Archived: كامل عباس: هيلاري كلينتون وخياراتها الصعبة.. سوريا المعضلة الشريرة (2)

كامل عباس: كلنا شركاء

      (2)

تتجسد مقولة القرية الكونية الواحدة في سماء سوريا وأرضها هذه الأيام, ولذلك أحببت أن أستعرض مفاهيم  الكاتبة عن العولمة قبل التحدث عن مفاهيمها حيال الوضع السوري لأن الوضعان مترابطان فيها الآن

جاء في الصفحة 537 ما يلي :( في عام 1999 طرحت بعضا من هذه الأسئلة في خطاب ألقيته في جامعة السوربون عنوانه – العولمة في الألفية المقبلة – هل تقود زيادة الاعتماد الاقتصادي المتبادل الى نمو واستقرار وابتكار أكبر ؟ أم انه يؤدي فحسب الى سباق نحو القعر في السلم الاقتصادي بالنسبة الى مليارات الأشخاص؟هل يساعد على زيادة الفرص لجميع المواطنين ؟ أم يكافئ فحسب المحظوظين أساسا بيننا لامتلاكهم مهارات تمكنهم من الولوج الى عصر المعلوماتية, واقترحت أن الوقت حان لمعالجة آثار الرأسمالية العالمية الجامحة الأكثر ضررا,  وإضفاء الطابع الانساني على الاقتصاد الدولي عبر منح العمال أينما كانوا حصة في نجاحه وإعدادهم لجني مكافآته … ) وهي تجيب على أسئلتها كدعاية انتخابية وكأن شيئا من آثار تلك المعالجة الايجابية تّم  بعد أن أصبحت وزيرة خارجية ص 544( تزامن وجودي في وزارة الخارجية الأمريكية مع قفزة نوعية الى الطبقة الوسطى , لكنه حدث شهدته بلدان أخرى وتمّثل بارتقاء ملايين العمال من حالة الفقر للمرة الأولى , كانت التقديرات مذهلة ويتوقع أن يتضاعف حجم الطبقة الوسطى في العالم بحلول عام 2035 ليصل الى خمس مليارات )

تكتمل الدعاية الانتخابية بهذه الكلمات عن الطبقة الوسطى في نفس الصفحة

( تميل الطبقة الوسطى في العالم الى مشاركتنا قيمنا ويريد الأشخاص أينما كانوا على وجه الأرض الشيء عينه من الحياة : صحة جيدة ومجتمع آمن وعمل شريف, عندما يتمكن الناس من الارتقاء الى الطبقة الوسطى يميلون الى المطالبة بنظام حكم مسؤول وبتعلم أفضل وبرعاية صحية أهم وبيئة نظيفة. وتشكل الطبقة الوسطى العالمية جمهورا انتخابيا بديهيا بالنسبة لأمريكا ومن مصلحتنا ان نراها تتوسع لتشمل أعداد أكبر, ومن واجبنا كذلك أن نفعل كل ما يمكن لانتشار الطبقة الوسطى في أمريكا والعالم . ).

مضحك مبكٍ هذا الكلام في الوقت نفسه , تكتمل المأساة عندما تتحدث الكاتبة في صفحات طوال عن القيم الأمريكية, وسياسة أمريكا التي توازن بين المصالح والقيم ص600 ( يأتي التمسك بالقيم العالمية وبحقوق الانسان في قلب معنى أن يكون المرء أمريكيا ).

ولكن ماذا تقول الحقائق والقيم في العصر العولمي بقيادة أمريكا وخاصة حول أجور العمال والفقر والطبقة الوسطى .

مع كل أسف إنّ راقصة تهز بطنها في احد المواخير المنتشرة في كل دول العالم –  وخاصة التي تأخذ بالقيم الأمريكية –  يوازي دخلها في يوم واحد ما يزيد عن دخل عامل في سنة , أحيل الكاتبة لى كتاب المفكر والمنظر والاقتصادي الفرنسي توماس بيكيتي – راسمالية القرن الواحد والعشرين –  الصادر عام 2014 والذي رأى فيه أن التكنولوجيا والعولمة رفعتا مستوى الدخول لدى كبار الأغنياء وإنهم المستفيدون الحقيقيون منها وخاصة كبار المديرين في صناعة المال والبنوك والائتمان فقد استغلوا السوق والدعم الحكومي الضمني والفجوات الضريبية من أجل تضخيم رواتبهم وعلاواتهم والنتيجة كانت أن أقل من 1% من سكان العالم يمتلكون 41% من الثروات في حين أن 69% من السكان يمتلكون 3/% من اجمالي الثروات .

