on
Archived: هالة دروبي: حياة وموت مطعم اسمه ديك الجن
في إحدى حفلات رأس السنة في مطعم ديك الجن في السبعينات – من أرشيف أصحاب ديك الجن
هالة دروبي: رصيف 22
لا يزال مطعم “ديك الجن” في مكانه، لكنه مقفل وبلا حياة. يقبع في منطقة الميماس، ملاصقاً نهر العاصي. كان في صباه المكان الوحيد لإقامة الأفراح الكبيرة والسهر والاحتفال برأس السنة. أحيا حفلاته صباح ووديع الصافي، وفرقة “بوني أم” التي صدحت “دادي كوول” في حمص.
لكن الشيخوخة ضربت عروقه التي جفت كجفاف النهر الذي أطل عليه. أتعبته المنافسة الجديدة والمطاعم الحديثة والمدينة المتغيرة. ثم أقفل بابه لآخر مرة في ربيع 2011.
حياة المطاعم والمقاهي، روادها، أزماتها وتغيراتها هي انعكاس لحالة المجتمع وحياة أهله. فنحن لا نذهب إليها بحثاً عن الطعام والشراب فقط، بل لحاجتنا إلى التواصل والتلاقي. تتكون صداقات وتنتهي حول طاولاتها، نحتفل بأهم لحظات حياتنا فيها. الملابس التي نرتديها، أزياؤنا، أحاديثنا فيها، الفواتير التي ندفعها، والإكراميات التي نتركها للنادل، كل هذه قصص صغيرة تحكي أحوال المدينة.
وهذه هي القصة التي يحكيها ديك الجن. مساحة تقارب الـ4000 متر مربع، وتتسع لـ2000 شخص، شهدت على مدى 52 عاماً تبدل أحوال حمص وأهلها.
“كنا نسميه بيت جدي”، تقول مجد معصراني، السيدة الأربعينية التي تقيم في جدة. “كل طفولتنا وشبابنا وذكرياتنا الحلوة فيه، في كل زاوية من زواياه”.
ديك الجن الحمصيبنى مطعم “ديك الجن”، رجل من حمص اسمه حسن الحسيني عام 1959. اختار أرضاً خارج المدينة، منخفضة بعض الشيء، ولا يفصلها عن مياه نهر العاص ضفة. أعطاه اسم الشاعر ديك الجن الحمصي الذي أمضى ليالي على ضفاف العاص يبكي حبيبته ورد، بعدما قتلها من فرط غيرته عليها. يحمل المدخل لوحة بيضاء كتب عليها اسمه بالخط الأحمر.
تنزل إليه بسلالم تجعله تحت مستوى الشارع ليلاصق ضفة النهر. فيه قسم داخلي أو شتوي، وآخر خارجي بلا سقف، وهو المطعم الصيفي بحديقة ألعاب للأطفال. “كان المطعم الأول من نوعه في المدينة”، يقول فهمي الحسيني، أكبر أبناء حسن، الذي ورث المطعم مع أخويه عماد وحسان بعد وفاة والدهما.
“عم تحكي عن مرحلة كان الناس فيها تلبس الطقم والكرافات مشان تروح على الغدا يوم الجمعة”، يقول عماد الحسيني. كان ذلك في الوقت الذي خرجت فيه سوريا من مرحلة اتسمت بانقلابات عسكرية كثيرة، ودخلت في وحدة مع مصر لتصبح جزءاً من “الجمهورية العربية المتحدة”. كان ذلك زمناً تتشكل فيه تحالفات وتنكسر حول طاولات المقاهي. لكن طاولات ديك الجن لا تحمل هذا النوع من الذكريات. فلم يكن المطعم مكان لقاء المثقفين ومحل نقاشهم. بل تمحورت شخصيته الفتية آنذاك حول طاولات مستطيلة وطويلة تقدم وجبات عشاء وغداء مع نسيم يرسله العاصي، وفي المساء تُعقد الحفلات.
