Archived: أحمد سامى :في عراق ما بعد صدام.. قلق سني من استعادة إيران للفلوجة من (داعش)

أحمد سامى : التقرير

في سنة 2004، شهدت الفلوجة معقل السنة في العراق، معركتين ضاريتين شملت القوات الأميركية، ولاحقًا، تحالفت الولايات المتحدة مع الشيعة ضد المتمردين السنة الذين كانوا يحظون بمرتبةٍ مبجلةٍ خلال فترة حكم صدام حسين، وهي تخشى الآن من تنامي نفوذ السياسيين الشيعة المدعومين من إيران في عراق ما بعد صدام.

بحسب ما قالت “تليغراف”، في افتتاحيتها: “اليوم لا تزال نفس تلك التوترات الطائفية موجودة، كما أن استعادة مدينة الفلوجة ستكون بمثابة النصر للقوات العراقية وحلفائها مما سيثير مخاوف البعض من سيطرة القوات التابعة لإيران، خاصة مع تواجد قائد الحرس الثوري الإيراني على مشارف المدينة في الآونة الأخيرة”.

وقبل هجوم الحكومة العراقية هذا الأسبوع، تمّ تصوير رئيس نخبة فيلق القدس التابع للحرس الثوري، قاسم سليماني، يتحدث مع رؤساء الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران التي كانت تستعد للمشاركة في الحملة العسكرية لتحرير المدينة، ولذلك عوضًا عن اعتبار أن الهجوم الذي تشنه الحكومة العراقية هو بهدف استعادة السيطرة على أراضيها، فإنه ينظر إليه على أنه صراع طائفي لا غير.

كيف يعيش أهالي الفلوجة ؟

نشرت صحيفة “الغارديان” تقريرًا حول حصار الفلوجة، للصحافية هولي يونغ، كما روته لها المنسقة الإعلامية لمجلس اللاجئين النرويجي في العراق، بيكي بكر عبد الله، وتقول الكاتبة إنها صدمت لدى رؤيتها مخيم النازحين في عامرية الفلوجة “مخيم العراق”، وهو الأقرب إلى مدينة الفلوجة المحاصرة، حيث لم يكن أحد خارج خيمته، في الوقت الذي احتدمت فيه الحرب على بعد 30 كيلومترًا بين مجموعات المعارضة المسلحة والجيش العراقي، وساد الجو هدوء غير عادي.

ويشير التقرير إلى أنه يعيش في المخيم بعض العائلات القليلة، التي استطاعت الهروب من القتال في المدينة، التي عاشت تحت سيطرة مجموعات المعارضة المسلحة على مدى العامين الماضيين، لافتًا إلى أنه لدى بدء القوات العراقية يوم الاثنين هجومها على المدينة أصبح الجو مكتئبًا متوترًا؛ لأن الوضع الإنساني، الذي كان مأساويًا، أصبح حرجًا.

وتقول الكاتبة: “أخبرني محمد البالغ من العمر 9 سنوات بأنه عندما خرج من البيت ركض لساعات حتى بدأ يحس بالألم في قدميه، وهرب مع حوالي 16 أو 17 عائلة أخرى، حيث تقدم أحد الأشخاص ليتفحص الطريق لهم، ويتأكد من عدم وجود مقاتلين أو متفجرات، ولدى وصولهم إلى الحاجز على مدخل المدينة رفعوا الأعلام البيضاء، وتجاوزوا الحاجز، واستمروا في الحركة 30 كيلومترًا، حتى وصلوا إلى مخيم العراق”.

وتقول الكاتبة: “أعرب الناس الذين قابلتهم عن شعورهم بالارتياح، ومع أن المخيم في محافظة الأنبار، التي لا تزال منطقة غير آمنة تمامًا، إلا أن إحدى النساء اللواتي تحدثت معهن، أعربت عن سعادتها لأنها أصبحت في (أمان)، ووصفت لي كم تحب بيتها الجديد، وكيف أنها لا تريد مغادرة هذا البيت الجديد، علما بأنه عبارة عن خيمة لجوء مساحتها 20 قدما مربعًا، وكثير قالوا إنهم سعداء بأنه أصبح بإمكانهم الأكل والنوم من جديد”.

وتنقل الصحيفة عن امرأة هربت يوم الاثنين، قولها إنه لم يبق شيء في المدينة، لا طعام ولا كهرباء ولا وقود، وأضافت أن عائلتها عاشت على التمر المجفف والماء من النهر، مشيرة إلى أن الناس يموتون جوعا، وأن البعض ينتحرون، وتستدرك قائلة: “لا نستطيع التحقق من ذلك؛ لعدم إمكانية الوصول إلى المدينة، وقالت المرأة إن أما أغرقت نفسها وطفليها، بدلاً من الموت البطيء جوعًا”.

وتختم “الغارديان” تقريرها بالقول إن “الوضع في المخيم سيء جدًا، لكن القلق الرئيسي على 50 ألف نسمة لا يزالون في الفلوجة، لا نعرف إلا القليل عما يحدث داخل المدينة، والمحبط هو أننا على بعد 30 كيلومترًا فقط ممن يحتاجون المساعدة، ونحن جاهزون للمساعدات الطارئة، ومع ذلك لا نستطيع فعل شيء لهم، وأدعو أطراف الصراع كلها إلى تأمين مخرج آمن لسكان الفلوجة المدنيين”.