قال قبله كاتب أمريكي هو خبير اقتصادي اسمه جيفري ساكس   عمل في هيئة الأمم المتحدة عشرون عاما وزار كل دول العالم وحاول جاهدا أن يعمل من أجل تخفيف الفقر كلاما مشابها في كتاب حمل عنوان – نهاية الفقر – ترجم الى العربية عام 2007 قبل ان تصبح كلينتون وزيرة خارجية بعام واحد ومترجمه هو احمد امين الجمل وقد صدر في مصر.  جاء فيه ص 352

( ان مجموع دخل كل من بوستوانا ونيجيريا والسنغال واوغندة بلغ 57 مليار دولار في عام 200 كان هو دخل 161 مليون شخص بمتوسط 350 دولارا للفرد في العام في حين ان 69 مليار دولار كان دخل اربعمائة شخص في الولايات المتحدة ) .

ص410

( ان الدعوات المحافظة الجديدة باقامة أمبراطورية الولايات المتحدة هي احلام خيالية , ولكنها خطيرة جدا . انها تسيء فهم شيئين أساسيين عن عالمنا , اولا أن الولايات المتحدة لا تمثل أكثر من 4,5%من سكان العالم وحوالي 20% من دخله عند قياسه على أساس القوة الشرائية )

كما ورد في  تقرير صدر عن مركز الأمم المتحدة عام 2001 عن حالة مدن العالم ما يلي ( لقد دخل العالم انطلاقا من السبعينات في طور من العولمة يهدف الى فك تنظيمات الأسواق العالمية وخصخصة الوظائف الحكومية وتحرير المالية, وكان مفترضا باللبرالية المالية ان تنقل مدخرات البلدان المتقدمة الى البلدان النامية,وان تزيد النمو الاقتصادي , لكن ما حصل بالفعل هو العكس الى حد بعيد فالمدخرات انتقلت من البلدان الفقيرة الى البلدان الغنية, وزادت معدلات الفائدة عموما  وتنامت المخاطر كما تباطأ النمو الاقتصادي في العالم بأسره بالنسبة للغالبية الكبرى من البلدان الغنية والفقيرة ).

على الضد ما تتحدثين ياسيدتي فان آثار الراسمالية الجامحة أصبحت أكثر ضررا بكثير الآن بسبب السياسات الخاطئة التي اتبعتها ادارتك وكانت تتمة للسياسات السابقة والتي لم تحسب حسابا ابدا لما ينتج عن ذلك الانقسام المريع في توزيع الثروة من ارهاب على المستوى العالمي , والذي بدأت أثاره قبل أحداث أيلول بداية هذا القرن واتهم بها أبناء الشرق الأوسط الاسلاميين . لقد جرت محاولتان  سبقتا محاولة اسامة بن لادن ورفاقه في اختراع أساليب جديدة للارهاب لاتخطر ببال وكلها ذات ميل الى القتل الجماعي داخل تلك البلدان الأكثر تطورا من الناحية الرأسمالية .

تلك السياسة المنحازة الى أصحاب الجاه والمال والثروة على حساب الفقراء   دمّرت الطبقة الوسطى عكس مما تتوهمين وأوصلتنا الى ارهاب هؤلاء ومن بعدهم بن لادن ومن ثم داعش الحالي الذي يحاول العالم بقيادتكم للقضاء عليه بنفس الصورة السابقة , لتكون النتيجة دواعش جديدة اشد وأدهى ,

