Archived: معهد دراسات:حاجة إسرائيل للوقوف بوجه نظام الأسد: واجب أخلاقي وضرورة استراتيجية


عموس يادلين-معهد دراسات الأمن القومي (الإسرائيلي): ترجمة مرقاب

خلال السنوات الخمس الماضية اختارت إسرائيل عدم الوقوف بجانب أي من أطراف الصراع في سوريا، ورغم أنه كان – وما زال – يوجد أسباب وجيهة لتلك السياسة، فقد حان الوقت لإسرائيل لكي تعيد تقييم موقفها من الحرب الأهلية المستعرة على الطرف المقابل من حدودها.
في المقام الأول، على إسرائيل أن تقف في وجه نظام الأسد بناء على اعتبارات أخلاقية، فالاستخدام المتجدد للسلاح الكيميائي يذكرنا بأن النظام السوري يتحمل معظم مسؤولية المجازر التي تحدث في سوريا وأنه مازال عليه أن يعاقب، ويعد الأسد مسؤولا عن 90 بالمئة من القتلى خلال الحرب، كما أنه مسؤول عن مليوني جريح و11 مليون لاجئ داخل سوريا أو في دول جوارها، ولم نر نظيرا للجرائم المرتكبة اليوم في المأساة السورية منذ الإبادة الجماعية في كمبوديا قبل أربعة عقود ومجازر رواندا منذ 22 عاما مضت، وبضوء هذه الأحداث فلا يمكن لإسرائيل أن تقف موقف المتفرج.
بالإضافة لهذه الخلفية الأخلاقية، والتي تمثل لوحدها مبررا كافيا لإسقاط الأسد، فإن إسقاط النظام يمثل مصلحة استراتيجية لإسرائيل، فالمحور المتطرف الذي تقوده إيران والذي يتبنى القضاء على إسرائيل هدفاً له يمثل التهديد الأصعب الذي تواجهه إسرائيل اليوم، وما حصل عليه هذا المحور من قوة مؤخراً في مواجهة خصومه في سوريا أبرزت ضرورة اتخاذ إجراءات ضده لمنع تطور هذه الإشكالية الإستراتيجية، والأفضل أن يكون ذلك بالتنسيق مع الدول الإقليمية الكبرى والقوى الدولية العظمى.
صحيح أن البعض يرى بأن الخطر الذي يمثله تنظيم الدولة يفوق الخطر الذي يمثله المحور الحليف لإيران وبأنه يجب التعامل معه أولا، وبالتأكيد يجب عدم التقليل من شأن خطورة تنظيم الدولة الإسلامية، ولكن بغض النظر عن تدخل إسرائيل من عدمه فقد تعامل المجتمع الدولي مع ظاهرة التنظيم ونجح إلى حد بعيد في وقف تقدمه والتقليل من مساحات المناطق التي يسيطر عليها، وبحال انهار نظام الأسد وظهر بديل سني معتدل فسوف يزيد ذلك من ضعف جاذبية التنظيم، بالإضافة إلى ذلك فقد أكدت عدة تقارير ظهرت مؤخرا وجود تعاون بين الأسد والتنظيم الذين يتشاركان المصلحة في التخلص من المعارضة المعتدلة، ويأتي كل ذلك في الوقت الذي تقف فيه إسرائيل لوحدها عمليا في مواجهة المحور المتطرف الحليف لإيران، ولا يمكنها في مسعاها هذا الاعتماد على أحد إلا نفسها، ولذلك فعلى إسرائيل أن تتخذ أفعالا لمنع تعاظم قوة هذا المحور الذي تدعمه روسيا وجعل ذلك أولوية قصوى لإسرائيل.
وبد الاستمرار في وضع قدم هنا وقدم هناك، ينبغي على إسرائيل أن تشكل إستراتيجية متعددة المستويات، وأحد شروطها الجوهرية تأسيس تحالف مع الدول السنية في المنطقة – ويمكن لهكذا تحالف أن يكون سرياً إن كان هناك ضرورة لذلك – فالدول السنية في الشرق الأوسط وإسرائيل لديها مصالح مشتركة وتسعى إلى تحقيق أهداف متماثلة تتمثل في إضعاف إيران وحزب الله والتخلص من نظام الأسد، لذلك يجب عليهم التحرك معا للانطلاق بعملية سياسية تسير قدما نحو تحقيق هذه الأهداف بالشراكة مع الولايات المتحدة وربما أيضا بتفاهم غير علني مع روسيا التي – خلافاً لإيران – لا تعتبر الأسد عنصراً ضروريا في مستقبل سوريا.
