on
Archived: أوراسيا ريفيو: آثار الحرب العالمية الأولى على العالم العربي اليوم
أوراسيا ريفيو: ترجمة إيوان24
لا تزال آثار الحرب العالمية الأولى (1914-1918) قوية للغاية في غرب آسيا. الحملات العسكرية التي دارت خلال الحرب والترتيبات السياسية التي أعقبت ذلك أدت في نهاية المطاف إلى ظهور العراق، سوريا، الأردن، إسرائيل، ولبنان كدول مستقلة فضلًا عن الولادة المجهضة لدولة فلسطين. المملكة العربية السعودية أيضًا حصلت على حدودها الحالية كجزء من العملية نفسها، والإبادة الجماعية للأرمن (1915-1916)، التي تتحمل مسؤوليتها الإمبراطورية العثمانية، لا تزال تقف في طريق خطة الدولة التركية للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
مع دخول تركيا الحرب إلى جانب ألمانيا في 30 أكتوبر عام 1914، كانت لندن قلقة من أنَّ الحرب ضد الخليفة قد تؤدي إلى إقصاء المسلمين في شبه القارة الهندية وغيرها. وكانت هناك حاجة لجمع المعلومات الاستخباراتية والقيام بأعمال الدعاية اللازمة. اقترح السير مارك سايكس، مستشار وزير الدولة لشؤون الحرب اللورد كيتشنر، إنشاء المكتب العربي في القاهرة. وفقًا لذلك، وعلى الرغم من معارضة وزير الدولة لشؤون الهند، تمّ تأسيس المكتب في عام 1916. كان المفوض السامي لبريطانيا العظمى في القاهرة هو السير هنري مكماهون. وكان كل من كيتشنر ومكماهون على اتصال قوي بالهند. كان كيتشنر هو القائد العام للقوات المسلحة في الهند (1902-1909) وخلافاته مع الوالي كرزون عجّلت برحيل الأخير. كان مكماهون وزير الخارجية خلال مؤتمر شيملا عام 1914 عندما تمّ الاتفاق على خط الحدود مع التبت، الذي عُرف باسم خط مكماهون.
من أجل الإسراع في سقوط الإمبراطورية العثمانية، المعروفة عمومًا باسم رجل أوروبا المريض منذ فترة طويلة، قررت لندن تحريض العرب للانتفاض في ثورة ضد الباب العالي، كما كان يُعرف الإمبراطور العثماني في أوروبا. حظي العثمانيون بشعبية كبيرة في غرب آسيا. ولكن، الحسين بن علي، شريف مكة، كان مترددًا في ولائه لأنّه علم أنَّ اسطنبول تنوي استبداله. وباعتباره الشريف، كان يحظى ببعض النفوذ. طلب كيتشنر من حسين اغتنام الفرصة للتمرد. وبالفعل دخل حسين في مراسلات مع مكماهون واتفق الجانبان أنّه إذا ثار العرب ضد العثمانيين، فإنّه في نهاية الحرب ستساعد بريطانيا في إقامة خلافة عربية مستقلة تحت حكم الحسين.
أما بالنسبة لمنطقة الخلافة، تمّ استبعاد سوريا التي كانت تقع ضمن دائرة اهتمام فرنسا. كما تمّ إدراج الفلسطينيين في الوصف الذي قدّمه حسين للخلافة العربية المقترحة. وتمّ تبادل الرسائل من يوليو 1915 إلى مارس 1916 ولم يذكر مكماهون أنّه ينبغي استبعاد فلسطين من الخلافة العربية المقترحة. أرسل مكماهون المال والسلاح وبدأت الثورة العربية في يونيو 1916. توماس إدوارد لورنس، ضابط المخابرات الشاب، الذي عُرف فيما بعد باسم “لورنس العرب” في فيلم عام 1962 يحيك عن “أعماله البطولية”، لعب دورًا مبالغًا فيه كثيرًا في إثارة الثورة العربية.
قضية فلسطين تأخذنا إلى وعد بلفور بتاريخ 2 نوفمبر 1917. وكانت في شكل رسالة من وزير الخارجية آرثر بلفور إلى والتر روتشيلد، أحد زعماء الجالية اليهودية. وفيما يلي نصها:
“تنظر حكومة صاحب الجلالة بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وسوف تبذل قصارى جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، فمن المفهوم على نحو جلي أنّه لن يتم القيام بأي شيء من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية في فلسطين، أو الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في أي بلد آخر.”
كانت هناك تعليقان بشأن العبارة المخادعة “الطوائف غير اليهودية”. في ذلك الوقت، كان يعيش في فلسطين 670 ألف من العرب و80 ألف من اليهود. وبعبارة أخرى، كان العرب أكثر من ثمانية أضعاف عدد اليهود. ومع ذلك، كانوا مجرد “طوائف غير يهودية”. وعلاوة على ذلك، حُرموا من حقوقهم السياسية، مع قصر تلك الحقوق على اليهود.
