on
Archived: د. حبيب حداد: غياب الدكتور كلوفيس مقصود في ظلماء المِحنة
د. حبيب حداد: كلنا شركاء
رحل أمس المفكر والمناضل والدبلوماسي العربي الكبير الدكتور كلوفيس مقصود ،اذ ترجل الفارس بعد رحلة كفاح شاقة،قضاها منذ ريعان شبابه وحتى اخر رمق في حياته مدّافعا صلبا عنيداعن قضايا أمته العادلة في كل الميادين والمحافل الدولية، كما ظل على الدوام نصير قضايا الحق
والحريّة والكرامة وكل القيم والمثل الانسانية .
توقف أمس قلب هذا الرائد النهضوي المتميز، احد رموز مرحلة التحرر والصعود القومي ، توقف قلبه بعد ان كان قد تفجر دماغه قبل ذلك بأيام ‘لان جسده النحيل والمنهك لم يعد يحتمل او يقوى على مقارعة الأدواء والمتاعب والهموم التي كانت تلقي بكلكلهاعلى صدر وضمير كل مواطن عربي حر في هذا الزمن الرديء ، زمن التردي والانهياروالتي تحدث عنهاالدكتور مقصود فيكتابه الذي صدر قبل سنوات بعنوان ( العروبة في زمن الضياع ) .
وبرغم مرارة المِحنة القاسية التي تعيشها شعوب الأمة في مشرقها ومغربها ومنذ عقود،تلك المِحنة التي تطاول ليلهاواشتدظلامها ،وتعاظمت أخطارها ، فقد ظل كلوفيس مقصود مفعما بالامل والرجاء في ان يشهد قبل رحيله نهاية هذه الظروف الصعبة وتجاوز الأمة محنتها كي تعود الى اوضاع تسمح لها بمواصلة السير نحو تحقيق طموحاتها في التحرر والتقدم والوحدة .
لكن معركة الصراع بين تشاؤم الواقع وتفاؤل الإرادة لم تحسم هذه المرة لصالح استاذنا مقصود ،بل كانت حصيلتها خسارة جسيمة جديدة لامة تفتقد خيرة رموزها وقادةالفكر والراي فيها في أوقات المحن والشدائد . من جانب اخر فان هناك منطق الطبيعة القاسي الذي لا يعبأ بكل الاعتبارات والقيم الانسانية التي نتحدث عنها.
هذا المنطق الذي عبر عنه شاعرنا اصدق تعبير : وإذا كانت النفوس كبارا تعبت في مرادها الأجسام
كانت حياة كلوفيس مقصود سجلا حافلا للوطني الانسان الذي كرس كل جهوده وطاقته ومواهبه لخدمة قضايا التنوير والحداثة والتقدم سواء في نطاق وطن نشأته لبنان او في نطاق وطنه العربي الكبير او على الصعيد العالمي كله.
ولذا يمكن القول بكل تجرد وموضوعية ، انا الذي عرفته وعن قرب منذ اكثر من أربعين عاما ،ان شخصيته قد جمعت كل العناصر الإيجابية المتجددة في تيارات الفكر السياسي
العربي: الليبرالية والتقدمية والاشتراكية والناصرية والبعثية واليسارية والماركسية ،كذلك كان منفتحا على تيارات الفكرالسياسي العالمي وفي هذا المجال لا بدانهً تأثر ايضا بروحانية الحضارة الهندية التي أقام فيها حوالي ثماني سنوات كسفير للجامعة العربية والتي يعود اليه الفضل الكبير في تعريف شعبها وأحزابهابعدالة القضايا العربية وفي القلب منها القضية الفلسطنية ونسجه علاقات التفاهم والصداقة مع أحزابها وسياسييهم وخاصة مع حزب الموتمر الهندي ورئيسته السيدةانديرا غاندي .