on
Archived: كامل عباس: هيلاري كلينتون وخياراتها الصعبة ( 3)
كامل عباس: كلنا شركاء
تغير المناخ : كلنا معني بالأمر
خصت الكاتبة التغيرات المناخية بفصل كامل من مذكراتها هو الفصل الحادي والعشرون ص 509 .
يجمع الفصل جمعا خلاقا بين السيرة الذاتية والدعاية الانتخابية, ويبدأ بداية ساحرة فيها من الأدب والعبقرية الكثير , رئيس أكبر دولة في العالم ووزير خارجيته يحطمان الأعراف الدبلوماسية ويبحثان كإنسانين عاديين عن زملاء لهما يتهربان من اللقاء بهما .
ص 509 ( لا, لا,لا . قال المسؤول الصيني ملوحا بيديه في المدخل , كان رئيس الولايات المتحدة ومن دون دعوة يقحم نفسه في اجتماع مغلق يعقده رئيس وزراء الصين … كنت أبحث والرئيس أوباما عن رئيس وزراء الصين ون جياباو , خلال مؤتمر عالمي كبير عن التغير المناخي في كوبنهاغن في الدانمارك . كانت هذه المدينة الخلابة باردة ومظلمة ومتوترة على نحو غير معهود في كانون الثاني 2009 وعلمنا ان السبيل الوحيد الى ابرام اتفاق مجد في شأن التغيير المناخي ان يكون بجلوس قادة الدول المسببة بمعظم انبعاث غازات الاحتباس الحراري معا والتوصل الى تسوية خصوصا الولايات المتحدة والصين )
أخيرا عثرا على مكان رئيس وزراء الصين الذي كان يعقد اجتماعا سريا يضم الهند والبرازيل وجنوب افريقيا لمنع إتمام الاتفاق حول التغيرلت المناخية التي دعت اليه أمريكا بعد ان ضاعا في السراديب وتحملا جلافة الحراس ومحاولة تضليلهما كي لا يصلا الى مكان الاجتماع .
وليس الأسلوب وحده هو الشيق في هذا الفصل بل والمضمون بما فيه من فهم عميق للمشكلة من الناحية العلمية والاجتماعية والسياسية .
- من الناحية العلمية : ص511 ( كانت المشكلات الصادرة عن الاحتباس الحراري العالمي جلية على الرغم من نكران البعض للموضوع , وكان ثمة كّم هائل من البيانات العلمية الدامغة عن الآثار الجانبية الضارة لثاني اوكسيد الكربون والميتان والغازات المسببة للاحتباس الحراري .
من أصل الأعوام الأربعة عشر التي شهدت أعلى درجات الحرارة على الإطلاق كانت ثلاثة عشر منها بعد العام ألفين, فالظواهر الجوية القصوى ترتفع نسبيا, ومنها الحرائق وموجات الحر والجفاف, واذا أكملت على هذا النحو فمن شأنها توليد تحديات إضافية وتهجير ملايين الأشخاص والتحريض على المنافسة على الموارد الشحيحة كالمياه العذبة , وزعزعة استقرار الدول الهشة . )
- من الناحية الاجتماعية :
ص 514 ( التقيت في أحد اجتماعاتي الأولى في كوبنهاغن تحالف الدول الجزر الصغيرة , اذ يقدر أن مستويات البحر في العالم ارتفعت بمقدار 6,7 انش خلال القرن العشرين. ومع استمرار ذوبان الجليد في القطب الشمالي سيستمر ارتفاع منسوب البحار بمعدل متزايد مهددا بوجود بعض من هذه الدول الصغيرة . عندما زرت جزر الكوك عام 2012 لحضور اجتماع لمنتدى جزر المحيط الهادي أبلغ الي القادة هناك أن التغير المناخي يشكل التهديد الأكبر لدولهم .
تحتل الجزر والدول الواطئة الخطوط الأمامية في هذا النضال, لكن سائر الدول ليست بعيدة عنها, اذ يشكل سكان السواحل نسبة 40%من سكان البشرية ويعيشون على مساحة تبلغ ستين ميلا, فيما المدن المترامية الأطراف بالقرب من دلتا الساحلية, وأنهار المسيسبي والنيل والغانغ وميكونغ ضمنا هي في خطر . علينا التخطيط للمستقبل والتفكير في الآتي وسط استمرار المناخ بالتغير ومستوى البحار بالارتفاع , ماذا سيحدث لمليارات العالم هناك, اذا أصبحت منازلهم ومدنهم غير قابلة للسكن ؟ الى أين يذهبون ؟ ومن سيساعدهم ؟ ) .
