Archived: عبداللطيف التركي : داعش … لماذا يستهدف المزارات الشيعية في سوريا؟

عبداللطيف التركي : التقرير

لماذا يستهدف “تنظيم الدولة الإسلامية”، منطقة السيدة زينب التي تعد أبرز المزارات الشيعة الرئيسية في سوريا بالتفجيرات؟ وهل يستهدف عناصر الحرس الثوري الايراني ومليشيات حزب الله اللبناني التي تتواجد في منطقة المزارات الشيعية لحمايتها؟ أم تستهدف المزارات ومن يأتون إليها من الشيعة في العالم حيث يوجد قبر السيدة زينب بنت علي بن أبي طالب؟ أم يريد التنظيم جذب تعاطف السنة في وقت تتداول فيه أنباء عن انتهاكات بشعة تقوم بها “مليشيا الحشد الشعبي” في العراق ضد السنة، وخصوصًا ضد الهاربين من حصار مدينة الفلوجة؟

التفجيرات الأخيرة التي أعلن “تنظيم الدولة” مسؤوليته عنها في منطقة السيدة زينب بريف دمشق، هي الثانية من نوعها خلال فترة وجيزة؛ حيث وقع آخر هجوم استهدف منطقة المزارات الشيعية في الـ25 من نيسان/ أبريل الماضي، وأسفر عن مقتل 7 أشخاص على الأقل وإصابة العشرات بجروح، وسبقه تفجيران أوقعا أكثر من 150 شخصًا. وأعلن تنظيم “الدولة الإسلامية” مسؤوليته عن هذه الهجمات، وكان حزب الله اللبناني أعلن أنه اتخذ من حماية ضريح “السيدة زينب” مبررًا رئيسيًا لتدخله في الحرب الأهلية الدائرة في سوريا دعمًا لنظام بشار الأسد، كذلك تقوم حملة إيران في التعبئة الشعبية لتبرير تدخلها في سوريا، على حماية المزارات الشيعية.

ضريح “السيدة زينب” يقع على مسافة 10 كيلو مترات جنوب مركز العاصمة السورية دمشق، يتمتع بحماية مشددة من جانب قوات النظام السوري ومليشيا حزب الله والحرس الثوري الإيراني، إضافة إلى تأمين مزارات الشيعة الرئيسية الأخرى أبرزها مقامات السيدة رقية بنت الحسين، والسيدة سكينة والسيدة أم كلثوم ابنتي الحسين.

تنظيم الدولة الإسلامية أعن مسؤوليته عن التفجيرات الانتحارية الأخيرة التي وقعت في حي السيدة زينب بدمشق، يوم السبت الماضي، وقال المرصد السوري لحقوق الإنسان إن 20 شخصًا على الأقل قتلوا، وعرض تلفزيون النظام السوري الرسمي، صورًا لحطام وسيارات مهشمة ومتاجر مدمرة في شارع تجاري رئيسي قرب مزار السيدة زينب، وهي المنطقة نفسها التي شهدت ثلاثة تفجيرات على الأقل العام الحالي، أسفرت عن سقوط عشرات القتلى والمصابين في هجمات أعلن تنظيم الدولة الإسلامية مسؤوليته عنها.

المرصد السوري لحقوق الإنسان، ومقره بريطانيا، قال إن عدد القتلى تجاوز الـ20 قتيلًا على الأقل بينهم 13 مدنيًا والباقون من عناصر حزب الله والحرس الثوري الايراني وأضاف أن من المتوقع أن يرتفع العدد لأن كثيرًا من المصابين في حالة خطيرة، فيما قالت وكالة أعماق المرتبطة بتنظيم الدولة نبأ وقوع “ثلاث عمليات استشهادية بحزامين ناسفين وسيارة مفخخة من الدولة الإسلامية في السيدة زينب في دمشق”، وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية، “جون كيربي”، إن واشنطن تدين هذا الهجوم بأشد العبارات. وأضاف “هذا العمل الإرهابي يظهر مجددًا الطبيعة الوحشية وغير الإنسانية لكل ما يفعله ويدعو له تنظيم داعش (الدولة الإسلامية)”.