ولعل من أنصع الصفحات التي تسجل للدكتور كلوفيس في خدمة قضايا أمته سواء في ميدان الدبلوماسية أو الاعلام والصحافة او العمل الشعبي المباشرمع المنظمات النقابية والمهنية والثقافية داخل الوطن والمهاجر، من أنصع تلك الصفحات كانت عندما شغل ولحوالي عشر سنوات في ثمانينات القرن الماضي مسؤولية سفير الجامعة العربية في واشنطن وفي الاممالمتحدة فكان بحق صوت الدبلوماسي المحنك واسع الأفق و الثقافة والاطلاع المعبر خير تعبير عن إرادةالْعَرَب وقضاياهم ، والذي كان يحظى في الان نفسه باحترام الجميع الاصدقا منهم والخصوم . ولان كلوفيس مقصود كان في الأساس مناضلا شعبياومثقفا تنويريا من جيل الرواد فقد كان العمل الوظيفي الدبلوماسي عبئا ثقيلا وقيدا على رسالته التحررية . لكنّه آل على نفسه ان لا يستكين لهذا الوضع الذي فرضته عليه ظروف معينة وان لا يابه بمغريات الموقع التي يستسيغها معظمالناس بل كان خياره دوما عندما يرى ان المسؤولية الرسمية تتعارض مع قناعاته الوطنية ان يتخلى عنها كييمارس واجبه كمواطن عربي حر ومتحرر من التزامات المسؤولية الرسمية وفي هذا المجال وللتدليل على صدق ونزاهة هذا الرجل ومدى انسجامه في سلوكهومواقفه مع القيم التي جسدها في سلوكه طوال حياته أجد من المناسب هنا التذكير بثلاث محطات فقط .اولها كانت استقالته من مسؤوليته كسفير للجامعة العربية في واشنطن والأمم المتحدة بعد ان تأكدللجميع عجز هذه المؤسسة عن الاضطلاع بدورها في تكريس الحل العربي للأزمة الخطيرة الناشئة في اعقاب احتلال النظام العراقي للكويت واحتجاجا على مواقف العديد من دول الجامعة التي تواطأت بل وتعاونت مع العدوان الدولي على العراق والذي انتهى بغزو العراق واحتلاله وتدمير دولته ودفعه الى الوضع المأساوي الذي هو عليه الآن.
كما لا بد من التذكيرهنا بأن أيا من مسؤولي الجامعةالعربية او سفراءها عدا الدكتور مقصود قد غادر موقعه تنبيها واحتجاجا على حالة التردي والشلل التي اصابت العمل العربي المشترك ومؤسسته الرسمية وطرحت بصورة علنية وواضحة طبيعة الحلولالناجعة لمعالجة هذاالوضع .اما المحطة الثانية في مواقف الدكتور مقصود الوطنية والمستشرفة لآفاق المستقبل فهي المتمثلة بموقفه من اتفاقات كامب ديفيد ومن ثم من اتفاق اوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الاسرائيلية الذي راى فيهقبولا بتصفية القضية الفلسطينية التي هي قضية شعب يكافح من اجل تحرير ارضه المحتلة وتأسيس دولته الوطنية المستقلة كما اعلن عن طريق رسائله المباشرة والعلنية للقيادة الفلسطينية ان اخطر ماتضمنه اتفاق اوسلو هو نصه على ان الارض الفلسطينية المحتلة هي ارض متنازع عليها مما يعني ادخال مطلب استعادة الحقوق الفلسطينية في نفق مظلم عن طريق تصنيفها الى مناطق أ وب وج ودونمواعيد محددة لاسترجاعها الامر الذي سيعني الدخول في عملية المفاوضات من اجل التفاوض فحسب بينما تستمر في الوقت نفسه عمليات التهويد والتهجير وسرقة الاراضي العربية بمختلف الاساليب المفضوحة .
وهذا ما ادت اليه على ارض الواقع اتفاقات اوسلو طوال العشرين عاما الماضية .اما المحطة الثالثة في حياة الدكتور مقصود التي لا يعرفها الا القلائل فهي انه اثناء انعقاد مؤتمر الطائف الذيانتهى بموافقة الاطراف اللبنانية المتحاربة على التوصل لانهاء هذه الحرب المدمرة واعادة بناء الدولة اللبنانية فان الأطراف الفاعلة التي كانت وَرَاء هذا الاتفاق قد طلبت وبوقف شبه جماعي من الدكتوركلوفيس مقصود ان يتولى هذه المسؤولية اي رئاسة الجمهورية اللبنانية ولو لمرحلة انتقالية ,لكنه رفض هذا العرض مبينا لهم وجهة نظره بانه لايستطيع في حال تحمله هذه المسؤولية ان يمارس دوره على صعيد وطنه الكبير الذي كرس له حياته .