مضحك مبك معا اكثر ان تحدثنا الكاتبة عن التوازن في السياسة الأمريكية بين المصالح والقيم وخاصة في الفترة التي كانت فيها وزيرة خارجية . كل الرؤساء الأمريكيون باستثناء الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت لم يوازنوا بين المصالح والقيم وانحازوا الى المصالح الامريكية على حساب القيم العالمية . نعم حاول الرئيس الأمريكي فراكلين روزفلت الجمع بين القيم العالمية والمصالح الأمريكية وخطابه المشهور باسم خطاب الحريات الأربع الذي ألقاه في شباط عام 1941 خير شاهد على ذلك الذي انهاه كما يلي ( وهذه ليست رؤيا لزمن مفرط في البعد , انها قاعدة دقيقة لنوع من العالم يمكن بلوغه في عصرنا ويمكن ان يبلغه جيلنا نحن بالذات , هذا النوع من العالم هو نقيض النظام الجديد المزعوم الاستبدادي الذي يسعى لخلقه الفطغاة بواسطة قنابلهم ), ولم يكن خطابه لذر الرماد في العيون – كما فعل أوباما –  بل اتبع سياسة تنسجم مع أقواله  وخاصة مع دول الجوار  .

  تفاءل نشطاء حقوق الانسان بان تكون سياسة أوباما استمرارا لسياسة ذلك الرئيس ,ولكنه غلّب المصالح على القيم في سياسته لدرجة ان كثيرا من المنظمات الحقوقية وتحديدا السورية والايرانية تفكر جديا مستقبلا في مقاضاته أمام المحاكم الدولية لعدم التزامه بحقوق الانسان العالمي .

.جاء في مقدمة الدستور التي أقرته الجمعية العامة عام 1948

المادة 1.

المادة 2.

لكل إنسان حق التمتع بكافة الحقوق والحريات الواردة في هذا الإعلان، دون أي تمييز، كالتمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي .

تخرق الدولة الدينية الايرانية الحالية اميثاق التي  وقعت  في هيئة المم المتحدة وتحرم أي مرشح غير شيعي من حق الترشح لرئاسة الجمهورية الايرانية , وبدلا من أن يعاقب العالم هذه الدولة التي تعود بنا الى القرون الوسطى يحاول أوباما التغطية عليها وتأهيلها وإعطاءها دورا جديدا في الشرق الأوسط , بدأ ذلك منذ أن  بعث  في عيد النيروز رسالة تحيي الأمة الايرانية قيادة وشعبا , والبقية معروفة وخاصة لنا نحن السورين .

تلك السياسة المنحازة للمصالح على حساب القيم العالمية نلحظ أثارها الآن في قلب امريكا  حيث لا نرى وعيا انتخابيا من الطبقة الوسطى كما تتوهمين  , بل ضياعا يجعل من ملياردير ومهرج يحصد أغلب اصوات الأمريكيين. وهو ما يجعل وصولك الى سدة الرئاسة أمرا ليس سهلا .

……………

بناء على هذه المقدمة سأدخل معك في سجال حول المعضلة الشريرة .

سّررت  جدا كناشط  سوري  أن تولي القضية السورية اهتماما لابأس به في مذكراتك وأن تخصيها بفصل كامل حمل العنوان التالي – سوريا المعضلة الشريرة – وسرتني تلك البداية في الفصل بهذه الكلمات ( التاريخ قاص ماكر وسيحاكمنا جميعا في قسوة اذا ثبت اننا عاجزون اليوم عن السير على الدرب الطويل ) أعجبت بحديثك مع كوفي انان قبل قمة جنيف ص 473   ( ألححت على كوفي انان قبل انطلاق القمة بيوم واحد بعدم التنازل عن المبادئ التي اقترحها والتي تدور حول تكاثف المجتمع الدولي ومن ضمنه روسيا والصين من أجل انهاء حمام الدم وتطبيق خطة البنود وتجنب زيادة عسكرة الصراع ودفع سوريا في اتجاه سياسة انتقالية تؤسس لمستقبل ديمقراطي في سوريا . هذا أمر مقدس بالنسبة لي ) ولكن ما أزعجني في الفصل هو تشتتك في ثنايا المقال , مرة تتحدثين عن ازمة وحرب أهلية , ومرة عن ثورة .