“كانت أرقى السهرات في ديك الجن”، تقول سيدة من حمص تبلغ من العمر 83 عاماً، وفضلت عدم ذكر اسمها. “في حفلات رأس السنة يحضرون الأقنعة والهدايا، نرقص… كنت أعرف كل رواده. كنا كلنا نعرف بعضنا بعضاً”.
الانفصال والبعث وصباحاستهلت سوريا الستينات بالانفصال عن مصر. حُلت الأحزاب السياسية السورية ثم بدأت الحياة الديموقراطية بالاحتضار، بعدما نجح ضباط من حزب البعث بالوصول إلى السلطة بانقلاب عام 1963. وقد سبق ذلك فرض قانوني الإصلاح الزراعي والتأميم، اللذين طالا مصالح وأملاك برجوازيي البلد. أي أنها نالت من حياة ودخل الكثير من رواد ديك الجن. وهو ما يذكره بعض كبار السن في المدينة. “أذكر سكتات قلبية أصابت الأصدقاء وخوفنا من المستقبل وبكاء رجال على أراض ورثوها وعاشوا من دخلها”، تقول السيدة الثمانينية.
استمرت رغم ذلك مساحة الرقص في ديك الجن بالاتساع. بدأ باستضافة فنانين من خارج سوريا وإقامة حفلات غنائية. أحيت فيه صباح حفلة في الستينات، ووديع الصافي.
كلود فرنسوا في “الستيريو”أشياء ثلاثة قد تكون الأكثر تأثيراً على ديك الجن في السبعينات. أولها الحركة التصحيحية أو الانقلاب العسكري، الذي جاء بحافظ الأسد إلى الحكم عام 1970، ليكون الانقلاب الأخير في حياة سوريا، ولتحكمها على مدى 45 عاماً عائلة واحدة.
ثانيها المساعدات المالية من دول الخليج لسوريا بعد خروجها من حرب الـ1973 ضد إسرائيل. يقول جمال باروت في كتابه “العقد الأخير في تاريخ سوريا”، إن هذه المساعدات بلغت ملياراً و500 ألف دولار سنوياً، وهو مبلغ كفيل بأن يعطي الاقتصاد جرعة حياة مكثفة ليحقق نموآً كبيراً. كان ذلك بالتزامن مع مرحلة شهدت هجرة سورية كبيرة إلى دول الخليج، كما يذكر باروت في كتابه، لتدخل البلد تحويلات مالية وافرة، وارتفع دخل الكثير من العائلات.
أما العامل الثالث فهو الديسكو، أي موجة الرقص التي اجتاحت العالم في السبعينات، ووصلت إلى حمص. فافتتح ديك الجن “النايت كلوب” الأول في المدينة، وسماه “الستيريو”. كان فيه بار و”بيست” للرقص، وإضاءة ملونة ومكبرات صوت والكثير من الأسطوانات.
– من أرشيف أصحاب ديك الجن“السبعينات كانت القمة، والناس ازداد مدخولها وبدها تصرف”، يقول الحسيني. وقد تعاقد ديك الجن مع متعهد حفلات لبناني اسمه طوروس، جلب فرقة “الفور أم” المصرية، وسميرة توفيق وسامي كلارك إلى الستيريو. ولعله بلغ القمة حين أحيت فرقة “البوني أم” والمطرب “كلود فرانسوا” حفلات فيه.
“كنا كل خميس نسهر بالستيريو وكل راس السنة نحتفل فيه. من أول ما فتح”، تقول نرجس رسلان، سيدة سبعينية من حمص.
أعراس التسعيناتوجود الستيريو جعل إقامة الحفلات الخاصة أكثر سهولة. فبدأت الأعراس الصغيرة النسائية، أو “الصمدات” كما كان يسميها أهل البلد، بالانتقال من المنازل إلى المطعم الوحيد ذي المساحة الكبيرة وتجهيزات الإضاءة والصوت.
