on
Archived: د. عصام نعمان: نتنياهو وليبرمان… لضم الضفة أم لتقسيم سوريا؟
د. عصام نعمان: القدس العربي
أخفقت الأقمار الصناعية في كشف خفايا سقوط الطائرة المصرية في البحر. لكن أقمار الإعلام الصناعية والبشرية نجحت في كشف خفايا مبادرةٍ لـِ»سلم دافئ» مع إسرائيل، أطلقها الرئيس عبد الفتاح السيسي، كما نجحت في كشف مبادرةٍ رديفةٍ أطلقها توني بلير لتأهيل حكومة بنيامين نتنياهو لتتقبّل مبادرة السيسي والانخراط في مسارها.
كتّابٌ سياسيون ومعلّقون عسكريون في أجهزة الإعلام الإسرائيلية كشفوا أسرار المبادرتين وما رافقهما من مناورات وملابسات، لكنهم أخفقوا في الإجابة عن سؤالين أساسيين: مَا هي الجهة المسؤولة عن تفشيل ضم كتلة «المعسكر الصهيوني» إلى حكومة نتنياهو؟ وما الغاية الحقيقية التي توخاها نتنياهو من وراء محاولة نقل موشيه يعلون من وزارة الدفاع إلى وزارة الخارجية، ما حَمَله على الرفض والاستقالة من الحكومة والكنيست واعتزال السياسة، ومن ثم تعيين القيادي اليميني العنصري المتطرف أفيغدور ليبرمان مكانه وزيراً للدفاع بل، بالأحرى، للحرب؟
بحسب المراسل السياسي لصحيفة «هآرتس» الليبرالية باراك رابيد، ثمة جهات دولية عدّة، على رأسها رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير عملت في الكواليس لإقناع السيسي بإطلاق «مبادرته»، من ضمن خطة لتهيئة الأرضية اللازمة لضم اسحق هيرتسوغ، زعيم «المعسكر الصهيوني»، لحكومة نتنياهو، بغية تشجيع أحزاب إسرائيل للتوصل إلى اتفاق متكامل حول الحاجة للتقدم نحو السلام مع الفلسطينيين. بلير نسّق خطواته بهذا الشأن مع وزير الخارجية الامريكي جون كيري، الذي درس أمر تأجيل صدور بيان «الرباعية الدولية» المتوقع أن يحمل انتقادات شديدة لإسرائيل. وبعد زيارته الأخيرة للقاهرة، ذهب بلير إلى إسرائيل والتقى نتنياهو وهيرتسوغ، ونَشَط حتى داخل حزب العمل، أحد أطراف «المعسكر الصهيوني»، لتأمين التأييد اللازم لضمّ هيرتسوغ إلى حكومة نتنياهو. وحتى ظهر يوم الثلاثاء الماضي، كانت خطة بلير تسير بنجاح، إذ ألقى الرئيس المصري خطابه واطلق مبادرته المتفق عليها، وسارع هيرتسوغ ونتنياهو إلى مباركتها، لكن ذلك كله فشل بغتةً، لماذا؟
يقول المعلّق العسكري لصحيفة «يديعوت أحرونوت « أليكس فيشمان إن «الاتفاق بين رئاسة ديوان الحكومة الإسرائيلية ومقر الرئاسة المصرية تضمّن مبادرةً للرئيس المصري، محورها التوجّه علناً لاستئناف المفاوضات، على أن يسحب نتنياهو اعتراضه على المؤتمر الاقليمي لاستئناف المفاوضات، وبعدها يبدأ الطرفان بتنسيق المؤتمر (…) وقد سارت الخطة كالساعة السويسرية، إذ نشر نتنياهو وأبو مازن بيانات تأييد، كما هو مخطط. وعندها جاءت لدغة نتنياه و«…
لماذا أفشل نتنياهو خطة بلير؟
ثمة تفسيرات متعددة، هيرتسوغ قال إن المفاوضات فشلت لأن نتنياهو رفض أن يوثق خطياً أسس التفاهم بينهما حول المستوطنات والمفاوضات مع الفلسطينيين. أوساط نتنياهو قالت إن رئيس الحكومة الإسرائيلية فهم أن هيرتسوغ عاجز عن تمرير الخطة في»المعكسر الصهيوني». اتضح لاحقاً أن الاثنين على صواب. فصحيفة «هآرتس» (2016/5/19) حمّلت نتنياهو مسؤولية الفشل لأنه «يرفض باستمرار تقديم مواقف تفصيلية بشأن القضايا الجوهرية للتسوية السياسية: الحدود والمستوطنات، الترتيبات الأمنية، القدس واللاجئون». لكن صحيفة «معاريف» (2016/5/19) نسبت إلى هيرتسوغ اتهامه سلفه في زعامة حزب العمل وعضو كتلة «المعسكر الصهيوني» شيلي يحيموفيتش بتنظيم حملة شعواء أبعدته عن الانضمام للحكومة، ما ادّى إلى ضمّ ليبرمان إليها.