ياسيدتي الكريمة أنا شخصيا لست مع الثورات , الثورة بالنسبة لي هدم وبناء , يتفوق عليها طريق الاصلاح فهو بناء على البناء , لكن الثورات عبر التاريخ لم تحدث الا بسب إصرار الحكام على عدم الاستجابة لما يتطلبه التطور من اصلاح فيتم الانفجار . لقد حاولنا في اعلان دمشق تجنب الانفجار وطالبنا بانتقال هادئ وسلمي وتدريجي نحو دولة القانون , ولكن حماقة حكومتنا أوصلت الوضع الى الانفجار كما وصفت أنت الوضع تماما قبل وبعد الانفجار  .

لم يعجبني قولك  ص 467 (ينتمي الأسد وزمرته الحاكمة الى الطائفة العلوية وهي مذهب متفرع من الطائفة الشيعية وشديد الانحياز الى ايران وقد حكم اهل السنة الذين يشكلون الغالبية في سوريا عقودا .. )

هذا الفهم غير دقيق وفيه ظلم كبير للطائفة العلوية , تتحمل المعارضة السورية عدم افهامك حقيقة الوضع الحالي, وكان من المفروض ان يوصلوا لك رؤية لجنة اعلان دمشق في اللاذقية عن العلويين واللجنة كلها من منبت علوي –  التوظيف السياسي للعلويين وأي مستقبل ينتظرهم ؟-  لتفهمي ما يجري في سوريا بعيدا عن تلك الرؤيا الطائفية التي تصب الزيت على النار , أثبت منها هنا فقرة واحدة تفي بالغرض  

(العلويون وحزب البعث :

لا تختلف مسيرة حزب البعث في السلطة عن مسيرة كل أحزاب المعسكر الاشتراكي وحركات التحرر, جميعها اعتمدت الانقلاب في الوصول الى السلطة بالاستناد الى مصلحة الطبقات الشعبية وليس الى وعيها ’ بل اكتفت بوعي نخبة المجتمع المتفهم للانقلاب لصالح التقدم,  ومن هنا التقت مع النخبة في المجتمع واعتمدت عليها كأقلية بوجه الأكثرية , ومن خلال السلطة كان لها مسار عام واحد فيه صعود بداية الأمر انتهى الى الهبوط بسبب إفساد السلطة لرموز تلك الأحزاب وغياب الديمقراطية . ان اعتماد تلك الأحزاب على النخبة  جعلها بالنهاية تواجه أكثرية المجتمع .

ثلاثة عوامل رئيسية أدت بأبناء الطائفة العلوية للانتساب الى حزب البعث وغيره من الأحزاب اليسارية .

أبعدَ حزب البعث شركاؤه في “الثورة”بين آذار وتموز 1963 واستفرد في السلطة وأصدر جملة قرارات قطعت التطور الاقتصادي اللبرالي كالاصلاح الزراعي والتأميم وحتى انقلاب عام 1970 لم تكن السلطة مصدرا للثروة ولم يعرف عنهم بشكل عام تفشي ظاهرة الفساد وجمع المال. وبعد ان تخلص حافظ الأسد من رفاقه ومنافسيه في انقلاب عام 1970أصبح همه الحفاظ على السلطة مهما كان الثمن وقد ظهر ذلك في سياسته الداخلية والاقلمية والدولية فتحولت سوريا في عهده الى بقرة حلوب لأهل النظام  , ومن أجل استقرار السلطة بين يديه لم يتورع عن تدمير خصومه والمختلفين معه . وظّف الأيديولوجيا والدين والطائفية لاستقراره واستمراره في السلطة,  وكان من الطبيعي أن يعتمد على حاضنته الأهلية ومن هنا جاء توظيفه السياسي للطائفة العلوية, فأعادها الى عشائرها الأولى ووزع المناصب والمواقع الأمنية بينها مستغلا فقرها الاقتصادي وبحث أبناءها عن مصدر رزق, خاصة ان مناطق الجبال لم تكن قادرة على توفير الكفاف لأبنائها , ترافق ذلك مع تشكيلات عسكرية طائفية البنية مثل الحرس الجمهوري وسرايا الدفاع وسرايا الصراع وإطلاق يدها في المس برقاب البشر والاقتصاد, وتم الاستيلاء على مناطق محيطة بالعاصمة سواء كانت مشاعية أو أملاك دولة أو لسكان ريف دمشق مثل عش الورور وحي الورود والمزة 86 والسومرية …الخ لتقوم فيها كتل اسمنتية عشوائية معزولة تضم فئات لم تستطع ان تتمدن وحافظت على بنيتها الريفية المتخلفة, فكانت تلك العسكرة مصيبة حلت بأبناء الطائفة . ان دخول أبناء الطائفة الى الجيش كغيرهم ليس حبا بالجيش او آل الأسد , بل كان مصدر رزق وعمل من لا عمل له, في وقت أحجم غالبية سكان المدن عن الانخراط في الجيش لتوفر المهن على عكس الريف الذي يفتقر الى المهنة والتجارة وتقاليدها .

