Archived: جمال مامو: ورقة أولية

جمال مامو: كلنا شركاء

تعاني معظم الأحزاب والحركات السياسية السورية من إشكاليات مزمنة، أو بشكل أكثر دقة،تاريخية. منها ماهو ذاتي؛ يتعلق بطبيعة هذه الحركات والأحزاب، هويتها، نشأتها، ومنطلقاتها الفكرية، وقاعدتها الإجتماعية، ومنها ما هو موضوعي، مرتبط بالظروف التاريخية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية التي نشأت فيها. بمعنى آخر بسيرورة تشكلها ضمن الفترة التي بدأت منذ بداية تشكل سوريا ككيان مستقل ذو هوية جغرافية وسياسية واجتماعية متميزة.

لا يتيح الوقت مجالاً واسعاً للقيام باستعراض تاريخي ولا تهدف هذه الورقة الأولية إلى ذلك وقد يكون من الأجدى التركيز على الفترة التي بدأت منذ قيام الثورة في سوريا التي لن نذهب إلى تحليل أسبابها أو مقدماتها والتي بالرغم من كونها أضحت معروفة للجميع فأنها مازلت محل جدل وخلاف بين أوساط المنخرطين فيها فعلاً أو تحليلاً أو مراقبة.

يتميز السوريون بضعف نزوعهم للعمل الجماعي عموماً وبضعف ثقتهم بالسياسيين والسياسة خصوصاً وبتفضيلهم للعلاقات المبنية على أسس عصبوية وجهوية كونهم لم يعهدوا في تاريخهم القريب أي نشاط سياسي فعال خارج أطر اجتماعية تنتمي إلى السياسة بوصفها فعلاً اجتماعياً مدنياً عابراً للانتماءات الأهلية.

لا ينفي هذا الوصف العمومي للحراك السياسي قيام تجمعات وأحزاب وحركات وهيئات في مرحلة ما بعد الثورة سعت بالدرجة الأولى إلى تأطير الحراك الشعبي الثوري ضمن أطر سياسية –مدنية ولكن أغلبها وقع في مطب الإشكاليات المزمنة لعلاقة السوريين بالسياسة ولشكل تعاطي السوريين بالشأن العام الوطني ولذلك لم تستطع هذه الحركات أن تصمد طويلاً أمام المتغيرات الصاعقة التي تتوالى تباعاً فذبل قسم منها واضمحل قسم أخر وتحول بعضها إلى واجهات ووكالات محلية للاعبين أقليميين ودوليين وتداخل النشاط السياسي بالإنساني والإغاثي أو الإعلامي بطريقة أصبح فيها من الصعب التفريق بين مكونات هذه الفعاليات مما أضر تالياً  بتنظيمها وأضعف فعاليتها وعجل في نهايتها.

لا تزعم هذه الورقة تقديم حل سحري ولا وصفة ناجعة، هي رؤية فردية تسعى لتشخيص جزء من المشكلة، وتحاول طرح رؤية تطمح إلى اقتراح تصويب ما فيما يخص متطلبات الحراك السياسي الذي ينبغي العمل على تأسيسه، وبالرغم من قساوة المشهد الحالي وقتامته، وإيماناً من كاتبها بأن الحرب لا بد من أن تضع أوزارها يوماً ما وبأن الحياة الطبيعية بما فيها السياسية هي الأصل لأي مجتمع بشري، لذلك فلابد لمن يروم لعب دور سياسي مستقبلي أن يؤسس استراتيجياً منذ الآن لمرحلة مابعد الحرب لأن السياسة مجال تنافسي خصب يتطلب اعداداً مدروساً وتحضيراً فكرياً وميدانياً جيداً حتى يؤتي ثماره المرجوة.

قد يكون من المفيد أن نستعرض في هذا المتن أهم مشاكل ومميزات العمل السياسي في مرحلة مابعد الثورة لعلنا نحاول من خلاله تقديم اقتراحات ورؤى تسهم في تشكيل منظورنا لما يتطلبه عمل سياسي فعال في المرحلة المقبلة.

تتسم الفعالية السياسية الثورية أولاً بضعف منطلقاتها الفكرية أو عدم وضوحها وأحياناً بتلفيقتها، بمعنى آخر وبشكل أبسط هناك غياب للهوية الفكرية لهذا الحزب أو الحركة بحيث لا تعرف ما هي أهدافه واستراتيجيته وفي أحيان أخرى يكون الحال معكوساً فتطغى الهوية الفكرية أو الايديولوجية بحيث لا يبقى من هذا الحزب أو الحركة سوى شعارات صارخة تشير إلى هويته العقائدية أو الاجتماعية أو القومية كما هو الحال بالنسبة للأحزاب والحركات التي تمثل قوميات أو إثنيات دينية أو مذهبية والحال أن مشكلة هوية الحركة أو الحزب تمثل تحدياً حقيقياً في الشأن السياسي السوري كون السوريين عموماً يميلون إلى إطلاق التقييمات الأولية قبل الانخراط الجدي في أي نشاط سياسي أو اجتماعي.

الأمثلة في هذا السياق كثيرة، إذ يكفي أن يكون رئيس الحزب أو أمينه العام أو مؤسسوه من المنطقة الفلانية أو من جماعة محددة حتى يتم الحكم عليه وعلى خطه السياسي ومآله مما ينعكس بالتالي على إنتشاره الجماهيري أو عدم جماهيريته. لذلك فأن أي حراك سياسي ينبغي أن يسعى لتحقيق تمثيل واسع لأكبر شريحة من السوريين المشهود لهم بحسن السيرة الوطنية والشخصية والابتعاد تماماً عن أي شخصيات مثيرة للجدل أو للشبهات.

