، وخاصة إذا كان دول عِرقية لغويًا أو مختلفة ثقافيًا ومهمّشة كذلك.
من أجل إثبات وجهة نظري بأنَّ التشدد يرتبط بدرجة أقل بالأيديولوجيا المعلنة أو الدين وبدرجة أكبر بالعوامل الجغرافية السياسية، فيما يلي نستعرض قائمة لبعض حركات التمرد غير المسلمة الأخيرة:
- حركة نمور التاميل في سري لانكا التي اخترعت التفجيرات الانتحارية كتكتيك في الحرب كانت من الهندوس.
- أعداد كبيرة من حركات التمرد الماوية، والناكساليت، وناجا بودو في شمال شرق الهند كانت أيضًا من الهندوس.
- التمرد من جماعة القوات المسلحة الثورية (فارك) في كولومبيا الذي أودى بحياة مئات الآلاف من الأرواح هم من المسيحيين.
- جيش الرب للمقاومة بقيادة جوزيف كوني الذي عمل في أوغندا من المسيحيين والوثنيين.
- الرئيس الحالي لجنوب السودان والرئيس السابق للتمرد ضد السودان، سلفا كير، وحركته المسلّحة، هم من المسيحيين.
- ثمّ مرة أخرى، رياك مَشار، الذي قاد تمرد النوير ضد قبيلة سلفا كير، دينكا، منذ ديسمبر عام 2013، كان مسيحيًا.
- كان الصراع بين الهوتو والتوتسي في رواندا الذي أودى بحياة مئات الآلاف صراعًا بين غير المسلمين.
- كان جميع المتحاربين في حرب الكونغو الثانية التي أسفرت عن الملايين من القتلى من المسيحيين.
- كانت ميليشيات أنتي بالاكا التي ارتكبت العديد من المجازر بحق الأقلية المسلمة في جمهورية أفريقيا الوسطى منذ عام 2013 من غير المسلمين.
- وأخيرًا، الأزمة الأوكرانية والتمرد الذي أعقب ذلك والذي أسفر عن مقتل الآلاف كانت أيضًا من قِبل المسيحيين.
مع أخذ كل هذه الأدلة بعين الاعتبار، يصبح من الواضح أنَّ الإسلام كدين هو سلمي أو “عُنفيّ” مثل المسيحية والهندوسية والبوذية، وبإلقاء نظرة سريعة على القائمة، يصبح من الواضح أيضًا أن القاسم المشترك بين كل حركات التمرد المختلفة لم يكن الدين.
نظرًا لأنَّ أكثر حركات التمرد أثّرت في المناطق الفقيرة والمتخلفة في آسيا وأفريقيا، وبالتالي، فإنَّ الاستنتاج الشرعي الوحيد الذي يمكن استخلاصه هو أنَّ العسكرة وضعف الحكم في الدول النامية كان المسؤول الأول عن تربية مجموعة متنوعة من المتشددين والمسلّحين في المناطق النائية الريفية والقبلية النائية. وهذا هو القاسم المشترك الوحيد بين هذه القائمة من حركات التمرد.
العوامل الجذرية المسؤولة عن انتشار التشدد والتمرد في أي مكان في العالم لا تكمن في الدين ولكن في الاقتصاد الاجتماعي، والتنوع العرقي وتهميش الجماعات العرقية والإثنية اللغوية والدينية المحرومة والصراعات التي تلت ذلك، والتخلف الاجتماعي والثقافي للمناطق المتضررة، والسيطرة المركزية الضعيفة في الدول النامية الفقيرة على أراضيها.
بعد غزو واحتلال أفغانستان والعراق، وعندما فشلت مشاريع “بناء الأمة” الأمريكية في تلك البلدان العاجزة، أدرك صنَّاع السياسات في الولايات المتحدة على الفور أنهم كانوا يواجهون حركات تمرد متجذرة شعبيًا ضد الاحتلال الأجنبي، وبالتالي، غيّر الاحتلال العسكري عقيدة مكافحة الإرهاب لصالح استراتيجية مكافحة التمرد. تختلف استراتيجية مكافحة التمرد جوهريًا عن نهج مكافحة الإرهاب وتنطوي أيضًا على الحوار والمفاوضات والتسويات السياسية، جنبًا إلى جنب مع أساليب قسرية لإنفاذ القانون وعمليات عسكرية وشبه عسكرية على نطاق محدود.
جميع الجماعات المسلحة الإقليمية مثل حركة طالبان، وتنظيم الدولة الإسلامية، وحركة الشباب في الصومال وبوكو حرام في نيجيريا؛ وحتى بعض الجماعات الأيديولوجية التابعة لتنظيم القاعدة والدولة الإسلامية، مثل تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، وتنظيم الدولة الإسلامية في أفغانستان واليمن وليبيا، التي ليس لها أي ارتباط تنظيمي وتشغيلي مع تنظيم القاعدة المركزي أو تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا، على التوالي، ليست جماعات إرهابية، على هذا النحو، ولكن مجرد متمردين إسلاميين هدفهم هو تطبيق الشريعة الإسلامية في مناطق نفوذهم.
وأخيرًا، لا أستطيع أنَّ أفهم سبب قيام القوى الغربية بقصف المتمردين الإسلاميين في منطقة الشرق الأوسط، وهو الأمر الذي كانت نتيجة لحروبهم الخاطئة في أفغانستان، العراق، ليبيا، اليمن والصومال وسوريا. ما الذي يريده المتمردون ولا تستطيع قوى “التدخل الليبرالية” قبوله كمسألة مبدأ؟ هل هو تطبيق الشريعة الإسلامية، أم الإعدام الوحشي الذي اكتسبت من خلاله حركة طالبان، وتنظيم الدولة الإسلامية، وحركة الشباب وجماعة بوكو حرام الكراهية من المجتمع الدولي؟ إذا كان هذا هو الحال، إذن، لماذا تتجاهل القوى الغربية التجاوزات التي ترتكبها المملكة العربية السعودية حيث الشريعة الإسلامية هي القانون الرسمي للبلاد وعقوبات الإعدام الحديّة تحدث بشكل يومي؟
هذا التناقض يوضح مدى النفاق الهائل والمعايير المزدوجة للقوى الغربية. عندما يتعلق الأمر بتأمين 265 مليار برميل من احتياطيات النفط السعودية و100 مليار برميل من الإمارات العربية المتحدة والكويت ليشكّلوا معًا 365 مليار برميل، أي ثُلث احتياطيات النفط الخام في العالم، فإنَّ القوى الغربية على استعداد للتغاضي عن التجاوزات التي ارتكبت من قِبل هذه الأنظمة، ولكن عندما يتعلق الأمر بالتفاوض مع المتمردين الإسلاميين للوصول إلى تسويات سياسية وتخفيف وطأة الضغوط على جميع أعمال العنف وإراقة الدماء في المنطقة، تقف القوى الغربية بحزم ضد ما يسمى “الإرهابيين” كمسألة مبدأ.
اقرأ:
أوراسيا ريفيو: آثار الحرب العالمية الأولى على العالم العربي اليوم