لقد تحّول الجيش لأبناء الطائفة من مصدر عيش الى مصدر ثروة , ففي كل قرية قامت امارة اقطاعية عسكرية وقصور وخدم مارس فيها الضباط السطوة والعبودية على أبناء جلدتهم وتحولوا الى شركاء في دورة الاقتصاد والمال وإعادة توزيع الثروة الوطنية, خاصة بعد أن افرغ الأسد الأب البعث من دوره السياسي وحّول السلطة الى سلطة أمنية مرتبطة مباشرة به وبعائلته, مما جعل الطائفة حطبا ووقودا في محرك السلطة وضرورة لاستمرارها وخدمتها للأسد الابن بعد توريثه السلطة.

كانت تلك المرحلة وبالا على الطائفة بسبب سياسة الأسد الأب والابن تحّولت فيها من نسيج اجتماعي سوري يحوي الكثير من قيم التحرر والتضامن والتعاضد والتسامح والانفتاح على الآخر الذي يسير ضمن الاتجاه الايجابي لحركة التاريخ , لتصل الى الزمن الحالي الذي اصبحت فيه أسيرة ومعادلا عاما عفوية عن انتهازية عصرنا ولهاثه وراء المال على حساب القيم والوطن .  وهكذا عندما جاءت الثورة السورية , لم يكن في هذه الطائفة أي قيم تمجد الثورات والتضحية , كانت قيمها هو الحفاظ على مكاسبها الجديدة فاستمات رموزها بالدفاع عن مصالحهم وامتيازاتهم السلطوية الكريهة.)

اصل الأن الى العقدة التي تسمينها المعضلة  ص 478

( بدأت أطلق على سوريا صفة المعضلة الشريرة , وهي عبارة يلجأ اليها خبراء التخطيط لوصف التحديات المستعصية والمربكة على صعيد الحلول والمقاربات النموذجية , فنادرا ما نجد الجواب المناسب للمعضلات الشريرة , اذ ينتج جزء من تعقيداتها عن ان كل خيار في شأنها يكون أسوأ من غيره , هذا ما بدت عليه سوريا في شكل تصاعدي.  اذا لم نحرك ساكنا فسنجازف بفتح صندوق باندورا ونقع في مستنقع آخر على شاكلة ما حدث في العراق , واذا أيدنا الثوار بالمساعدة فستؤول الى يد المتطرفين , اما اذا تابعنا دبلوماسيا فسنصطدم بالنقض الروسي, لم يوح أي من هذه المقاربات بالنجاح , لكنها تبقى مطروحة . ).

نعم ياسيدتي تحولت سوريا الى معضلة بفضل سياسة المجتمع الدولي المنحازة الى جانب النظام وليس الى جانب الشعب , كل الدول الاقليمية تدّخلت في القضية السورية من أجل مصالح خاصة بها وليس من أجل مساعدة الشعب السوري, وكلهم ساهموا بقصد او من غير قصد ليظهروا ان ما يجري في سوريا حرب أهلية أو صراع طائفي, فلا القيصر ولا المرشد ولا السلطان لهم مصلحة بثورة تصبح بؤرة اشعاع في المنطقة.

أما الدول العالمية فانحيازها واضح الى جانب النظام وليس الى جانب الشعب فهو يحقق مصالحهم في المنطقة ولذلك يريدون ان تنتهي الأمور في سوريا الى وضع لايكون فيه  غالب أو مغلوب وتعود الأمور كما كانت في السابق , يضغطون في جنيف على وفد المعارضة لأنه يلتزم بثوابت خرج من أجلها الشعب السوري أكثر مما يضغطون على نظام يمنع ادخال علبة حليب الى داريا !!