وفيما يلي المعالم الأساسية لاستراتيجية المطلوبة لمواجهة الأسد ونظامه وإضعاف المحور المتطرف الحليف لإيران:
أولا: يجب إطلاق عملية سياسية وقانونية واضحة المعالم ضد الجرائم المرتكبة من قبل نظام الأسد لتحميله مسؤولية جرائم القتل واسعة النطاق واستخدام السلاح الكيميائي، ويمكن لإسرائيل أن تساعد في كشف ما لديها من معلومات بخصوص أعمال القتل المرتكبة من قبل الأسد وحزب الله واستخدام السلاح الكيميائي.
ثانيا: يجب التفاهم مع الولايات المتحدة لصياغة استراتيجية للإطاحة بنظام الأسد، بحيث تكون الأولوية للإطاحة بالأسد أولا ثم تنظيم الدولة الإسلامية، ومن الضروري ضرب عناصر القوة الأساسية في النظام الحاكم، بما فيها مقرات الأجهزة الأمنية ووحدات السلاح الكيميائي وربما أيضا عناصر القوى الجوية والدفاع الجوي، وكلها أفعال تنسجم مع دعم عرف دولي مقبول ومع تعهد الرئيس أوباما بمعاقبة نظام استخدم السلاح الكيميائي ومنع أي استخدام جديد لتلك المواد. وفي ذات الوقت من الضروري البحث عن سبل أخرى لتقوية مجموعات المعارضة المعتدلة.
ثالثا: على إسرائيل أن تثبت أنها تمتلك خطوطا حمر ومبادئ أخلاقية. ويمكنها في هذا الصدد تنفيذ عمليات عسكرية محدودة بهدف إيصال رسالة أخلاقية والحفاظ على حياة المدنيين مثل استهداف الحوامات التي تلقي براميل متفجرة على مناطق مكتظة بالسكان.
رابعا: يمكن لإسرائيل بالتزامن مع ذلك أن تقوم بضرب لواء شهداء اليرموك في مرتفعات الجولان المرتبط بتنظيم الدولة، وسيثبت ذلك أنه يمكن قتال الأسد في ذات الوقت الذي يتم فيه ضرب تنظيم الدولة الإسلامية، كما أنه من الهام الاستمرار بتزويد التحالفات التي تحارب الجماعات السنية المتطرفة بالمعلومات الاستخباراتية وأشكال الدعم الأخرى.
خامسا: على إسرائيل وبدعم دولي وإقليمي أن تشجع على استقرار الوضع الإنساني في جنوب سوريا على طول الحدود مع إسرائيل والأردن، وزيادة المساعدات الإنسانية الإسرائيلية للاجئين والتجمعات السكانية المحاصرة والجرحى.
سادسا: يجب التوصل إلى تفاهمات مع روسيا للتقدم بهذه الجهود مع الحفاظ على المصالح الروسية في الشمال السوري، فمن الضروري التشاور مع موسكو بشأن إيجاد بديل للأسد يكون أكثر توجها نحو روسيا منه نحو إيران.
سابعا: يجب القيام بجهود لتقديم الدعم والتشجيع ما أمكن للتدابير والإجراءات العربية المتخذة ضد حزب الله وإيران في المنطقة وفي الساحات الدولية.
والخلاصة أن الشرق الأوسط اليوم يعاد تشكيله في عملية طويلة بدأت منذ خمسة سنوات ولا يمكن توقع نهايتها حتى الآن، لكن ما يمكن قوله إزاء هذا الوضع أن لدى إسرائيل مصلحة جوهرية في ضمان ألا تكون إيران وحزب الله القوى التي ستخرج أقوى في إطار النظام الجديد في الشرق الأوسط. لقد ولت تلك الأيام التي كان بإمكان إسرائيل فيها أن تأخذ موقف المتفرج على التطورات في سوريا. وإذا أرادت إسرائيل أن تساهم في تشكيل طبيعة المنطقة المحيطة بها في السنوات القادمة وأن ترتقي بمكانتها في المنطقة فيجب عليها عدم التردد، لكيلا تضيع الفرصة المتاحة لتقويض أعدائها اللدودين، ولقد كانت وجهة النظر هذه قابلة للتطبيق قبل ثلاثة سنوات حينما أقدم النظام على استخدام السلاح الكيميائي وتزداد جدواها وصلاحيتها اليوم بشكل كبير بعد أن تم استخدام هذا السلاح مرة أخرى.