on
Archived: وور أون ذا روكس: كيف تحدد جماعة (أحرار الشام) شكل الحرب في سوريا؟
وور أون ذا روكس: ترجمة إيوان24
ثمة حالة غريبة نجد فيها أنفسنا اليوم تجعلنا نتساءل “ما هي حركة أحرار الشام؟” لقد أصبح هذا التساؤل ذا أهمية سياسية دولية كبيرة الآن. وفي ظلّ ضغط الولايات المتحدة وروسيا، وغيرهما من أعضاء فريق دعم سوريا الدولي لإنهاء الحرب الأهلية في سوريا، أصبح النقاش حول أيّ جماعات المعارضة المسلّحة تقع خارج حدود تلك التسوية مثار خلاف وانقسام بين جميع الأطراف المعنيّة.
تركّز معظم النقاش على فصيل المعارضة والجبهة الاسلامية “أحرار الشام”، سواء كان الأحرار من “الجهاديين”، أو كيف مدى ارتباطهم بتنظيم القاعدة. في الشهر الماضي، ساعدت الولايات المتحدة في عرقلة الجهود الروسية في مجلس الأمن للأمم المتحدة لإدراج جماعة أحرار الشام ضمن قائمة المنظمات الإرهابية.
الآن، تفكّر جماعة أحرار الشام في وضعها وتزن خياراتها أثناء محاضرة مسجلة استمرت لمدة ساعة ألقاها نائب زعيم الجماعة علي العمر (أبو عمار)، بعنوان “موضع أحرار الشام بين التيارات الإسلامية.” وعلى مدى المحاضرة، يوضح العمر كيف تفهم الحركة نفسها، ويحدد الاختلافات بين الجماعة والعقيدة السلفية الجهادية لتنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية، كما أوضح أن أحرار الشام وجهات نظر دينية بالأساس.
محاضرة لنائب القائد العام لحركة أحرار الشام الإسلامية “المهندس علي العمر” بعنوان: موضع أحرار الشام بين التيارات الإسلامية.”
في هذه المحاضرة، يخاطب العمر قادة الشام بهدف وضع رؤية إيجابية للحركة التي أصبحت نموذجًا للآخرين. ومع ذلك، أوضح أنّه يجهّز أعضاء أحرار الشام للدفاع عن الحركة ضد منتقديها. وقال:
“لا بُدّ لكل عضو في هذه الحركة أن يعرف مسار هذه الحركة، وأسباب نشأتها، والأسس التي بُنيت عليها، حتى يصبح سدًا منيعًا يزود عن هذه الحركة المباركة أمام طعنات الذين يريدون أن يلقوا الشُبه وما إلى ذلك.”
ولكن في حين يشير العمر إلى منتقدي أحرار الشام “العلمانيين” في آخر المحاضرة، إلّا أنّه كان أكثر تركيزًا على مجموعة أخرى من النقَّاد، وهم الجهاديون. طوال المحاضرة تقريبًا، كان يدافع العمر عن أعضاء الحركة ضد الانتقادات السلفية الجهادية لخروج الأحرار عن العقيدة المتشددة، بما في ذلك التواصل الدبلوماسي الدولي مع دول المنطقة والغرب.
أولًا، ومع ذلك، تحدث عن بعض المصطلحات، وقال: “أنا أميل إلى تعريف “السلفية الجهادية” و “الجهادويّة” كما يعرّفها الإسلاميون والجهاديون أنفسهم: “فرع محدد من الجهاد الإسلامي السُني الذي يشمل تنظيم القاعدة، وتنظيم الدولة الإسلامية، وبعض الفصائل الأصغر حجمًا.” وتتركز الأسس الفكرية للحركة على عدد قليل من المفكرين الرئيسيين، بما في ذلك المنظّرين أبو قتادة الفلسطيني وأبو محمد المقدسي، وتسير وفق “منهج” محدد عبارة عن خطة برنامجية لتطبيق العقيدة الدينية. تلتزم الجماعات السلفية الجهادية بالحرب العالمية غير المحدودة على القوى الصليبية ودول الكفر، وتتبنى نهجًا أكثر توسّعية لإعلان إخوانهم المسلمين كخوارج ومن ثمّ تستحل دمائهم.
هناك “حركة جهادية” أوسع وأشمل وراء هذه الثقافة الفرعية للسلفية الجهادية. وتشمل هذه الحركة الجهاديين السلفيين، والجماعات الإسلامية التي تلتزم بالعمل المسلّح ولا تتبنى العقيدة السلفية الجهادية، مثل حماس، وكما قلتُ في العام الماضي، حركة أحرار الشام.