من الواضح أنَّ بريطانيا خانت العرب بإصدار وعد بلفور. وقد خانت العرب في وقت سابق من قبل إبرام اتفاقية سايكس بيكو السريّة في مايو 1916 لتقسيم غرب آسيا بين بريطانيا وفرنسا. وبتعليمات من كيتشنر تفاوض سايكس مع الفرنسيين حول التصرف في الأراضي، بالرغم من استمرار المراسلات بين مكماهون والحسين. كان جورج فرانسوا بيكو المحاور الذي مثّل فرنسا في المفاوضات التي بدأت في نوفمبر عام 1915. وبشكل أساسي، قسمّت فرنسا وبريطانيا المنطقة بينهما وذلك لممارسة الهيمنة بصورة مباشرة أو بطريقة أخرى.
ذهب الساحل السوري، الذي يشمل الآن جزءًا كبيرًا من لبنان، إلى فرنسا. وتولت بريطانيا السيطرة المباشرة على وسط وجنوب بلاد ما بين النهرين، في جميع أنحاء محافظات بغداد والبصرة. وكان يجب أن يكون لفلسطين إدارة دولية، نظرًا لأنَّ القوى المسيحية الأخرى، روسيا تحديدًا، أبدت اهتمامها بالمنطقة. وبقية المنطقة بما في ذلك سوريا والموصل، والأردن كانت تحت حكم زعماء محليين يشرف عليهم الفرنسيون في الشمال والبريطانيون في الجنوب. لقد قسّمت فرنسا وبريطانيا جلد دب كان لا يزال على قيد الحياة. تمّت استشارة روسيا في وقت لاحق، وتمّ الاتفاق على أنَّ روسيا ستحصل على اسطنبول وتهيمن على مضيق الدردنيل. اليابان، القوة العظمى الوحيدة من آسيا، كانت على دراية بكل ما يحدث.
ومع ذلك، لم تتوقع لندن وباريس الثورة الروسية. كشفت الصحف الروسية مثل “ازفستيا” و”برافدا “عن الصفقة السريّة في 23 نوفمبر 1917، لتسير على خطاهم صحيفة الجارديان البريطانية بعد ثلاثة أيام. كانت وزارة الخارجية البريطانية في موقف محرج للغاية، ومن ثمّ استقال مكماهون. وتجدر الإشارة هنا إلى أنَّ وعد بلفور ونشر اتفاقية سايكس بيكو حدثا في نوفمبر 1917.
كان هناك تطور مهمّ آخر في نوفمبر عام 1917. أصدر لينين مرسوم السلام الذي حثّ فيه على إنهاء الحرب دون إلحاق أو تعويضات. كما أعلن الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون الذي دخل الحرب في أبريل 1917، عن مبادئ ويلسون الأربعة عشر في يناير عام 1918. وكان المبدأ الأول عن المواثيق المفتوحة التي تحققت دون تفاهمات سريّة.
عندما اجتمع المنتصرون في الحرب العالمية الأولى في باريس، أخذت بريطانيا زمام المبادرة، وذلك بدعم من فرنسا وإيطاليا، للترويج لفكرة “الانتداب”. لقد كانوا بحاجة إلى مصطلح جديد لتعظيم الاستيلاء على الأراضي في ضوء ما قاله لينين وويلسون. يجب عدم منح الاستقلال للأراضي التي تحتفظ بها ألمانيا وتركيا على الفور لأنَّ السكان لم يكونوا يصلحوا للاستقلال الفوري؛ إنهم بحاجة لتعلّم دروس المنتصرين لفترة من الوقت. ولكن لم تندرج الأراضي ولا قوى الانتداب في المادة رقم 22 من معاهدة السلام التي وضعت مفهوم “الانتداب”.
في سوريا، في سبتمبر عام 1918، شكّل العرب حكومة موالية للشريف حسين. وفي يوليو 1919، رفض برلمان بلاد الشام مطالب فرنسا، واختارت فرنسا عدم إرسال الجيش، ولكن كان ذلك لخداع العرب. في يناير 1920، دخل فيصل بن الحسين، ورئيس الوزراء الفرنسي كليمنصو في اتفاق تضمن اعتراف فرنسا باستقلال سوريا.
شعرت فرنسا وبريطانيا بضرورة حسم مصير الأراضي العثمانية في غرب آسيا، وبالفعل تمّ عقد مؤتمر سان ريمو (أبريل 1920). وحضر الاجتماع كل من بريطانيا وفرنسا وايطاليا واليابان وبلجيكا واليونان. حصلت بريطانيا على العراق وفلسطين وحصلت فرنسا على سوريا. وتمّمت إعادة التأكيد على وعد بلفور في مؤتمر سان ريمو. من الناحية الفنية، كان ينبغي لقوى الانتداب انتظار قرار رسمي من عصبة الأمم لمنحهم حق الانتداب/الولاية. لكنهم لم ينتظروا وتصرفوا على وجه السرعة.