ساهم  رئيسك ياسيدتي في تحويل القضية السورية الى معضلة شريرة , سأتناول منها هنا جانب واحد وهو جانب التناغم بين السياسة الأمريكية والسياسة الروسية من اجل القضاء على الثورة .

ما أعجبني في مذكراتك هو فهمك للقيادة الروسية وكرهك الشخصي لرئيسها المصاب بجنون العظمة وهذه بعض أقوالك عنه :

ص 225 ( تقوم العلاقات بين الدول على المصالح المشتركة والقيم , ولكن أيضا على شخصيات المسؤولين , يهم العنصر الشخصي في العلاقات الدولية أكثر مما يعتقد البعض )

ص 244 ( أثبت بوتي مع الزمن أنه رقيق الجلد ومستبد يمتعض من النقد )

ص2445 (سمح بوتين بأن تتركز الثروة في أيدي القلة المترابطة سياسيا بدلا من توظيفها على نطاق واسع في مقدرات الشعب الروسي )

ص 257 ( أمضيت ساعات طوال أآعوام أفكر في طرائق تساعدني على فهم بوتين )

ص259 (القوة والعزم يشكلان اللغة الوحيدة التي يفهمها بوتين )

ص 260 ( تبقى روسيا اليوم تحت حكم بوتين مجمدة بين ماض لا تستطيع التخلي عنه ومستقبل لا تدرك اعتناقه ليلتئم شملها ) ,

ولكن رئيسك الحالي يبدو معجبا بالقيادة الروسية واستعمالها للقوة بمقدار إعجابك بالقيادة الصينية وغزوها العالم عبر الاقتصاد وليس عبر القوة  ولذلك قرر ان يتعاون مع بوتين ويستفيد من قوته وعسكره في محاربة الارهاب والقضاء على الثورة السورية .

الخلاصة ياسيتي : ان مأساة الثورة السورية في كونها جاءت في لحظة تاريخية تشهد انتقالا من نظام عالمي الى نظام آخر , لكن  طبيعة الانتقال مختلفة هذه المرة,  لقد شهد المجتمع الدولي أول انتقال كبير في التاريخ بعد الحرب العالمية الأولى وكان خطوة كبيرة الى الأمام خطاها الجنس البشري  تمثلت بظهور عصبة الأمم على المسرح الدولي  وجاء الانتقال الثاني بعد الحرب العالمية الثانية بنفس الروح لنشهد ولادة هيئة الأمم المتحدة الحالية .

ولد نظام عالمي جديد بعد انتهاء الحرب الباردة ’ لكن صيرورته مختلفة عما سبقه, فهو  لم يكتمل بعد والصراع داخله على أشده. حتى الأن  . ان نظام العولمة تتصارع فيه وعليه قوى متعددة أسوأ ما فيها انبعاث امبراطوري يعود للقرون الوسطى ويحاول شد التاريخ الى الوراء معتمدا على القوة العارية , في حين تتطلب الحضارة والثقافة درجة جديدة من الاعتماد على التوازن بين المصالح والقيم , وبين القانون والقوة .

اذا دخلت البيت الأبيض وأصبحت رئيسة أكبر دولة في العالم وحاولتِ ترجمة وعودك الانتخابية الى أقوال , فتواجهين خيارات صعبة فعلا . منها خيار تشكيل مجلس أمن جديد منسجم مع العولمة ولا فيتو فيه لدولة مارقة مثل روسيا , ومنها ايضا خيار البحث عن تجفيف منابع الارهاب بطرق غير طرق الاعتماد على الطائرات بدون طيار ومنها ايضا المعضلة السورية .

من اين ستبدأين ؟

يهمني هنا بلدي سوريا لأطمئنك ان أي حل لمعضلتها لا يدعم ثورة شعبها ويوصلنا الى نظام سياسي جديد تتشكل فيه دولة مدنية تقوم ديمقراطيتها على المواطنة وليس المحاصصة كما تريد ادارتك الحالية فان النار ستبقى كامنة تحت الرماد .

( يتبع )

كامل عباس- اللاذقية

اقرأ:

كامل عباس: هيلاري كلينتون وخياراتها الصعبة