- من الناحية السياسية :
أعجبني في هذا الفصل العرض الواقعي للمشكلة بغض النظر عن الأسباب التي أدت اليها, هناك دول نامية مثل الصين والهند والباكستان لديها تحدي تطوير اقتصادها من اجل رفع سوية شعبها وتخليصهم من الفقر , والتطوير يعتمد على التصنيع, والتصنيع يحتاج الى طاقة, والطاقة المتوفرة في هذه البلدان هي الفحم والبترول بشكل أساسي واستعمالهما كوقود مسبب ريئيسي للاحتباس الحراري, وليست لديها أمكانية تكنولوجية للاعتماد على الطاقة النظيفة المتجددة المنتجة من الشمس أو الرياح أو الحرارة الأرضية , ص512 ( كانت هذه الدول تتعامل مع آثار نفوذها وثقلها المتزايدين كل منها على طريقتها الخاصة,فعلى سبيل المثال أخرجت الصين مئات الملايين من شعبها من دائرة الفقر, مذ شرّع ابوابها دينغ زياو بينغ على العالم عام 1978, ولكن بحلول العام 2009 كان لا يزال مائة مليون شخص يعانون مستوى معيشيا قُدر بأقل من دولار واحد للفرد يوميا. ارتكز التزام الحزب الشيوعي على زيادة المداخيل وخفض حدة الفقر وعلى زيادة الانتاج الصناعي, مما طرح خيارا صعبا, هل تتمكن الصين من معالجة مسألة التغير المناخي فيما الملايين من شعبها يعانون الفقر؟ وهل تتمكن من اتباع مسار التنمية متكلة على طاقة أكثر تجددا وفعالية, تحد من الفقر ؟ عندما تحكم بلدا يعاني من عدم مساواة عميقة وفقرا يصبح مقبولا تفكيرك في أن ليس في إمكانك تحمل الحد من نموك لمجرد أن القوى الصناعية تسببت بالتلوث .)
واذا كانت الصين والهند وغيرها من الدول الصاعدة المستعدة للتعامل مع المجتمع الدولي للحد من انبعاث الغازات وبالتالي ايقاف درجة حرارة الكرة الأرضية فان هناك مشكلة أخرى في البلدان التي تحكم بقبضة عسكرية ولا تفكر الا بمصالحها حتى ولو كان في ذلك خراب العالم مثل تفكير القيادة الروسية الحالية ص 520 ( كان ذوبان الجليد يفتح آفاقا جديدة للإبحار والتفتيش عن النفط والغاز في أنحاء القطب الشمالي مما تسبب بالصراع على المواد والحقوق الاقليمية, كان يمكن لبعض احتياجات الطاقة أن تكون هائلة وكانت عين الرئيس الروسي بوتين على المنطقة فأعطى توجيهات لجيشه بالعودة الى عدد من القواعد السوفياتية القديمة في القطب الشمالي ).
اذا أضفنا الى هذه الصعوبات اتجاها داخل امريكا في مجلس الشيوخ ومجلس النواب لا يتفق مع سياسة الكاتبة ويرفض تقديم أي تنازلات للمجتمع الدولي في هذا المجال ولا يجد أي خطر يدعوه للحد من انبعاث الغازات, لعرفنا حجم الصعوبات التي تعترض من يفكر مثل هيلاري التي ترى أننا مبحرين في قارب واحد وعلينا التعاون جميعا ضد أمواج البحر كي نصل الى الشاطئ بسلامة .
أحب أن أضيئ الموضوع من جانبي كناشط سياسي من الشرق وأحمل اجازة علوم طبيعية هي التي دفعتني للاهتمام بعلم البيئة, في حين تحمل الكاتبة اجازة حقوق دفعتها الى الشأن العام ومنه الشأن البيئي .
والبداية من قريتي بشراغي
كانت القرية في طفولتي أيام الخمسينات من القرن المنصرم تضم بيوتا طينية متلاصقة يعيش الناس فيها حياة وديعة هادئة رغم الصقيع والبرد والوكف وقساوة الطبيعة, وقودهم الحطب وضوءهم سراج الكاز وشرابهم من نبع شحيح وطعامهم خبز التنور الى جانب ما كانت تجود به الأرض من ثومها وبصلها وهندبائها وتينها وزيتونها ورمانها وعنبها, حتى انني كنت أظن ان الله تعالى استند في مشاهداته من عليائه على قريتنا وما ينبت في أرضها من طيبات فعّمم ذلك على الناس في كتابه العزيز, كان لكل فصل ميزته الخاصة , وأصعب فصل هو فصل الشتاء وخاصة شهر شباط بفتراته المسماة سعد ذابح وسعد بلع وسعد السعود , وعندما يبدأ سعد السعود تطمئن العجائز على حياتها, وكان لكل بيت مزبلته الخاصة يجمع فيها المخلفات البشرية والبقرية وتُغطى بإحكام ويشرف رب البيت على تهويتها وتخميرها وتوزيعها في النهاية على الأرض كسماد,أهم ما فيه رماد النار – الصفوة – لأنها تحوي معادن مفيدة للمزروعات, وكان للقرية دورة زراعية بحيث تزرع جهة الشرق نبات بقولي كالحمص او الفول أو الجلبانة , في حين تزرع جهة الغرب قمحا او شعيرا ليتم التبادل في العام التالي , كان الأهالي بشكل عام متضامنين مع بعضهم ضد نوائب الدهر يشربون ماء زلالا ويتنفسون هواء نقيا .