السمة الثانية التي تميز الحراك السياسي السوري هو اعتماده على الكم لا على النوع. قد يكون مفهوماً بل ضرورياً أن يسعى أي حزب أو حركة إلى توسيع قاعدته الجماهيرية ولكن لا ينبغي أن يكون ذلك على حساب نوعية الوعي وسوية الشخصيات المعول عليها القيام بالنشاط السياسي. وقد يكون مفيداً في المرحلة الأولى التمهل في تنسيب الأعضاء الجدد والاعتماد على الدراسة المتأنية لسيرة أي شخص يرغب في الإنخراط في صفوف الحزب.  

السمة الثالثة التي وسمت معظم الهيئات والمجالس والحركات السياسية الثورية أو المعارضة هي ارتباطها المباشر أو غير المباشر بأجندات داعميها ومموليها سواءً كانوا إقليميين أو دوليين بحيث أضعف ذلك من ارتباطها بالداخل السوري ومشاكله وألقى بظلال من الشكوك حول استقلالية قراراتها وأضعف قدرتها على الحركة وأبعدها عن تلبية المتطلبات الملحة للسوريين سواءً كان ذلك على المستوى السياسي أو الإعلامي أو الإغاثي.

لكي لا تمضي الورقة في التشخيص وتعداد السلبيات –الفن الذي يتقنه غالبية السوريين- سيكون من الأجدى الإنتقال إلى وضع مقترحات عملية لأي حراك سياسي إيجابي وفعال وهي كما يتصورها كاتب هذا الورقة تقع في عدة جوانب ويمكن تلخيصها كمايلي :

1- إن تأسيس أي حركة سياسية أو حزب دون الأخذ بالاعتبار التجارب السابقة أو المشابهة سيعني فشلاً ذريعاً وهذا يقتضي إنشاء ورشات عمل من مختصين لوضع مقترحات عملية –خطط عمل- قابلة للتنفيذ والإبتعاد أكثر ما يمكن عن الخطابات الفضفاضة والبلاغة الإنشائية والتركيز على البرامج العملية.

2-تحديد هوية الحركة فكرياً وسياسياً واجتماعياً وإقتصادياً ومن تمثل ورؤيتها فيما يخص القضايا المصيرية التي تخص السوريين جميعاً.

3-السعي لتقوية الإرتباط بالداخل والعمل على تمثيله ونعني بالداخل هنا السوريون جميعاً بعيداً عن أي انتماءات طائفية أو دينية أو إثنية.

4-يمثل البند الثالث –الآنف ذكر- مهمة صعبة جداً وسط التجاذبات الحادة والاستقطابات الهائلة التي فرقت السوريين وجعلت منهم جماعات متخالفة ومتباينة والرهان هنا يتمثل في العمل على إنتاج خطاب وطني ثوري جامع وهذا ما لا تزعم هذه الورقة ولا صاحبها القدرة على إنجازه بشكل منفرد، فهذا عمل جماعي يتطلب وقتاً وجهداً وإرادة.

5-الاعتماد على فئة الشباب والتركيز على هموم الفئات الأكثر تضرراً وتفعيل برامج إغاثية شفافة وشمولية في الداخل السوري وفي بلدان اللجوء المجاورة.

6- العمل السياسي بحاجة إلى تمويل جيد وإعلام متميز ولذلك ليس عيباً أن نربط قيمة العمل السياسي بالمصلحة المعنوية والرمزية. بكلمات أخرى لم تنجح كثيرا التجارب التي كان فيها العمل يتم تطوعاً والعمل السياسي الاحترافي بحاجة إلى تفرغ كما يحتاج الاعلام المتميز إلى أدوات وشبكات وهذا الجانب أهملته كثير من الحركات أو تعاملت مع بطريقة كلاسيكية فلم تستطع الوصول إلى أهدافها.

7- العمل على إنشاء صلات وتحالفات مع كل القوى السياسية التي تعتبر المصلحة السورية الوطنية هي الأولوية في سلم أعمالها.

8-تطوير العمل السياسي من خلال ورشات العمل والندوات وتعزيز روح العمل الجماعي وروح الفريق وهذا الأمر كفيل بتجنيب أي حركة الجمود والإستنقاع وضعف التمثيل.

9-القضايا الأساسية الكبرى للسوريين –الخلاص من النظام وطبيعة النظام السياسي المستقبلي وعلاقة سوريا بمحيطها السياسي والجغرافي وشكل الدولة وما شابه تقرره الحركة عبر نقاش مفتوح وعلني بين أعضاءها من مستوى القيادة والقواعد.

10-إن كسب احترام الداخل ومخاطبة إحتياجاته والقدرة على تمثيله يعني كسب احترام الخارج والأطراف الدولية ولكي يتم كسب قلوب وعقول السوريين لابد أن نكون قريبين من أوجاعهم ومعبرين عن أحوالهم وهذا هو التحدي الحقيقي الذي يواجهه أي حزب سياسي سوري عندما يقدم نفسه ليضطلع بهذه المهمة.

ختاماً، هناك تفاصيل كثيرة يمكن إيرادها ولكن لكي لا يكون العمل فردياً فإن أي تصور أو رؤية لكي تنجح وتؤتي ثمارها لا بد من أن تكون جماعية وممثلة لأوسع طيف ممكن من السوريين وهذا مايمكن تحقيقه في حال إنعقاد مؤتمر تأسيسي يحضر له بشكل جيد ومدروس.

هذا ما نأمله ونسعى لتحقيقه والله من وراء القصد.