Archived: علي العبدالله: بين الرقة ومنبج

علي العبدالله: المدن

ما إن بدأت العمليات العسكرية، التي أطلقتها الولايات المتحدة، ضد قوات “داعش” في ريف الرقة الشمالي، بالاعتماد على “قوات سوريا الديمقراطية”، للعمليات البرية، وعلى الطيران الاميركي للمؤازرة والدعم الجوي، حتى تراجعت اخبار القتال هناك وانتقل التركيز الى ريف حلب الشمالي، الى منبج بالتحديد.

لم، وما الهدف من ذلك؟.

أنطوى الاعتماد على “قوات سوريا الديمقراطية”، التي تغلب عليها “وحدات حماية الشعب” الكردية، بالقيام بمحاربة “داعش” في الرقة، على فرص ومخاطر في آن، فـقد أثبتت هذه “القوات” جدارتها في مواجهة “داعش” في أكثر من موقع ومعركة، ليست معركة تحرير عين العرب/كوباني إلا نموذجها الأبرز، ومعارك رأس العين وتل حميس وجنوب الرد والهول واليعربية والحسكة وتل أبيض والشدادي وسد تشرين شاهدة على استعداداتها وقدراتها.

غير أن استعداداتها وقدراتها ليست سببا كافيا لاختيارها للمهمة، خاصة وانها تسعى لفرض مشروع سياسي لا يحظى باجماع وطني، وان سجلها السياسي والحقوقي يشي بممارسات عنيفة وغير قانونية ضد المواطنين العرب، ما أثار هواجس ومخاوف من تكرار هذه الممارسات في الرقة وسكانها العرب، وهذا طرح علامات استفهام حول منطقية الاختيار الأميركي وبراءته، وذلك لاعتبارات تتعلق بعوامل عديدة لعل أولها إن القوات الكردية لا تبدو، رغم الضجة الاعلامية حول العملية، سمتها معركة تحرير الرقة، والتي ارادت بها ابراز مكانتها في المعادلة الدولية، متحمسة لمعركة الرقة من منطلق تمسكها بأولوية تحرير منبج وجرابلس وربط عفرين بكوباني، وثانيها عدم وجود حاضنة شعبية لهذه “القوات” في الرقة، حيث اغلبية السكان من العرب ولهم هواجس ومخاوف من دخول القوات الكردية الى المدينة، وهي المتهمة بتنفيذ جرائم تطهير عرقي ضد العرب في مناطق كثيرة سبق ودخلتها، تل ابيض وتل حميس والهول … الخ، وقد وظف “التنظيم” الموضوع ونجح في تجييش مشاعر العداء لهذه “القوات” بين عرب المحافظة. وثالثها الحساسيات والتباينات بين الفصائل المنضوية في “قوات سورية الديموقراطية” حول الدور الذي ستلعبه هذه الفصائل في القتال وفي الرقة بعد تحريرها. ورابعها رمزية المدينة بالنسبة لـ “داعش” الذي قام بتحصينها وتجهيز حقول الألغام والمفخخات والانتحاريين وتحصين مواقعه في الجهة الشمالية للمدينة(خاصة “السجن المركزي” ومحيط “الفرقة 17″ و”مطحنة الرشيد”)، نقاط تمركز أساسية للدفاع عن المدينة، وقام بحفر الخنادق حولها، كما قام بنشر حواجز طيارة على مدخلها الجنوبي، وعند جسر الصوامع شمالها، والتدقيق في هويات المارة.