يستخدم العمر محاضرته لمقاومة الصفوية والنخبوية في السلفية الجهادية. لذلك ليس من قبيل المصادفة أنه يؤكّد على أن أحرار الشام تأخذ المشورة من مجموعة واسعة من العلماء المسلمين في جميع أنحاء العالم، وليس من مجرد عدد قليل من المنظّرين، أي الدائرة الضيقة من المفكّرين الذين يُذعن لهم الجهاديون السلفيون.
في الواقع، يقول العمر إنَّ أحرار الشام هي مدرسة جديدة تمامًا من الإسلام، متميزة ليس فقط عن الجهاديين ولكن أيضًا عن التيارات الإسلامية الأخرى. الإسلامويّة، كما يصفها، تتألف من أربعة تيارات انبثقت عن انهيار الخلافة العثمانية: الإسلام السياسي المحض، مثل جماعة الإخوان المسلمين، ونموذجان من جماعات الدعوة على المستوى الفردي لإقامة الخلافة الإسلامية باختلاف منهج وأدوات كل نموذج، والجهادويّة، التي تلتزم بالتغيير من خلال قوة السلاح.
حركة أحرار الشام، كما يقول، هي توليفة من هذه التيارات الأربعة. في حين أنَّ المدارس الأخرى استدلت بجزء من واحد من نصوص النبي محمد، إلّا أنَّ نهج الاحرار هو نهج كلي شامل. ما يعنيه ذلك من الناحية العملية هو أنَّ حركة أحرار الشام يمكن أن تشارك في الحياة السياسية كما يمكنها أن تشنّ الحرب أيضًا، وهذا يتوقف على الظروف. وهذا هو السبب في أنّه يقول إنَّ أعضاء حركة أحرار الشام “مجاهدين”، وليسوا “جهاديين”، لأنَّ الحركة ترفض أن تكون محددة فقط في إطار النضال العسكري. تشمل الحركة، كما يحرص أعضاؤها على التأكيد دائمًا، مجموعة متنوعة من المكاتب الفرعية السياسية، ومنظمات الإغاثة، والهيئات الخدمية.
بطبيعة الحال، يدرك قادة أحرار الشام معنى الحرب. ونتيجة لذلك، أمضى العمر المزيد من الوقت في الدفاع عن المشاركة السياسية للحركة التي ينتقدها الجهاديون بشدة والتي تبدو غير مقنعة لبعض المقاتلين داخل صفوف الحركة. ذكر العمر قصتين من حياة النبي محمد، ومن غزوة الخندق على وجه التحديد. عندما كان النبي محمد محاصرًا من المشركين، عقد صفقة مع معسكر العدو لتحييدهم. وفي مثال آخر، نشر فردين من قبيلة العدو كانا قد تحوّلا سرًا إلى الإسلام لزرع الشقاق بين صفوف العدو. ويسأل العمر: “أليست هذه سياسة؟”
أتى بن غطفان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما أنت فينا رجل واحد،فخذل عنا إن استطعت، فإنَّ الحرب خدعة. وجادل حسن حسن في مقالة لها أنَّ استخدام كلمة” خذّل” هنا يعني أنَّ المشاركة السياسية ومرونة حركة أحرار الشام هي حيلة”.
يبدو أن العمر لا يجادل بأن حركة أحرار الشام تخدع المحاورين السياسيين، ولكنها تفعل ما في وسعها لإدارة العملية السياسية غير المواتية.
يمكننا تأطير حُجة العمر من حيث النصوص النبوية والجهاد، ولكن معظم تحفظاته حول المفاوضات مع النظام السوري هي تحفظات شاركه فيها فصائل المعارضة السورية الأخرى. ما يدافع عنه هنا تبدو سياسة ودبلوماسية عادية.
أوضح العمر الاختلافات الرئيسية بين أحرار الشام والسلفية الجهادية، بما في ذلك تركيز أحرار الشام على الشعبويّة والبراغماتية. ويؤكد أنَّ الحركة عملت على ترسيخ حاضنة شعبية، على النقيض من طليعة الجهاديين الضيقة. ويشير تحديدًا إلى فشل التمرد العراقي عام 2007 كمثال لكيفية عدم التعامل مع قاعدتك الشعبية.
يقول العمر أيضًا إنَّ حركة أحرار الشام ركّزت على أهداف شاملة بدلًا من الخصوصيات الضيقة، أو الفروق الصغيرة في التطبيق العملي للإسلام الذي قد يحدث الخلاف بين الإسلاميين في سوريا. ويستشهد هنا لمثال حركة طالبان الأفغانية، التي، كما يقول، نجحت من خلال إدخال مجموعة كاملة من السُنة في أفغانستان في صفوفها وقيادتها، من المتصوفة إلى السلفيين.
“كانت حركة طالبان قادرة على طرح نموذج وإقامة دولة إسلامية، صحيح أنها لم تستمر طويلًا، لكنها أقامت دولة بالفعل. حركة طالبان تستحق التأمل والدراسة حقًا.”