كيف هو حال القرية اليوم ؟ تباعدت البيوت, كل بيت أصبح جمهورية مستقلة دخلته المياه والكهرباء والشبكة العنكبوتية , والقمامة في الشوارع وخاصة البلاستيك واكياس النايلون وعلب السردين والتنك وغيرها من النفايات الصلبة التي تتحلل ببطء وتذوب مكوناتها المعدنية كالزنك والرصاص والزئبق وتنتقل مع السيول وتسقي المزروعات حيث تتراكم تلك المواد السامة عبر السلسلة الغذائية في أجسادهم .
لم يعد للفصول نكهتها, ففي اليوم الواحد تتناوب أحيانا الفصول الأربعة وقد يسقط المطر بغزارة في آب وتحتاج الى تشغيل المراوح الكهربائية في شباط للتخفيف من شدة الحرارة, أما التلوث فحّدثْ عنه ولا حرج وخاصة بوجود دخان مصفاة بانياس القريبة منها, أصبح أهالي القرية يشربون مياها فيها قدر من التلوث أكبر بكثير من مياه نبعها القديم ويتنفسون هواء غير عليل, السؤال الذي يحيرني هل تطورت قريتي في المائة عام الأخيرة أم تقهقرت ؟
هذا السؤال حاولت الاجابة عليه بشكل غير مباشر من خلال كتاب نشر لي عام 2010 – البيئة والانسان تفاضل أم تكامل ؟ – كنت اطمح من خلاله أن يساعد على نشر ثقافة بيئية يحتاجها شبابنا في شرقنا الحبيب , رأيت فيه أن النوع البشري ككل نوع حي له دورة حياة خاصة به , وان مسيرة النوع فيها الكثير من مسيرة الفرد الانساني وهو الآن في طور المراهقة , والمراهقة هي أخطر فترة يمر بها الانسان في حياته, وهي فترة زمنية معينة من النمو تحدث أثناءها تغيرات فيزيولوجية عميقة تكون مصحوبة عادة بهزات وانقلابات مفاجئة في السلوك تتميز بالطيش والنزق , واذا كانت مراهقة الفرد شديدة قد تقتله, ولكن بعد وصوله الى سن النضج تستقر ملامحه الشخصية والفيزيولوجية وتخف انفعالاته العاطفية وتترك مكانا للتعقل والحكمة.
مراهقة النوع البشري الحالية فاقت كل تصور منذ أن نسي الانسان أخطار الطبيعة والبراكين والزلازل وأصبح هم فئة قليلة منه الاستئثار بموارد وثروات الطبيعة واخضاع البقية لهيمنته بالقوة , وتسخيره كل المنجزات العقلية والعلمية بما يخدم تلك الفئة لدرجة أن يصبح بيننا ملياردير مثل ترامب حصته من ثروات الطبيعة أكثر من حصة ملايين من البشر ’
هل سيصل النوع البشري الى سن النضج أم ستقتله مراهقته ؟
بين يدي قادة العالم أسلحة فتكاكة تستطيع أن تحيل حضارة هذا الكوكب بأيام الى ركام , ولكننا نبقى محكومون بالأمل ومادام بيننا من يترشح لرئاسة امريكا بوجه ترامب مثل كلينتون التي تولي الأهمية للانساني على حساب الطبقي ويشغلها التغيرات المناخية الحالية التي تضر بالناس .
أعتقد أن على أحرار العالم ومثقفيه دعمها علّ وعسى أن نتمكن من مراكمة وعي عام يجعلنا نصل الى سن النضج حيث يتم تسخير العلم والانتاج لخدمة الانسان وليس لخدمة المليارديريين.
بالطبع يجب ان نأخذ حذرنا ممن يروجون للعنف الثوري على الطريقة اللينينية بالنفخ في شرارات الصراع الطبقي لكي نجعل منها حريقا هائلا, فقد يحرقنا جميعا , واذا صح أن العنف الثوري لعب دورا ايجابيا في الماضي وكان قابلة التاريخ فان الوعي يجب أن يكون قابلته الآن لنصل الى سن النضج .