منطقة حي السيدة زينب يعد أبرز نقطة تجذب آلافًا من المقاتلين الشيعة العراقيين والأفغان، الذين يتوافدون إلى سوريا قبل أن يجري تكليفهم بمهام على خطوط المواجهة، في الحرب التي يشنها النظام ضد المعارضة السورية، ويضع عناصر المليشيات المسلحة الشيعية على زيهم العسكري شارة كتب عليها عبارة “لبيك يا زينب”، وتعرف المنطقة الواقعة تحت حراسة مشددة قرب المزار بأنها معقل لحزب الله اللبناني والحرس الثوري الإيراني حلفاء الأسد.

المعارضة السنية المسلحة، تؤكد أن التدخل العسكري الإيراني القوي إلى جانب الأسد ودعم إيران لمقاتلين شيعة آخرين يؤجج البعد الطائفي في الحرب السورية التي دخلت عامها السادس وذلك بجذب مزيد من الجهاديين السنة المتشددين إلى البلاد، ويقول المرصد السوري إن قوات سورية مدعومة من الولايات المتحدة حققت مكاسب جديدة أمام التنظيم، يوم السبت، واقتربت من معقل آخر من معاقله الرئيسية في شمال سوريا، وأضاف المرصد أن قوات سوريا الديمقراطية التي تضم مقاتلين أكرادًا وعربًا أصبحت الآن على بعد 17 كيلو مترًا من “مدينة الباب”، معقل تنظيم الدولة الإسلامية شمال شرقي حلب.

ووفقًا للمرصد قطعت قوات سوريا الديمقراطية آخر طريق يؤدي من مدينة الباب إلى بلدة منبج المحاصرة بعد تقدم على مدى أسبوع حول تلك المنطقة، الأمر الذي مكنها من فرض حصار على البلدة من جميع الاتجاهات، وفي شمال سوريا قال مصدران من المقاتلين إن طائرات روسية وسورية صعدت من قصفها الجوي لمواقعهما في مدينة حلب الشمالية، وإن مقاتلين صدوا ليلًا هجومًا كبيرًا للجيش السوري على جبهة الملاح في مسعاه للوصول إلى طريق الكاستيلو السريع الذي يعد الطريق الوحيد للدخول إلى المناطق الخاضعة لسيطرة مسلحي المعارضة والخروج منها، ويحاول جيش النظام السوري على مدى أشهر التقدم صوب الطريق السريع لفرض حصار على المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة حيث يعيش نحو 400 ألف شخص.

وتعد منطقة “السيدة زينب”، أو “الست زينب” أو “الست” التي تقع على بعد نحو 10 كم جنوب العاصمة (دمشق) على الطرق السريع المؤدي إلى مطار دمشق الدولي والطريق المؤدي إلى مدينة السويداء، أبرز المزارات الشيعية، وهي منطقة مركز ناحية تابعة إداريًا لمحافظة ريف دمشق، من المناطق السكنية ذات الكثاقة السكاانية العالية، والتي تقطنها أعداد كبيرة من أبناء الطائفة الشيعية والطائفة السنية الذين يعتبرون النسبة الأكبر من السكان، كما أنها تعتبر منطقة سياحية ودينية يزورها مئات الآلف من السياح والزوار من الطائفة الشيعية من إيران والعراق ودول الخليج ولبنان وباكستان والهند وأفغانستان، وغيرها من الدول على مدار السنة، ويعتمد اقتصاد البلدة على الحركة السياحية والسياحة الدينية القادمة لها.

