Archived: عمر قدور: الخسارة المستحيلة

عمر قدور: المدن

بلا تنميق أو مواربة، ما ينبغي قوله أن جهد إدارة أوباما منصب على كيفية إخراج هزيمة المعارضة السورية باتفاق سياسي، كل كلام آخر عن فعالية روسية مقابل سلبية إدارة أوباما لا معنى له في ظل التواصل اليومي بين الطرفين. حتى في الاجتماعات الأخيرة للمجموعة الدولية الخاصة بسوريا، التي بادرت إليها فرنسا، كان الجهد الأوروبي والخليجي موجهاً للضغط على كيري أكثر من الضغط على لافروف، ما يعكس فهماً صريحاً للجهة التي ترعى بقاء بشار في السلطة. إذاً، لا حرج في القول بأن الطائرات الروسية التي عادت تقصف شمال مدينة حلب، بهدف فصل مناطق المدينة المحررة عن ريفها، عادت برضا أمريكي، أو بالأحرى عادت بموجب تفاهم غير معلن يقضي بإعادة المدينة إلى النظام لما لها من أهمية. جبهة الجنوب، الممسوكة أمريكياً وأردنياً، قد لا يكون حالها أحسن عندما يحين دورها، ولن يشفع لها إشراف غرفة “الموك”، ففي حلب أيضاً هناك تنظيمات تلقت بعض الدعم الأمريكي تحت تصنيف الاعتدال، والآن تُترك بلا رحمة أمام هجمات الطيران الروسي. يجوز القول بأن أوباما يملك تصميماً جاداً لإنهاء القضية السورية في ما تبقى من ولايته، والمدخل هو هزيمة الفصائل العسكرية في معاقلها الكبرى، بخاصة على الحدود التركية. الإبقاء على بؤر محاصرة هنا أو هناك لا أهمية عسكرية له، إذ يطيب للنظام نفسه استنزافها ببطء ومعاقبة الأهالي بالتجويع. سياسياً، الأمر واضح جداً، المطلوب مشاركة تبقي النظام بسيطرته المطلقة على الجيش وأجهزة المخابرات، لقاء بعض الوزارات الخدمية التي لم يعد النظام قادراً على الوفاء بالتزاماتها، على أن يتولى “أصدقاء المعارضة” أمر تمويلها. وفق السيناريو الأمريكي، كان على المعارضة ابتلاع الهزيمة منذ استبعد أوباما قدرة أطباء الأسنان والمزارعين على هزيمة طبيب العيون! إذ لا يخفى الدأب الأمريكي على إيقاع الهزيمة بالمعارضة، كلما تجرأت القوى الإقليمية الصديقة على مخالفة المشيئة الأمريكية ومدّها بقليل من السلاح الفعال. المعركة الصامتة بين أوباما وحلفاء أمريكا التقليديين مفتاح ضروري لفهم الموقف الأمريكي، على رغم كل ما يُقال من الطرفين عن متانة علاقتهما وديمومتها. منطقياً، فصائل المعارضة أمام خيارين خلال الأشهر الثمانية القادمة، حتى تباشر الإدارة الجديدة عملها، فإما أنها قادرة على الصمود بأقل الخسائر، أو يترتب عليها الإقرار بالهزيمة قبل حلولها عسى أن تحصل على مكاسب أفضل. على الأقل، هذا هو المنطق المعمول به عموماً على صعيد السياسة، وهو المنطق الذي يدخل في صلب السياسة والحرب بوصفهما إدارة للصراع واستبعاد الفائض منه الذي يعني خسارة مجانية. بل هذا أيضاً هو المنطق الذي يستخدمه كثر، منهم سوريون، لتحميل المعارضة مسؤولية الدماء التي أهرقها النظام جراء عدم احتسابها ميزان القوى. مشكلة المنطق العام السابق أنه لا يلحظ خصوصية النظام نفسه، وإن انتبه إلى وحشيته التي لا رادع لها، مع أن الوحشية غير المنضبطة نابعة أصلاً من انعدام المستوى السياسي له. القول بأن النظام أجاد إقامة تحالفات دولية لا يغير من ذلك شيئاً، فالتحالفات الدولية تعمل من أجل مصالحها أولاً، وهناك الكثير من الأنظمة العميلة عبر التاريخ، من دون احتساب عمالتها دليلاً على الدهاء السياسي. العبرة في السياسة هي الداخل، وقدرة النظام على ضبط صراعه مع المجتمع بحيث لا يصل حد الانفجار، وهذا ما يمكن الجزم بفشل النظام فيه، أسوة بديكتاتوريات أقل وطأة منه. لو كانت الخسارة ممكنة أمام هذا النظام لما وصلت الحال إلى ما صارت سوريا عليه، ولكان من طبيعة الأمور أن يبادر هو منذ البداية إلى مفاوضات جادة، لا أن يتهرب حتى من المفاوضات الدولية التي تهدف إلى خدمته والإبقاء عليه. لقد كان واضحاً منذ خمس سنوات أن تدمير البلد كاملاً أسهل عليه من أي إصلاح، وأولاً أسهل عليه من القبول بمبدأ المشاركة، مهما تواضعت مشاركة خصومه. المسألة هنا تماماً؛ الخسارة مستحيلة أمام هذا النظام، لأنه لا يفهم منطق الربح والخسارة، ولا يفهم حق الخاسر في الوجود، وهذا ما ينسحب على مجمل سلوكه منذ بدء الثورة. لا شيء تغير بعد ارتكاب جرائم الإبادة، ولم تظهر قوى عقلانية ضمن النظام تطيح نهجه المقتصر على الحل الوحشي، بل ما حدث هو إطاحة أولئك الأفراد الذين رفضوا الحل الأمني، أو حتى طالبوا بالدمج بينه وبين الحل السياسي. في حالتنا، الخسارة مستحيلة بمعنى أن تتولى جهة ما إعلانها، وكل ما يُشاع عن تأهيل النظام ليمتلك حد أدنى من السياسة لا معنى له، ولا يدلل في أحسن أحواله سوى على سوء فهم دولي، وفي أسوئها يدلل على فهم ورغبة دولية في فرض الاستسلام على الثورة. الاحتمال الأخير أقرب إلى الصواب، والتحايل الذي تمارسه إدارة أوباما، بخاصة في الأشهر الأخيرة، يدل على شيء واحد هو فرض بقاء بشار ونظامه بلا قيد أو شرط، لا محبة به طبعاً وإنما لكون بقائه يناسب نوع الترتيبات التي تريدها للمنطقة، الترتيبات التي تكمل الاتفاق النووي مع طهران. لن يكون مستبعداً، مع الزخم الأمريكي والروسي، سحق الفصائل العسكرية، وهذا يختلف عن المفهوم المعروف للخسارة، ولا يتطلب صك استسلام إلا من قبل راعيي بشار الدوليين، أما في الواقع فلن يكون النظام سوى ما كان عليه طوال الوقت، وسيترتب على الدول الإقليمية وأوروبا دفع الثمن. سيترتب عليها استيعاب المزيد من اللاجئين، والإقرار بتوطينهم لانعدام فرص العودة أمامهم. سيترتب على الجميع ابتلاع الثمن الباهظ لأنهم تواطأوا أو صدقوا كذبة الحل السياسي الذي يريده أوباما، وتواطأوا أو صدقوا قدرة النظام على أن يصبح سياسياً، ولا معنى للحديث عن أية خدعة أمريكية أو روسية. المحك سيكون الآن، فإما مواجهة أوباما بحزم مقابل، أو استعداد الجميع لدفع ثمن باهظ ومستدام.