Archived: عبد اللطيف التركي: 100 عام على (سايكس – بيكو).. (العالم العربي) من التقسيم إلى التفتيت و(عصر الدويلات)

عبد اللطيف التركي: التقرير

ماذا تبقى من اتفاقية “سايكس – بيكو” التي وقعت قبل 100 عام، والتي قسمت بمقتضاها المنطقة العربية بين كل من بريطانيا وفرنسا، حيث حصلت فرنسا على سوريا ولبنان ومنطقة الموصل في العراق، بينما ترك العراق وتحديدا بغداد والبصرة وجميع المناطق الواقعة بين الخليج العربي والمنطقة الفرنسية في سوريا لبريطانيا التي حصلت أيضا على السيطرة على فلسطين، وذلك بعد أن ثبّتت عصبة الأمم مضمون اتفاق “سايكس – بيكو” في إقرار مبدأ الانتداب.

الاتفاقية السرية

في 16 مايو/ أيار 1916، وقع الاتفاقية السرية الفرنسي جورج بيكو والبريطاني مارك سايكس، والآن بعد مئة عام على هذه الاتفاقية يعاد تقسيم الدول القومية إلى “دويلات” و”كانتونات”، وجامعة الدول العربية التي يبلغ تعداد دولها الآن 22 دولة، مرشح عدد منها للتقسيم، فصارت الولايات المتحدة وروسيا تتحدثان علانية عن “تقسيم سوريا”، وعودة “العراق الموحد” باتت أمرا مستحيلا، في ظل الطائفية والمذهبية، و”تنظيم الدولة” و”ميليشيا الحشد”، والتدخل الإيراني، وإعلان الأكراد في شمال العراق الاستقلال، وما يحدث في اليمن وليبيا، وما يخطط لدول عربية أخرى، سيأتي عليها الدور، يعيد بنا إلى ذاكرة التقسيم، و”سايكس – بيكو”.

“سايكس – بيكو” ماتت

“مسعود بارزاني”، رئيس الإقليم الكردي في العراق، دعا الحكومة المركزية في بغداد، إلى إجراء “حوار جدي” من أجل إيجاد حلول للمسائل العالقة بين الطرفين، مشيرا إلى أن “اتفاقية سايكس بيكو ماتت ونحن من نقرر مصيرنا”، جاء ذلك في رسالة مفتوحة، نُشرت في بيان لرئاسة الإقليم الكردي، بمناسبة مرور 100 عام على توقيع اتفاقية “سايكس بيكو”، بين بريطانيا وفرنسا.

أساس الشراكة

“بارزاني”، قال في رسالته، إن “اتفاقية سايكس بيكو ماتت، ونحن من نقرر مصيرنا، فإما أن نبقى على الشراكة مع العراق، أو أن نكون جيرانا جيدين”، وتابع قائلا “أدت هذه الاتفاقية بعد الحرب العالمية الأولى إلى تفتيت المنطقة، دون أخذ رغبة السكان والطبيعة الديموغرافية للمنطقة بنظر الاعتبار، وظُلمت شعوب المنطقة، خاصة شعب كردستان كثيراً”، وأضاف: “كانت نتيجة هذا الاتفاق مأساوية على شعب كردستان في إطار الدولة العراقية بالمقام الأول، ففي الدولة التي شكلت على أساس الشراكة بين القوميتين الرئيسيتين وهي الكردية والعربية، تم تجاهل الشراكة، وتمت إيقاع أكبر مأساة وظلم وإجحاف على شعب كردستان، من قبل الحكومة والأنظمة العراقية المتلاحقة”.

الديمقراطية والفيدرالية

وقال “بارزاني” إن “شعب كردستان بذل كل ما لديه من أجل بناء العراق على أساس الشراكة والديمقراطية والفيدرالية، وللعمل على تحسين الوضع في العراق وكتابة الدستور، لإرساء الشراكة والتوافق، لكن في الواقع لم يتم العمل بالدستور، وتهربت الحكومة العراقية من الالتزامات، وانتهكت الشراكة، وقطعت قوت شعب كردستان”، وأضاف “عمليا العراق مقسم الآن، والطائفية هي من تشكل خطوط هذا التقسيم، لقد خرق تنظيم “داعش” الحدود، وأنشأ حدودا أخرى جديدة في العراق وسوريا، والكثير من البلدان الأخرى، وشعب كردستان غير مسؤول بأي شكل من الأشكال عن الوضع الحالي في العراق”.

