on
Archived: د. معتز محمد زين: روسيا تقتلنا
د. معتز محمد زين: كلنا شركاء
ربما يجد الإنسان صعوبة في مقاربة البديهيات أكثر من تلك التي يجدها عند مقاربته للمسائل المبهمة .. ذلك أن المسائل المبهمة تحرك فيه الرغبة بالبحث والاستفهام والتحري فيبدأ بالملاحظة مرورا بتفكيك الحدث ثم إعادة تركيبه لتتكون لديه صورة متكاملة عن الحدث وأسبابه ودوافعه ومن ثم طريقة مقاربته وحل عقده … تماما كمسألة رياضية صعبة ، يستطيع الحاذق من خلال فهمه لقواعدها أن يمسك ببداية خيوطها ليسير من بعدها سريعا وبطريقة سلسة نحو الحل النهائي .. أما البديهيات فمن شدة وضوحها قد تصيب الناظر إليها بالذهول الذي يشل حركته فيقف عاجزا عن إيجاد طريقة ملائمة للتعامل معها …
روسيا تقتلنا .. هل تحتاج الجملة إلى شرح .. وهل يحتاج المشهد إلى توضيح .. هل نحتاج للتحليل والتفكيك والبحث لنرسم صورة توضح ذاك المشهد .. مشهد طائراتهم وصواريخهم وبارجاتهم وغواصاتهم ، يقابلها مشهد أشلائنا وأطفالنا ودمائنا وبيوتنا المدمرة ، وعلى الضفة مشهد عالم سافل يتفرج ببلاهة أو بشماتة .. إن بداهة المشهد تدفعنا فعلا للذهول والنظر إليه بعينين جامدتين وفم مفتوح وملامح ساكنة .. لتبدأ التساؤلات السخيفة تحوم حول جماجمنا …
لماذا تقتلنا روسيا ؟؟ .. هل تقتلنا لأننا مسلمون .. أم لأننا سنة .. أم لأننا سوريون .. أم بسبب الغاز أو النفط أو الموقع الجيوسياسي أم لحصار تركيا أم لتأمين موطئ قدم في الشرق الأوسط وعلى شواطئ المتوسط أم لأجل عيون اسرائيل وبشار الأسد أم لماذا ؟؟؟……….. كيف يستطيع مؤيدي الأسد الدفاع عنه حتى اللحظة بعد أن تبين لهم أنه قوة احتلال رخيصة تعمل أجيرا لدى قوة احتلال أكبر منه بمساعدة أذناب طائفية أقذر منهما معا ؟؟ … هل نحتاج للتذكير بالفيتويات الروسية الأربع ؟؟ هل نحتاج للتذكير بتصريح أكثر من مسؤول روسي حول مخاوفه من وصول الأكثرية السنية للحكم في سوريا ؟؟ .. هل نحتاج للتذكير بالتنسيق العالي بين اسرئيل وروسيا والمفارقة الذي يخلقها هذا التنسيق مع محور الممانعة والمقاومة ضد اسرائيل والمنخرط لأذنيه مع روسيا في عدوانها ؟؟؟ .. هل نحتاج للقول إن روسيا قوة محتلة وأن علينا جميعا أن نتناسى خلافاتنا ونتحد حتى نهزم المحتل ونقصيه عن أرضنا ؟؟ ..هل نحتاج للإشارة إلى العجز العربي الذي وصل إلى حد التآمر علينا ؟؟ .. هل علينا أن نذكر الشعوب العربية أننا لم نرى منها مظاهرة واحدة ضد الاحتلال الروسي لأرضنا ؟؟ .. هل نحتاج إلى الحديث عن سفالة الكثير من القوميين والمعميين والمثقفين واليساريين ؟؟ .. هل نحتاج لإعادة اجترار سيرة عمر بن الخطاب والمعتصم وصلاح الدين ؟؟ .. هل نحتاج لتكرار عرض صور نسائنا وأطفالنا وشيوخنا وبيوتنا ومشافينا وخبزنا اليابس وأوصالنا المرتجفة من البرد ؟؟ .. وهل يمكن لهذه الصور أن تحرك عضوا في أجساد لا يتحرك فيها تلقائيا سوى عضوها الذكري ؟؟؟ .. هل علي أن أستمر في طرح هذه التساؤلات التي تبدو أجوبتها بديهية إلى حد السخرية من طرحها .. ولكن ما قيمة هذه التساؤلات وما قيمة الإجابة عنها ؟؟ .. مهما كان السبب .. ومهما كانت الإجابة عن تلك التساؤلات .. إنها تقتلنا وحسب .. والشهداء لا تعكر ذهنهم إشارات الاستفهام ولا تعنيهم الإجابات عنها .. نعم .. روسيا تقتلنا والعالم المتحضر العاهر في معظمه بين متفرج وداعم وصامت وشامت .. هذا هو المشهد بكل بساطة ..
بصراحة ليس لدي الرغبة – وربما القدرة – في تحليل الحدث والبحث عن أسبابه ودوافعه وخلفياته وأهدافه ومحاولة كشف خباياه .. لي رغبة فقط بالصراخ .. أكتب لأصرخ .. لا ليسمعني أحد .. فلا شك عندي أن هذا العالم الفاجر لا يهتم لصراخنا .. لكنني أريد أن أصرخ لكي أفرغ شحنة الغضب التي تملأ صدري …
روسيا تقلنا … هل انتهى المشهد ؟؟ … أبداً .. ما زال لدينا رصاصة وبضع كلمات ..
رصاصة بيد الأطهار .. وكلمات على لسان الأبرار .. في سوريا اليوم الرصاصة كالكلمة والكلمة كالرصاصة .. الرصاصة هي صوتنا الذي يخترق حجاب السمع لدى أصحاب القرار الدولي والذي لم يؤثر فيه صرخات الجوع والألم والقهر وأصوات القذائف والصورايخ .. والكلمة هي رصاصتنا التي نودعها في بقايا الإنسان الموجودة في صدورهم .. صحيح أننا لا نمتلك الكثير من الرصاص ، لكن الكلمات عندنا بلا نهاية ..
لقد حسمنا أمرنا .. لن نترك أرضنا حتى تفرغ جعبتنا من كل الكلمات .. والكلمات عندنا لا تكاد تنتهي ..
قالها صديقي يوما .. وأعيدها اليوم نقلا عنه .. جملة هي لسان حال كل مجاهد حر طاهر على أرض سوريا :
أيها الأوغاد المهووسون بالقتل والدم ..
لقد ارتضينا طريقين لا ثالث لهما :
إما أن نموت وقوفا شوكة في حلوقكم ..
أو أن نحيا كراما برغم أنوفكم ..