 زوار “السيدة زينب”، كانوا يتوافدون بأعداد محدودة حتى بداية الثمانينيات، وبسبب انتهاء الحرب العراقية الإيرانية، ازداد الإقبال على زيارتها وكانت ذروة الزيارة خلال عقد التسعينيات؛ حيث تحولت إلى مركز ديني وتجمع حاشد يقصدها في العام نحو مليوني زائر، كما أنها تضم رفات شعراء عرب مثل الشاعر محمد مهدي الجواهري، والشاعر مصطفى جمال الدين، إضافة إلى وجود معاهد دينية تحيط بالمقام الزينبي. وقديمًا كانت البلدة تسمى “راوية”، وقد سميت “السيدة زينب” نسبة للسيدة زينب بنت الإمام علي وفيها مقامها الشهير الذي يقصده الزوار على مدار العام.

ويعد مقام “السيدة زينب”، أو “قبر الست”، من أهم معالم السيدة زينب، ويعتبر المسجد الجامع من التحف المعمارية، ومن المقامات والأماكن الدينية المهمة، وقبته الشهيرة ويتكون من بناء تتوسطه باحة وفناء واسع وللمسجد مدخلان مدخل من الجهة الشمالية ومدخل من الجهة الغربية وهذا المخل يتصل بالسوق الرئيسية الكبيرة في البلدة وهناك رواق كبير تحيط به الغرف والقاعات ومنها غرف مخصصة لمنام ومبيت الزائرين، والحرم له باب مصفح بالنحاس المزخرف والمنقوش وترتفع مأذن المسجد والمقام محاط بسور وحلقات من الفضة الخالصة ومصنوع بحرفية وفن راقي وبديع وفي الداخل يوجد غطاء الضريح الخشبي المصنوع من خشب الأبنوس الفخم ومطعم بالعاج والذهب وهو تحفة فنية ومحاط بسور من الزجاج البللور الصافي.

ومنطقة “السيدة زينب”، بلدة لا تنام؛ فهي مزدحمة بالزوار في كل الأوقات وطوال العام، وبها سوق كبيرة تمتد مسافات طويلة ومحال ومعارض تجارية لكل صنف ونوع، شركات تجارية ومكاتب ووكالات سفر وشركات طيران ومطاعم وفنادق ومقاهي إنترنت ومكاتب عقارية لتأجير المنازل والشقق وهي كثيرة جدًا، السيدة زينب مركز سياحي (سياحة دينية) من الدرجة الأولى. تحتوي منطقة السيدة زينب على عدة فنادق.

ويشكل الشيعة الإثنا عشرية نحو 8-9% من سكان سوريا، وتزداد هذه النسبة إذا ما أضيف لهم الشيعة الإسماعيلية، الذين يتركز وجودهم في ريف حماة، وفي مدينة السلمية، ويتواجد الشيعة السوريون من المذهب الإثناعشري في بضعة قرى وبلدات في محافظة إدلب مثل الفوعة وکفريا، وكذلك في بعض قرى حلب مثل نبل والزهراء، أما في محافظة حمص فيتواجد الشيعة ضمن مدينة حمص، بالإضافة إلى نحو 56 قرية وبلدة مثل الدلبوز، أم العمد، جنينات وغيرها، وتعد مدينة “نبل” أكبر تجمع للشيعة الإثنى عشرية في سورية؛ حيث يبلغ تعداد سكانها 40 ألف نسمة، كما يتواجدون في حي الأمين والجورة في دمشق القديمة، الذي كان تاريخيًا مكان سكن الشيعة في مدينة دمشق، كما توجد أعداد قليلة في مناطق أخرى من سوريا مثل بصرى والرقة والساحل، ويضاف إلى هذا بعض الحالات الفردية من المتحولين للمذهب الشيعي، وينتشر العلويون في سورية بشكل أساسي في الجبال الساحلية من البلاد، من عكار جنوبا، إلى طوروس شمالًا، وينتمون للطائفة الشيعية الاثني عشرية، ويتوزع بعضهم في محافظات حمص وحماة ودمشق وحوران ولواء.