السياسات الخاطئة

استطرد “بارزاني” قائلا: “المسؤولية عن هذا الوضع تقع على كاهل من قسموا المنطقة، قبل 100 سنة من الآن، وكذلك على السياسات الخاطئة لحكام المنطقة وبغداد الذين حاولوا إرساء الاستقرار بقوة السلاح والقهر، ولم ينجحوا في ذلك”، وأوضح بارزاني: “يجب أن نعترف بالواقع الحالي أن مفهوم المواطنة لم يتحقق ولم يعد للحدود والسيادة معنى، وأن اتفاقية سايكس بيكو انتهت، لذا يجب على الدول والمجتمع الدولي، بدلا من الدفاع عن استمرار معاناة شعب العراق كمسؤولية تاريخية أن تفكر في حل واقعي وحقيقي للعراق والمنطقة، وإلا فستستمر الحروب والتطرف والمآسي، والمخاطر على السلم والأمن الدوليين”.

استفتاء من أجل الاستقلال

“مسعود بارزاني” قال: “يجب على الإقليم أن يجري استفتاءً غير ملزم على الاستقلال”، مشيرا إلى أن “الوقت حان للشعب الكردي لكي يتخذ قرارا حول تحديد مصيره من خلال استفتاء”، ودعا المجلس الرئاسي للحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي يتزعمه بارزاني، إلى ضرورة إجراء “استفتاء من أجل الاستقلال”.

التفاهم السري

اتفاقية سايكس بيكو، كانت تفاهمًا سريًا بين فرنسا والمملكة المتحدة، بمصادقة من الإمبراطورية الروسية على اقتسام منطقة الهلال الخصيب، بين فرنسا وبريطانيا لتحديد مناطق النفوذ في غرب آسيا بعد تهاوي الدولة العثمانية، المسيطرة على هذه المنطقة، في الحرب العالمية الأولى، وتم الوصول إلى هذه الاتفاقية بين نوفمبر من عام 1915 ومايو من عام 1916، بمفاوضات سرية بين الدبلوماسي الفرنسي فرانسوا جورج بيكو والبريطاني مارك سايكس، وكانت على صورة تبادل وثائق تفاهم بين وزارات خارجية فرنسا وبريطانيا وروسيا القيصرية آنذاك، وتم الكشف عن الاتفاق بوصول الشيوعيين إلى سدة الحكم في روسيا عام 1917، مما أثار الشعوب التي تمسها الاتفاقية وأحرج فرنسا وبريطانيا وكانت ردة الفعل الشعبية-الرسمية العربية المباشرة قد ظهرت في مراسلات حسين مكماهون.

تقسيم منطقة الهلال الخصيب

وبموجب “سايكس بيكو”، تم تقسيم منطقة الهلال الخصيب، وحصلت فرنسا على الجزء الأكبر من الجناح الغربي من الهلال (سوريا ولبنان)، ومنطقة الموصل في العراق، أما بريطانيا فامتدت مناطق سيطرتها من طرف بلاد الشام الجنوبي متوسعة بالاتجاه شرقا لتضم بغداد والبصرة وجميع المناطق الواقعة بين الخليج العربي، والمنطقة الفرنسية في سوريا، كما تقرر أن تقع فلسطين تحت إدارة دولية يتم الاتفاق عليها بالتشاور بين بريطانيا وفرنسا وروسيا، ولكن الاتفاق نص على منح بريطانيا ميناءي حيفا وعكا على أن يكون لفرنسا حرية استخدام ميناء حيفا، ومنحت فرنسا لبريطانيا بالمقابل استخدام ميناء الإسكندرونة الذي كان سيقع في حوزتها.

كتاب تشرشل الأبيض

وبعد كشف الاتفاقية ووعد بلفور، صدر كتاب تشرشل الأبيض سنة 1922 ليوضح بلهجة مخففة أغراض السيطرة البريطانية على فلسطين، إلا أن محتوى اتفاقية “سايكس-بيكو” تم التأكيد عليه مجددا في مؤتمر سان ريمو عام 1920، بعدها أقر مجلس عصبة الأمم وثائق الانتداب على المناطق المعنية في 24 حزيران 1922، لإرضاء “أتاتورك”، واستكمالاً لمخطط تقسيم وإضعاف سوريا، وعقدت في 1923 اتفاقية جديدة عرفت باسم معاهدة لوزان لتعديل الحدود التي أقرت في معاهدة سيفر، بموجب معاهدة لوزان التنازل عن الأقاليم السورية الشمالية لتركيا الأتاتوركية إضافة إلى بعض المناطق التي كانت قد أعطيت لليونان في المعاهدة السابقة، وقسمت هذه الاتفاقية وما تبعها سوريا الكبرى أو المشرق العربي إلى دول وكيانات سياسية كرست الحدود المرسومة بموجب هذه الاتفاقية والاتفاقيات الناجمة عنها.