والوعي البيئي يحتل الصدارة في حياتنا بعد أن وصلنا الى زمن تلوث فيه الهواء والماء وهما عصبا الحياة الحساس واصحب الملايين مهددين بالتشرد او الموت كما ذكرت الكاتبة بسبب التغيرات المناخية,كتبت في مقدمة كتابي ما يلي :
ما أحوجنا الى بث وعي بيئي جديد يجعل من الانسان عضوا في الطبيعة وليس سيدا لها , احد مكونات منظومتها وليس خارجها أو فوقها .
ولكن وبكل أسف لم يقرأ كتابي الا القليل, والكثير من نسخاته مادامت اوراقها ممسكة ببعضها كما كانت عندما خرجت من المطبعة , في حين ترقص في سوق استبدادنا كتب السحر والأبراج والاعجاز الديني وتباع منها ملايين النسخ . كنت أظن ان الكتاب سيلفت انتباه خريجي الجامعات والكليات العلمية المعنية بالبيئة على الأقل, ولكن تعليقا واحدا عليه جاء من بين أدباء سوريا وليس من بين علمييها عنونه كاتبه بهذا الشكل
( كتاب جديد لكل الأعمار )
وكتب في مقدمته قائلا : (لست من هواة الكتب العلمية بسبب قصور في ذائقتي , وليس بسبب خلل في الكتب نفسها . ومع ذلك قرأت في حياتي بضعة عشر كتابا في هذا المجال , كان أمتعها بالنسبة لي كتاب ( الإنسان ذلك المجهول )لأكسيس كاريل أحد أقطاب العلم في التاريخ والحاصل على جائزة نوبل في العلوم . وقد استمتعت بالكتاب لأنه كتب بلغة مبسطة وأمثلة تفيد القارئ غير المتخصص مثلي . ومنذ قراءتي لكاريل لم أشعر بالمتعة ذاتها الا عندما قرأت كتاب الباحث السوري كامل عباس الصادر مؤخرا عن الهيئة العامة للكتاب في سوريا” البيئة والانسان تفاضل ام تكامل ” .
اما نهايته فقد جاءت كما يلي :
قلة أيضا هم الذين يعون ان صناعة العطور تترك أثرا مدمرا للبيئة , فبعض العطور يتألف من مواد كيميائية قد تكون مسرطنة او مثبطة للجهاز العصبي , ويحرم القانون دفنها في الأرض بجانب بيتك ولكنه لا يفعل شيئا اذا جاءتك في زجاجة ملفوفة بورق السيلوفان كزجاجة عطر . ومن إضافات الكتاب أيضا تحليله للعلاقة بين الانسان والطبيعة , حيث نظر الانسان الى الطبيعة كأنها جزء من حديقة بيته يرتبها كما يشاء غير عابئ بالتوازن البيئي . وبالطبع يمر الكاتب بتوازن على القضايا البيئية الأخرى كالاحتباس الحراري وثقب الأزون , ويعرج على البيئة ومستقبل الكون , فيستعرض الجهود البشرية لتخفيض التلوث وحماية البيئة واستخراج طاقة بديلة تكون صديقة للبيئة . كل ذلك في سلاسة ولغة جملة آسرة , تأخذك من يدك حتى تكمل قراءة الكتاب .
وائل السواح جريدة بلدنا عدد 26/1/2010.
……………………………….
المعركة الانتخابية في أمريكا الآن حامية بين نهجين وسط ترقب وحبس للأنفاث في كل مكان من العالم وليس في أمريكا فقط .
- نهج قديم جديد يريد الحفاظ على امتيازات الأغنياء وثرواتهم , ومدعوم من تيارات متطرفة في امريكا وخارجها ولها شعبية لايستهان بها كرد فعل على سياسة اوباما بحيث تتوافق مع ترامب في بناء فصول الجدران العنصرية .
- ونهج واقعي رمزه امرأة تًعرِف مذكراتها بتاريخها الحافل بالعمل من أجل القضايا الانسانية .
من سينتصر في هذه المعركة ؟
اذا انتصر ترامب فسنشهد مزيدا من المراهقة التي تولد الدواعش في كل انحاء العالم وبالتالي مرحلة ليست سهلة على كل المعنيين بغد أفضل للانسان .
اما اذا انتصرت كلينتون فأعتقد ان نجاحها سيمهد لمرحلة النضج عالميا, وسيعود بالكثير علينا نحن السوريين, لأن الانتقال السياسي أمر مقدس بالنسبة لها في سوريا كما قالت لكوفي أنان. حينها سأطالبها بمساعدتي لكي يطبع كتابي مرة ثانية, وربما ليترجم أيضا في امريكا لنصبح كلنا معنيين في الأمر ونفهم ماذا تعنيه صناعة العطور من ضرر على صحتنا بالشكل الذي ينتج به حاليا .
( يتبع )
كامل عباس – اللاذقية
اقرأ:
كامل عباس: هيلاري كلينتون وخياراتها الصعبة.. سوريا المعضلة الشريرة (2)