حتى لو لم ينضم ليبرمان إلى الحكومة، أو انضم إليها سواه، فإن ثمة قراءة أخرى لفشل صفقة نتنياهو ـ هيرتسوغ، جوهرها أن مساعي بلير ومبادرة السيسي وضم «المعسكر الصهيوني» إلى حكومة نتنياهو كمدخل لاستئناف المفاوضات… جميع هذه التحركات والمواقف التي تظاهر نتنياهو بالموافقة عليها، إن هي إلاّ مناورات مدروسة ومنفّذة بعناية، وإن الغاية الأساسية من ورائها إطلاق قنابل دخانية لتغطية مخططه الأساسي الرامي إلى احتواء «المبادرة السلمية» للرئيس الفرنسي فرنسوا أولاند، والقيام بعد ذلك باستغلال ما يسمّى «الوقت الضائع»، أي فترة انتقال السلطة من الرئيس باراك أوباما إلى خلفه الرئيس المنتخب في 8 نوفمبر المقبل، وهي فترة يتعذّر خلالها، غالباً، على الرئيس المنتهية ولايته اتخاذ قرارات حاسمة، لئلا يؤذي بها حظوظ حزبه الانتخابية. في المقابل، تتيح الفترة الانتقالية لنتنياهو وليبرمان اتخاذ قرارات سياسية واستراتيجية تتعلق بأحد أمرين:
الأول، التدخل في الحرب الدائرة في سوريا وعليها بقصد إضعاف الجيش السوري، تمهيداً لمحاولة إسقاط الرئيس بشار الأسد، وتأجيج العمليات العسكرية والمساعي السياسية الهادفة إلى تقسيم سوريا.
الثاني، ضمّ الضفة الغربية في فلسطين إلى إسرائيل مع إعطائها حكماً ذاتياً داخل الدولة اليهودية.
مخطط نتنياهو العدواني تلقّى في الآونة الاخيرة دعماً وتحريضاً من رئيس معهد أبحاث الأمن القومي الجنرال عاموس يادلين، الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية في الجيش الإسرائيلي، الذي دعا اخيراً في مقال نشرته صحيفة «يديعوت أحرونوت» تحت عنوان «يجب أن يرحل الأسد» إلى وضع استراتيجية عمل «متعددة الطبقات» ضمن تحالف إقليمي مع السعودية وتركيا والأردن ومصر، بالإضافة إلى شراكة مع الولايات المتحدة وبتفاهم سري مع روسيا، وبالاستناد إلى ما يعتبره تطوراً بازغاً، وهو أن «الدول السنيّة في الشرق الاوسط تجمعها بإسرائيل مصالح متداخلة في مواجهة المحور الراديكالي».
تردَدَ أيضاً أنه إذا ما تهيّب نتنياهو الإقدام على ما يدعوه اليه يادلين، كما غلاة زعماء اليمين والمستوطنين، فالأرجح انه لن يفوّت فرصة «الوقت الضائع» من اجل أن يضمّ، في الأقل، الكتل الاستيطانية الكبرى في الضفة الغربية إلى إسرائيل، كما فعل في الجولان بعد حرب1967.
لا سوريا ولا المقاومتان الفلسطينية واللبنانية ولا حلفاؤهم الإقليميون يمكنهم السكوت عن فعلتيّ نتنياهو المرتقبتين، فهل يواجهونه بتدبير استثنائي استباقي؟