مرحلة جديدة

باحثون أتراك أكدوا في الذكرى المئوية لاتفاقية سايكس- بيكو أن منطقة الشرق الأوسط تنجر لعملية تقسيم المقسم، دون إيلاء أي أهمية لإرادة شعوب المنطقة، ورأى البروفيسور، “طيار آري”، المحاضر في قسم العلاقات الدولية بكلية الاقتصاد والعلوم الإدارية في جامعة “أولوداغ” التركية، أن المنطقة دُفعت إلى مرحلة جديدة تستهدف تقسيمها إلى أجزاء أصغر دون الاهتمام بإرادة شعوب المنطقة، مشيرا إلى أن التطورات الراهنة في المنطقة تدفع للتساؤل “هل هذا يمهد الطريق لتحديث الاتفاقية؟”.

الهويات الإثنية الصغيرة

“طيار آري” أشار إلى وجود احتمالات لتعرض أراضي الدولة العثمانية التي انقسمت إلى دويلات صغيرة إلى تجزئة جديدة قائمة على الهويات الإثنية الصغيرة، لافتاً إلى أن الموقف المتناقض للولايات المتحدة الأمريكية بخصوص مكافحة تنظيم “ب ي د”( الذراع السوري لبي كا كا الإرهابية) خصوصاً، ووجهات نظرها حيال تركيا تعد انعكاسا جليا لتلك الاحتمالات، وقال “يمكننا التعليق على عدم وجود حل للمشكلة السورية، والتلميحات إلى إمكانية تقسيم سوريا حسب خطة أمريكية بديلة، بأنه إفصاح عن النوايا الخفية”، مؤكدا أنه ينظر بعين الريبة إلى عدم القيام بأي شيء بخصوص الأزمة السورية وإطالة أمدها.

الأطراف المتصارعة

وأكد “طيار آري” إمكانية الحيلولة دون تفاقم الأزمة السورية لو كانت هناك إرادة جادة لدى الأطراف الدولية الفاعلة، مضيفاً “لكن كأن هناك رغبة بخلق مناخ من أجل إنهاك الأطراف المتصارعة واللجوء إلى التقسيم، من خلال ترك الأمور تأخذ مجراها الطبيعي دون تدخل، وفي هذا الإطار فإن التقسيم سيزيد النزاع بين بلدان المنطقة”، وقال إن تقسيم المنطقة إلى دويلات صغيرة قائمة على الهويات الضيقة، سيفتح الطريق أمام حالة من عدم الاستقرار المستمرة داخلها، مستشهدا بالوضع في العراق حاليا، معتبرا أن “السبب وراء وصول العلاقات بين تركيا وإيران إلى هذه النقطة المزعجة كامن في علاقات إيران مع العناصر الشيعية في المنطقة”.

استراتيجية لخلق مناطق نفوذ

رئيس جمعية دراسات الشرق الأوسط وإفريقيا، عضو الهيئة التدريسية بجامعة وقف السلطان محمد الفاتح، “زكريا قورشون”، قال إن اتفاقية “سايكس بيكو” هي استراتيجية لخلق مناطق نفوذ لكل من بريطانيا وفرنسا، وليست ترسيم حدود فقط، وقائمة على مشروع يعود لـ300 عام، لافتا إلى أن يومنا الحالي يشهد استمرارا لجهود تشكيل نفوذ مماثل، مبينا أن الاتفاقية شكلت نقطة تحول للشرق الأوسط، بينما أوضح البروفيسور “محمد جليك”، رئيس جامعة “أنقا” التقنية، أن “سايكس بيكو” تعد اتفاقية سرية لتقاسم الشرق الأوسط بين البريطانيين والفرنسيين، مبينا أنهما (بريطانيا وفرنسا) موجودتين في المنطقة مجدداً الآن لنفس الغاية، قائلاً “لكن هذه المرة يتوجهون نحو صيغة جديدة، فالولايات المتحدة وإسرائيل وروسيا وإيران موجودة فيها”.

أكثر الأراضي الخصبة

“جليك” قال إنه سيجري منح هضبة الجولان التي تعد من أكثر الأراضي الخصبة والوفيرة بالمياه في الشرق الأوسط، إلى إسرائيل، وأضاف أن الولايات المتحدة تهيئ ممرا ممتدا من الموصل في العراق وحتى ميناء اللاذقية في سوريا على الحدود الجنوبية لتركيا، “سيتولى الأكراد حراسة الممر”.