“نحن جوزنا نصف أهل حمص”، يقول الحسيني. وهو ما يذكره علاء البارودي، الذي يبلغ من العمر 35 عاماً. “كان موطن أعراس أهل البلد”، يقول البارودي. “الذكريات فيه ما بتخلص… من طفولتي بمنطقة المراجيح لفترة الشباب والطيش ليوم عرسي فيه”.
– من أرشيف أصحاب ديك الجنأصبحت هذه الأعراس مصدر دخل لديك الجن في العقود التي تلت. حتى أن الحجز لإقامة عرس فيه تطلب أشهراً من الانتظار في فترة التسعينات. “بالصيف كان عندنا كل يوم عرس، أحياناً باليوم الواحد 3 أعراس: واحد بالستيريو وبالحديقة وبالمطعم الداخلي”، يؤكد الحسيني.
بدأ عدد المطاعم بالازدياد في حمص. افتتح في جوار ديك الجن ثلاثة مقاه أخرى. وافتُتح “السفير”، وهو أول فندق كبير في المدينة، مع مسبح وحديقة وقاعة أعراس.
يقول الحسيني إن عمل المطعم لم يتأثر في التسعينات، ولا سيما الأعراس. وقد كان حفل الزفاف في ديك الجن أقل كلفة من أعراس فندق السفير، الذي اتسم بأناقة جديدة على المدينة. ويضيف: “بقي زبائننا، الذين يعرفوننا، وعمالنا الذين عرفوا أهل البلد 40 سنة، يأتي الزبون فيدللونه، لأنه ليس مجرد رقم. الزبون عندنا صاحب المحل”.
لكن الحقيقة هي أن وجوه مرتادي المطعم بدأت تقل ألفة. فمع ما يسمى بترييف المدن، أي انتقال أهل الريف إلى المدن القريبة، وازدياد عدد سكان حمص، وتفاوتهم مستوياتهم مادياً واجتماعياً، بدأت وجوه جديدة ترتاده. ليصبح خيار من يبحث عن طعام ومشروب جيد بسعر معقول.
زبائن كثر كذلك بدأوا يقيمون مناسباتهم في مطاعم أخرى أكثر أناقة أو حداثة أو قرباً من مركز المدينة. فئة أخرى ابتعدت عن ديك الجن، وهي الأكثر تديناً. فبالقرب من ديك الجن افتتح مطعم لا يقدم الكحول وأصبح خيار الكثير من السيدات المحجبات في المدينة.
استشعر ديك الجن أن ثمة موجة تديّن تكاد تقترب من المدينة، فحاول أن يستجيب بمرونة. “حاولنا أن نوقف تقديم الكحول لكن توقف حال المطعم وكدنا نخسر أكثر زبائننا ولاءً”، يوضح الحسيني. فعاد المطعم عن قراره، وعاد زبائنه للسهر حول طاولتهم التي اعتادوها، ليكملوا ما فتحوا البارحة من أحاديث وعلب ويسكي سجلت بأسمائهم.
كان شكل سوريا، الدولة المخابراتية، قد تخمر واكتمل. لا مكان للعمل السياسي أو حتى الحديث عنه فيها. بقيت المطاعم هامشاً للقاء والأكل والاحتفال، لكن جدرانها، كحال جدران المدينة كلها، لها آذان. أصحاب المطعم وزبائنه يعرفون أن بعض النُدُل “خطن حلو” وهو تعبير يستخدم لوصف المخبر. علاقتهم بالمخبرين الصغار معقدة، شأنها شأن الكثير من معادلات القوة والضعف في الأنظمة الشمولية. تارة يخشونهم، ويخفضون الأصوات ويغيرون مجرى الحديث، حين يقترب النادل بطبق طعام. وتارة يستفيدون من خدماتهم، فيستأذن النادل من عمله ليساعد أحد الزبائن في تسريع معاملة تجديد جواز سفر، مستخدماً ما لديه من معارف في الدوائر الحكومية. لكنهم وسط هذا قد يشفقون عليهم أحياناً: قمصانهم البيضاء، فضفاضة واسعة قديمة تميل للاصفرار، ولا معالم لغطرسة المخبرين تظهر على وجوهم. وهم في نهاية الأمر أكثر حاجة وفقراً من معظم زبائن المطعم.