معركة طائفية

وتُعدّ سيطرة تنظيم الدولة على مدينة الفلوجة خلال سنة 2014، أوّل انتصار يُحرزُه هذا التنظيم خاصة أن الاستيلاء على مدينة، تقع على بعد 40 ميلا من غرب بغداد، قد أثار مخاوف البعض الذين اعتقدوا أن مقاتلي تنظيم الدولة، المدعومين من قبل أنصار النظام البعثي لصدام حسين، سيجتاحون في نهاية المطاف العاصمة العراقية.

وقد استطاع التحالف بين القوات الأميركية والعراقية عرقلة تقدّم تنظيم الدولة، وتمكّن تدريجيًا من استرجاع المناطق التي يُسيطر عليها واستطاع طردهم من مدن هامة واستراتيجية مثل تكريت والرمادي.

وإذا تمّ استرداد الفلوجة ستتمكن الحكومة العراقية من إلحاق هزيمةٍ شاملةٍ بتنظيم الدولة وستصبح عملية استرداد الموصل، ثاني أكبر المدن العراقية، مهمةً أسهل بكثير بعد أن تمّ قطع جميع خطوط الإمداد لعناصر تنظيم الدولة الذين ما زالوا صامدين هناك.

وبعد أن بدأت القوات العراقية، يوم الاثنين الماضي، بقصف ضواحي المدينة، ذُكر أن فرق الإعدام التابعة لتنظيم الدولة قد ظهرت في الشوارع، وبدأت تُهدد أي شخص يحاول الهروب أو الخروج من المدينة.

وتعتبر معركة الفلوجة هي معركة طائفية بحتة، وهذا ما يفسر قرار العبادي الأخير في شن هجوم على تنظيم الدولة بعد شهور من التردد، وبعد أن تعرضت حكومته لضغوطٍ مكثفةٍ من المحتجين الشيعة، المدعومين من إيران ومن الزعيم مقتدى الصدر.

كذلك جاء قرار العبادي إثر المزاعم التي أفادت بأن خلايا تنظيم الدولة الإرهابية المُتمركزة في الفلوجة كانت مسؤولة عن سلسلة من السيارات المفخخة التي أسفرت عن مقتل قرابة 200 شخص في بغداد في مطلع هذا الشهر، وعلى إثر ذلك قام المئات من المُحتجين الموالين لمقتدى الصدر باقتحام المنطقة الخضراء المُحصنة، مُطالبين الحكومة بإحداث تغييرات جذرية في إدارة العبادي التي وصفوها بالفاسدة.

لماذا لم يتم تحرير الفلوجة إلى الآن ؟

على الرغم من المعاناة التي يعيشها سكان مدينة الفلوجة، عقِب سيطرة “تنظيم الدولة” عليها، وهو ما انعكس بالسلب على كافة مناحي الحياة إلى أن وصلت لحالات انتحار بسبب الجوع الذي صارت فيه المدينة جراء حصار التنظيم والحكومة العراقية.

الكاتب الصحفي، عمر عبد الستار، أكد ان معضلة الفلوجة، التي يبدو أن تحريرها قد بات أقرب من أي وقت مضى، لا تكمن فقط في سقوط المدينة بيد “تنظيم الدولة”، التي تحصي الأنفاس على أهلها وتعدمهم بدم بارد؛ ما تتحمله حكومة المالكي السابقة، بل وفي أسباب أخرى لا تقل عن تلك أهمية.

ومن هذه الأسباب مثلًا: مماطلة الحكومة في بدء عمليات تحريرها بسبب إشكالات سياسية وإرادات دولية، ومن الأسباب أيضًا: تشرذم جمهور الفلوجة ونخبتها حول سبل حل معضلة مدينتهم، والذي جعلهم يتأخرون في تكوين “حشد شعبي” من أهلها حتى وقت متأخر جدًا.

وأشار عبدالستار، إلى أنه ومنذ أن أعلنت قيادة العمليات المشتركة، عن فتح ثلاثة منافذ آمنة لخروج المدنيين من مدينة الفلوجة بالأنبار، جاء في بيان لمحافظ الأنبار صهيب الراوي أن الحكومة المحلية، ومنذ مطلع العام الجاري، وفرت ممرات آمنة مع مراكز استقبال، بالتنسيق مع القوات الأمنية، لكن “تنظيم الدولة” فخخ هذه الممرات، إضافة إلى مداخل ومخارج الفلوجة.

وقد أصدر شيوخ عشائر ووجهاء المدينة بيانًا أعربوا فيه عن شعورهم بأن هناك تسويفًا من قبل رئيس الوزراء حيدر العبادي، وأنهم “سيصرخون كما أي مواطن من الفلوجة” أين حقي “بالعودة”، ودعا عضو اللجنة الأمنية في مجلس محافظة الأنبار راجع العيساوي العبادي إلى تقديم استقالته من منصبه في حال عدم تمكنه من إنقاذ أبناء شعبه المحاصرين من “تنظيم الدولة”، وطالب العيساوي باسم محافظة الأنبار وحكومتها المحلية المرجعية الدينية بـالتدخل فورًا من أجل معالجة ملف العائلات المحاصرة داخل مدينة الفلوجة وإنقاذهم من محنتهم.

وأشار إلى أنه يبق أمر اتهام الحكومة بالتقصير والتسويف في تحرير الفلوجة مقصورًا على الأطراف السياسية والحكومية والعشائرية، التي تمثل أهل الفلوجة فقط، بل انضمت إليه فصائل في “الحشد الشعبي” أيضًا، وأعلنت “كتائب حزب الله” ترحيبها وتضامنها مع موقف “لواء أنصار المرجعية”، الذي لوح بالانسحاب من الفلوجة في حال عدم إصدار الأوامر بتحرير المدينة من “تنظيم الدولة”.