وقد زاد إعلان ممثل حزب الاتحاد الديمقراطي في كردستان العراق الأستاذ غريب حسو في تصريح له نقلته وكالة “نوفوستي” الروسية عن ضم الرقة بعد تحريرها الى الفدرالية (التي كان “تجمع سوريا الديمقراطية” قد أعلن عن تبنيها في مؤتمر رميلان يوم 17/3/2016) الطين بلة، لم تثمر محاولة الأستاذ صالح مسلم في مقابلة له مع وكالة الأنباء الألمانية احتواء رد الفعل العربي بالقول: “بعد التحرير سيكون هناك مجالس إدارة مدنية ومحلية هي من تقرر أمر الرقة وشؤونها، مثلما صار في تل أبيض وغيرها من المناطق التي تم تحريرها. وأهل الرقة سيكونون أحرارا في اختيار من يريدون أن يحكمهم”، بل اعطت نتائج عكسية، لان ما تم في تل ابيض عمليا هو الحاق المنطقة بـ “الادارة الذاتية” عبر تشكيل مجلس محلي مُسيطر عليه. حاولت قيادة “قوات سوريا الديمقراطية” تخفيف الهواجس والمخاوف بالإعلان أن قوات “وحدات حماية الشعب” لن تدخل الى المدينة وإنها ستحميها من الخارج، كما بذلت جهدا كبيرا لإبراز دور المكون العربي في عملية تحرير الرقة بحيث تتجنب الحساسيات القومية المتصاعدة بين ابناء المنطقة، لكن المحاولة لم تثمر فقد أعلن مجلس شورى قبيلة شمر المعارِض عن “رفضه القاطع لمشروع الفدرالية”، وشدد في بيان له على “وقوفه ضد طروحات التقسيم التي تهدد وحدة التراب الوطني”، كما  صدر بيان عن ممثلي عدد من العشائر العربية يؤكد عدم وجود عناصر تنتمي إلى عشائرهم ضمن صفوف “القوات” التي تخوض معركة الرقة، بالاضافة الى ما اعلنته جهات مطلعة عن انضمام الآلاف من أهالي الرقة إلى تنظيم “داعش” خلال الأيام الماضية بسبب تخوفهم من الحملة الكردية.

وقد كشفت المواجهات الاولى صعوبة المعركة وقسوتها وتراجعت آمال القادة الميدانيين بتحقيق انتصار سريع في ضوء مشاركة قوات خاصة اميركية بتوجيه المقاتلين وقيام الطيران الاميركي بقصف مواقع “داعش” لتدمير خطوط دفاعه وقتل مقاتليه، ما اضطر واشنطن للموافقة على السماح لها بالعبور الى الضفة الغربية لنهر الفرات باتجاه منبج، رغم الاعتراض التركي الواضح، فالعبور يخدم هدف المعركة: مشاغلة قوات “داعش” ومنعها من تحريك قواتها الى العراق وفتح جبهات اضافية فيه لافشال عملية تحرير الفلوجة التي اعلنها رئيس الوزراء حيد العبادي، ويضرب خطوط امداد التنظيم ويقطع طرق اتصاله بالعالم الخارجي، ويعطي مبررا لشن عملية عسكرية على “داعش” في ريف الرقة الشمالي تقدمه قيادة قوات سوريا الديمقراطية لقاعدتها الشعبية. قد تنجح “قوات سوريا الديمقراطية” في تحرير مساحات جديدة من “داعش”، وتقدم دعما غير مباشر لمعركة العبادي ضد “التنظيم” في الفلوجة، لكنها لن تستطيع القضاء على “داعش” دون قبول ومشاركة العرب، وهذا يستدعي من هذه “القوات” ورعاتها الاميركيين اقناع البيئة العربية، بالملموس وليس بالكلام، انها لن تضام وان الرقة ستبقى لاهلها شكلا ومضمونا، وان التحرير لن يتم على انقاض مصالحهم وحقوقهم.

كما يستدعي اقناع الدول الداعمة للمعارضة بان لا تأتي عملية التحرير على حساب مصالحها ومصالح حلفائها من فصائل المعارضة المسلحة، بدء من وقف هجمات ” قوات سوريا الديمقراطية” عليها، مرورا برفع الحظر عن دعمها بالسلاح النوعي والذخائر، من أجل تمكينها من الدفاع عن مناطق سيطرتها ضد “داعش” والنظام في آن، وصولا الى اشراكها في معركة عزل الرقة وتشتيت قوات “داعش” ودعمها واسنادها خلال المواجهة بالاسلحة والذخائر والمعلومات الاستخبارية والقصف بالطائرات.  

ليست المعركة المفتوحة ضد “داعش” في ريفي الرقة وحلب المعركة الاخيرة لكنها ستحدد صورة الموقفين العسكري والسياسي وتوازنات القوى، وترسم تخوم نفوذ القوى المحلية والاقليمية والدولية على الارض السورية، تمهيدا لتوظيفها على طاولة التفاوض وبازار المساومات.

اقرأ:

علي العبدالله: التلاعب الروسي بالمفاوضات