أثار إعلان سان ريمو موجة عارمة من الغضب في العراق حيث ثار الشيعة والسُنة في يونيو 1920. أمر تشرشل بإرسال تعزيزات من إيران والهند. وحثّ غاندي الهنود على عدم تقديم أنفسهم كمجندين للقتال في العراق. كانت تلك هي المرة الأولى التي تتحدث فيها الهند بقوة ضد بريطانيا لاستخدام القوى العاملة الهندية لمشاريعها الاستعمارية. تشرشل بصفته وزير الدولة لشؤون الحرب كتب في 12 مايو 1919 أنّه “يؤيد بقوة استخدام الغاز السام ضد القبائل غير المتحضرة”. ويبدو أنَّ هذا الغاز السام لم يُستخدم في العراق لأنّه لم يكن متاحًا. وفي النهاية، فقدت الثورة زخمها في أكتوبر 1920.
بعد مؤتمر سان ريمو، ودون انتظار للموافقة على منح تفويض من عصبة الأمم، أرسلت فرنسا جيشها وهرب فيصل. وقرر تشرشل أن يكون فيصل ملكًا للعراق. عندما ساعد الفرنسيون فيصل على الفرار من دمشق، نقل شقيقه عبد الله قواته من الحجاز إلى دمشق لمواجهة الفرنسيين. ودعاه تشرشل لحضور “حفلة شاي” وجعله يغيّر خطته وكافأه بجعله أمير شرق الأردن في عام 1921. وأصبح فيصل ملك الأردن عندما حصلت البلاد على استقلالها في عام 1946.
وعندما أُلغيت الخلافة في عام 1924، أعلن الشريف حسين نفسه الخليفة الجديد، ولكن الكثيرين لم يأخذونه على محمل الجد. عندما هاجم بن سعود الحجاز، هرب حسين لأنّه لم يتلق أي مساعدة من بريطانيا. استولى ابن سعود على الحجاز، بما في ذلك مكة المكرمة والمدينة المنورة، وجدة. وفي عام 1932، أصبح ابن سعود ملكًا للمملكة العربية السعودية.
عملت بريطانيا جاهدة لإقامة دولة مستقلة لليهود في فلسطين. وكان بلفور نفسه صهيونيًا. وقال إنّه على الرغم من أنَّ اليهود أقلية في فلسطين، ونظرًا لأنّه من المفترض أن تكون وطنًا لليهود، ينبغي مقارنة سكان يهود العالم بالسكان العرب في فلسطين. سهّلت بريطانيا دخول المزيد من اليهود إلى فلسطين، واشترى اليهود الأراضي الفلسطينية. في عام 1939، أوصت لجنة شكّلتها الحكومة البريطانية بحل الدولتين، دولة لليهود وأخرى للعرب. لكنَّ اليهود شعروا بالأسى حيال تغيير وعد بلفور. ولذلك، لجأوا إلى الإرهاب لإقناع البريطانيين بمغادرة فلسطين.
في 5 نوفمبر عام 1944، تمّ اغتيال اللورد موين، الوزير البريطاني لشؤون الشرق الأوسط والصديق المقرب من تشرشل. وفي 22 يوليو عام 1946، تمّ تفجير فندق الملك داوود من قِبل مجموعة بقيادة مناحيم بيغن، رئيس وزراء إسرائيل. وأخيرًا، أعلن ديفيد بن غوريون قيام دولة إسرائيل في 15 مايو 1948، قبل الجدول الزمني المنصوص عليه في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 لتأسيس دولتين في فلسطين في موعد لا يتجاوز 1 أكتوبر 1948.
انضمت أرمينيا إلى الإمبراطورية العثمانية في القرن الخامس عشر. ونظرًا لأنَّ الأرمن كانوا مسيحيين، كان ولائهم محل شكّ، وهم، من جانبهم، كانوا أكثر ميلًا إلى النظر تجاه روسيا لتوفير الحماية لهم. وعندما دخلت تركيا الحرب العظمى، ساعد بعض الأرمن روسيا. وفي 25 أبريل 1915، بدأت الإبادة الجماعية، واستمرت حتى عام 1922. في حين أن عدد القتلى غير معروف، تشير بعض التقديرات إلى أن عدد الضحايا وصل إلى ذلك 1.5 مليون. رافائيل ليمكين (1900-1959)، وهو محامٍ بولندي من أصل يهودي، صاغ مصطلح الإبادة الجماعية مع الأخذ في الاعتبار الإبادة الجماعية للأرمن، ومحرقة الهولوكوست. أعد ليمكين مسودة اتفاقية عام 1948 بشأن منع ومعاقبة الإبادة الجماعية. وبعد أن أصدر البرلمان الألماني قرارًا في 2 يونيو 2016 أنَّ قتل الأرمن ابتداء من 1915 كان إبادة جماعية، استدعى الرئيس أردوغان سفير بلاده لدى ألمانيا.
اقرأ:
تقرير: واقع المعارضة المسلحة السورية في 2016 والتحديات التي تواجهها