on
Archived: محمد دركوشي: السيّد الوزير و(الكاوبوي)
محمد دركوشي: كلنا شركاء
حدثنا درويش بن يعيش قال: سألتُ أبا الفرج الأصفهاني، صاحب الإماء الشواعر والأغاني، عن العجيب والأعجب، من أخبار آخر الزمانِ، فقال: أما العجيب فمجازر الأسد الدموي، في حقّ الشعب السوري، وذبح بسطاء فقراء، لا ناقة لهم ولا بعير، ولا يملكون شروى نقير، لا يؤمنون بسياسة، ولا يطمعون برياسة، ينهضون مع عصافير الفلق، غاية همهم أن يصيبوا ما يمسك الرمق، ومنتهى علمهم «قل أعوذ برب الفلق».
ثمّ سكت أبو الفرج ساعة، وأعقبها بساعة، لم ينبس بحرف ولم يهتزّ له طرف، حتى ظننتُ أنه قُبض، فخالجني الشك في صمته، وداخلني الريب في موته، فاستنجدت بالدعاء، وأجهشت بالبكاء، حتى سحّت عيوني، وفاضت شؤوني، ولبثت على هذا الهوان، قطعة ًمن الزمان، حتى أبصرته يتلحلح، ورأيته يترنّح، فهدأت ضلوعي، وجفّت دموعي، ثمّ قال بصوت وجيع وهمّ جميع: أما الأعجب فإنّ البطلَ المغوار والرجلَ الكرّار، والسياسي البديع فكره، والدبلوماسي الرفيع قدره، السيّد الوزير حفظه الله، وأكرمَ عند الموتِ مثواه، عندما سمع بالنبأ العظيم، أقسم بمن يحيي العظام وهي رميم، ليقفن من (الأسد) موقف الخصيم، فأخرج قرطاسة من جيبه، ويراعةً من عبّه، وحرّر بها وعليها قرارات عصماء، تنديداً بالجريمة النكراء، فقد سخنت في رأسه الدماء، و(قرصته) أخوة العروبة والسماء، وهو العربي الغيور، والمسلم الجسور، فتنكب حقيبته الديبلوماسية، المتخمة بالأوراق السرية، ثمّ امتطى سيارته الألمانية، ومضى إلى أقرب وسيلة إعلامية، يرغي ويزبد، ويغلي ويرعد، يصبّ الكلام صبّا، ويذبّ الحروف ذبّا، يكرّر في نفسه ما سيقول، ويتخيّل كيف سيصول ويجول، أمام عدسات الكاميرات والصحفيين والصحفيات: ما معنى أن تقتل المدنيين في بيوتهم، وتذبح الآمنين في حقولهم، ولا مجلس أمن يمتعض، ولا هيئة أمم تعترض! فإنك والله راحل، عاجلاً غير آجل، بالرماح العوالي فانتظر عاقبة الليالي.
ثم جذب الوزير نفساً من سيجاره المتوقد رأسه، ونفث دخاناً يثقله يأسه، وفي الطريق إلى الوسيلة الإعلامية، اعترضه «الكاو بوي» بهيئته الأميركية، لم يدر كيف وفد عليه، فكلّ طريق يفضي إليه، فاستوقفه وسأله: أأنت من أرباب القلم؟ فقال السيد الوزير نعمْ. فقال له انظر إلى هؤلاء المجندلين في الشعاب، من شيبة وشباب، فإنني قتلتهم جميعاً، لتظاهرهم بالعلم، ولتجمّلهم بالحلم، فما استطاعوا لسؤالي جوابا، فكان قتلي لهم عتابا، فردّ الوزير وقد تلجلج الحديث بين شدقيه، وتوهّج الضوء في عينيه: وما سؤالك أيها القوي؟
قال: سألتهم ما تسمون أعمالي العظيمة، في العراق وأفغانستان، وأفعالي الكريمة، في كلّ أرض ومكان؟ فنظر السيد الوزير باستياء، من خلف نظارته السوداء، إلى مسدسه المتأهب لإحداث الموت، إن ندّ عن شفتيه صوت، وقد تداعت إلى ذهنه صور المعذّبين في مذبح جوانتانامو ومسلخ أبي غريب، فازدرد ريقه، وكتم حريقه، وقال: أسفاً على هؤلاء الجهلاء الأغبياء أما فيهم من يعرف أنّ ما تفعلونه هو الديموقراطية، وما تنشرونه بين الناس يسمى الحريّة، وأنّ القتلى والجرحى إرهابيون مجرمون، وحاقدون طامعون، وأنّ الأسد ربيبكم الميمون، ثاوٍ على الكرسي ولو هلك الشعب كله، فهو ليس كالمخلوع مرسي، صاح لبيكِ فزال ظله. ثمّ قفل راجعاً إلى وزارته وهو يردد بصوت خفيض وجناح مهيض: قرّبا طاسةَ السلافةِ مني ** ما اصطلى بالأوارِ بعدُ إزاري قرّبا طاسةَ السلافةِ مني ** عارُ جاري ما كانَ يوماً عاري قرّبا طاسةَ السلافةِ مني ** لغزالٍ مفككِ الأزرارِ يا وزيري كي لا يقالَ جبنا ** جاهدوا المعتدين بالأشعارِ بالشعاراتِ ناضلوا والأغاني ** مجّدوا ذي قارٍ وذات الصواري