ومنذ أن تفجرت انتفاضات ماسمي بالربيع العربي وقف الدكتور مقصود في القلب منها مؤكدا ان المجتمعات العربية بحاجة الى التغيير الديمقراطي والحداثة واللحاق بمستوى العصر وعقد كل آماله علىالأجيال العربية الحالية كي تنهض بهذه المهمة التاريخية لكنني وكما استخلصت من احاديثناالمباشرة طوال هذه المدة , نتيجة انحراف هذه الانتفاضات عن مسارهالشعبي ,وما ادى اليه هذا المسار منتدويل تلك الانتفاضات وتحول معظمها الى حروب اهلية ومذهبية وبعد ان تم تغييب ارادة الشعوب العربية في التحرر الحقيقي وبناء انظمة ديمقراطية عصرية .
وكان الدكتور كلوفيس مقصود يرى انقاعدة الإنطلاق لوقف هذا المسار المدمر وانقاذ الشعوب العربية المعنية من المأساة التي تعيشها تتمثل في انجاز مهمتين ملحتين :اولهما وقف هذه الحروب الاهلية المدمرة التي لا تستفيد منها الا قوىالارهاب والإستبداد ,اما االمهمة الثانية فهي ضرورة بناء الكتلة التاريخية التي تضطلع بمهمة قيادة المشروع الوطني الديمقراطي العروبي في نطاق كل دولة وعلى صعيد الوطن الكبير .
مهما حاولت في هذه اللحظات الحزينة التي نودع فيها هذا المناضل العروبي الكبيرفلا يمكن ان انسى اهتمامه الدائم وانشغاله الكبير بما وصلت اليه الأزمة السورية والتحديات المصيرية التي تستهف اليوم قلب الأمة النابض وشعرت في الأيام الأخيرة بما لم اعهده في احاديثه من قبل واعني بذلك شحنة واضحة من الأسى والألم ممزوجة ببعض الخيبة واهتزاز الأمل بالمستقبل عندما تحدثنا معا ظهرذلك اليوم الذي اصابه فيه العارض الصحي وادخله المشفى الذي كان بالنسبة له خطوة الانتقال الأخيرة من عالمنا الى العالم الأخر . ومازلت استعيد تلك العبارات التي كان يكررها في حديثه الأخيرهذا :لقد تأخرتم كثيرا انتم المعارضات السوريةفي توحيد صفوفكم وفي تحمل مسؤولياتكم الوطنية ,واخشى ان اقول لكم بعد اليوم انكم لم تكونوا حتى الآن موضع ثقة شعبكم .ما ذا أنتم فاعلون ؟هل قاطعتم الحل السياسي بصورة نهائية وماهي بدائلكم ؟وهل ان الدول المعنية الأن تستشيركم في الحلول التي تطرح ام انكم مجرد واجهة لتمرير الحلول التي يتفقون عليها ؟ هل يمكن لكم بعد الآن ان تستعيدوا ثقة شعبكم الذي اصبحت مأساته حدث هذا القرن ؟
كنت استمع اليه وهو يوجه لي اسئلته بكل الم وحرقة ولا املك بطبيعة الحال لا أنا ولا غيري اجوبة عليها ,الا ماكنت اردده من عبارات معهودة :معك كل الحق ,سنحاول ,فعلا قد تأخرنا في الاضطلاعبمسؤولياتنا …
واليوم واذ استعيد مثل هذه العبارات والتوصيات التي طرحها هذا المناضل الكبير قبل ساعات من رحيله عن دنيانا, والتي طرحها اأخرون من قادة الفكر والراي والكفاح الذين رحلوا خلال السنوات القليلةالماضية ,بل ويطرحها في كل يوم شهداء شعبنا الأبرار الذين يتساقطون في كل محافظات وربوع وطننا ,اليوم هل يمكن تكريما لهؤلاء الرواد والشهداء واستجابة لارادة الحياة الحرة الكريمة التي انتفضمن اجلها شعبنا وقدم في سبيلها كل هذه التضحيات, اليوم هل يمكن للشعب السوري ان يستعيد ذاته ويتجاوز محنته ويحث الخطى نحو بناءالمستقبل الأفضل الذي هو اهل له ؟؟؟