العقد الأخيركل التغيرات التي واجهها المطعم في نهاية التسعينات تبلورت لتصبح تهديداً لوجوده، مع بدء الألفية. دخل ديك الجن مرحلة الشيخوخة البطيئة. كان هذ العقد الأخير في حياة ديك الجن، والعقد الأخير في حياة سوريا كما نعرفها.
بدأ بوفاة حافظ الأسد وتعديل دستور الدولة ليستلم الحكم ابنه الشاب الثلاثيني، بشار الأسد. طفت على السطح الكثير من الطموحات والآمال. وُعِد الشعب بشيء من الانفتاح والتغيير. قد يختلف الناس حول حقيقة حصول أي تغيير في صلب الدولة، لكن تغيراً على السطح حدث فعلاً.
دخل الانترنت إلى بلد بقيت نوافذه موصدة لسنوات طويلة. جاء ربيع دمشق ليعد بشيء من الديموقراطية ثم ولى ليأتي بعده شتاء، يؤكد على أن ثمة خطوطاً حمراء لن تزحزحها التغيرات. بدأ الحديث عن التغيير والإصلاح الاقتصادي وطويت صفحة الإصلاح السياسي.
افتتحت بعض البنوك، أزيحت عقبات الاستيراد والتصدير، سمح بالاستثمار الأجنبي وتشكلت الشركات القابضة التي تكتلت فيها زعامات البلد الجديدة. الزعامات الاقتصادية التي امتلكت حصة في معظم المشاريع الكبيرة في سوريا. ازدادوا ثراءً، بينما ازدادت الطبقة الوسطى فقراً، بحسب كتاب باروت.
طالت المشاريع الجديدة جميع القطاعات، بما فيها الترفيه والمطاعم. أي أنها طالت عالم ديك الجن.
في دمشق، افتتح فندق الفورسيزونس والكثير من الفنادق الصغيرة الأنيقة أو “البوتيك” والمطاعم والمقاهي. وفي حمص كذلك.
فحين زار بشار الأسد حمص مع زوجته أسماء، اختار أن يتناول الطعام في أحد المطاعم الجديدة. كان كل ما في المشهد جديداً: رئيس جمهورية شاب مع زوجته من دون مرافقة، يبتسم، ويتناول الطعام بالقرب منهم في مطعم إيطالي.
كان المطعم واحداً من عشرات المطاعم الفتية التي ملأت شارع زكي الأرسوزي حتى سماه أهل المدينة “شانزليزيه حمص”. تبعت ذلك فورة تحويل بعض المنازل التراثية في منطقة بستان الديون والحميدية القديمة إلى مطاعم، مثل “جوليا” و”بيت الآغا” في حمص.
كل ذلك وديك الجن ينازع. يجدد ديكوراته كالرجل العجوز الذي يقرر صبغ شعره، علّ اللون الحاد يغطي وجهاً امتلأ خطوطاً وعيوناً غارت من التعب.
العام الأخيرجاء ربيع 2011، كان ذاك النيسان الذي لم يعد شيء إلى حاله من بعده في حمص.
لم يبقٓ لديك الجن سوى موظفيه. غاب الزبائن، وبقي مفتوحاً كباب رزق للعاملين فيه. لكنهم بعد فترة غابوا هم أيضاً، إذ لم يتمكن معظمهم من الوصول من القرى المحيطة بحمص إليه. حينها، انقطعت أسباب وجود المكان. بات الموت الرحيم الخيار المنطقي الوحيد لهذا المطعم. اجتمعت كل الظروف لإنهاكه، ثم جاء الربيع الذي أطفأ أنواره وأقفل بابه لآخر مرة في مارس 2011.