حركة أحرار الشام هي حركة سلفية بشكل جماعي، ولكن، مثل إشارة العمر إلى طالبان، تضم الحركة أعضاء ينتمون إلى مجموعة أخرى من التيارات الإسلامية السُنية. وهنا يعارض العمر المفهوم الضيق من السلفية الجهادية للممارسة الإسلامية المقبولة والمحاولة الدونكشوتية إلى حد ما لفرض تفاصيل برنامجها على الشعب السوري – قواعد اللباس، على سبيل المثال.
نهج أحرار الشام، كما يقول العمر، هو نهج من التدرج والواقعية. ويقول إنَّ الحركة لا تحاول احتكار السياسة أو تحاول السيطرة على سوريا، بل إنها تعمل وفقًا لفقه الواقع” و “فقه الاستضعاف”، استنادًا إلى مجريات الواقع من حولها وموقفهم من الضعف النسبي. قوة أحرار الشام، كما يقول، هو أنَّ الحركة “لامست الواقع”؛ أي أنها عاشت وفهمت الواقع في سوريا.
بإنَّ اختلاف حركة أحرار الشام بشكل واضح عن الجهادية السلفية لتنظيم القاعدة لا يعني أنَّ الحركة لا تتبنى رؤية متطرفة. سواء كانت الحركة مدرسة فكرية خامسة جديدة بين التيارات الإسلامية، أو كما جادلت العام الماضي، نسخة تنقيحية للسلفية الجهادية من داخل الحركة الجهادية نفشها، فإنَّ حركة أحرار الشام لا تزال متجذرة في التشدد الإسلامي.
هنا وفي أماكن أخرى، أوضحت الحركة أنها تحاول البناء على إرث ليس فقط شخصيات مثل مؤسس جماعة الإخوان المسلمين حسن البنا، ولكن أيضًا على رموز أخرى مثل عبد الله عزام مؤسس الجهاد العابر للحدود الوطنية الحديثة، ورموز الجهاد الشيشاني ضد روسيا. ويقول العمر في محاضرته إنَّ الجهاد سيستمر إلى يوم الحساب، حتى لو كان قد اتخذ أشكالًا مختلفة بخلاف العمل العسكري مثل النضال السياسي أو الدعوة، على سبيل المثال.
وفي دفاعه عن المشاركة السياسية للحركة، يشير العمر إلى “سقف” الحركة، أي حدود قدرتها على تقديم تنازلات. يبدو أنّه من الآمن القول إنَّ سقف الحركة هو أقل من الجماعات الأخرى. لقد رفضت الأحرار تاريخيًا التنازل عن “الثوابت” من أجل المصلحة.
في نواحٍ كثيرة، أدمجت حركة أحرار الشام الطابع الثوري السوري مع الوحدة الإسلامية السُنية. وفي جزء كبير من شمال سوريا، دافعت الحركة عن الصحفيين والنشطاء ومنظمات المجتمع المدني ضد الجهاديين، وعلى مدى السنوات القليلة الماضية بذلت الحركة جهودًا جادة لدمج نفسها مع التيار السياسي الثوري.
ومع ذلك، في حين أن طموحات أحرار الشام هي طموحات سورية، أوضح العمر أن الحركة تعتبر نفسها حصنًا سنيًا للأمة الإسلامية ضد الشيعة. وقد أطّرت أحرار الشام الحرب السورية والسياق الإقليمي الأوسع باعتبارها كارثة طائفية، تحارب فيها الحركة نيابة عن المسلمين السُنة في كل مكان ضد النصيرين والعلويين، والشيعة الرافضة والملحدين الروس.
بالطبع، يجب أن يكون واضحًا لأي شخص متابع للخطاب الطائفي المتدهور في الشرق الأوسط منذ عام 2011 أنَّ حركة الأحرار لم تعد النموذج الحقيقي في هذا الصدد. الآن حتى الأصوات المعتدلة تنزلق في خطاب طائفي لاذع، وجميع الأطراف تفهم أنَّ حربًا محدّدة إلى حد كبير من حيث الطائفية أصبحت الآن حقيقة واقعة في المنطقة.
لقد كانت حركة أحرار الشام في طليعة هذه الطائفية المتشددة الجديدة، وطرح مؤسسها حسن عبود، نفس هذه الحُجج في أول مقابلة له في عام 2013. ولكن بعد خمس سنوات من الحرب الطاحنة في سوريا، والاستقطاب الطائفي على مستوى المنطقة، سيطرت عليه الأحداث في الشرق الأوسط.
اقرأ:
وور أون ذي روكس: عندما يعلو صراخ روسيا، تتحرّك تركيا