on
Archived: الإيكونوميست :لماذا لم تهب الثورات العربية على الدول الملكية؟
الإيكونوميست : ترجمة التقرير
في مكتبه المطل على النيل، يضع أحد رجال الأعمال هاتفه الخلوي في مرطبان زجاجي، وتضع كاتبة في مكان آخر هاتفها داخل الثلاجة، فإذا كانت الهواتف الذكية أداة يستخدمها الشباب الثوري في كل أنحاء الوطن العربي، إلا أن الخوف هو أن تصبح وسيلة تستخدمها المخابرات في التجسس على المعارضين عن طريق اختراق هواتفهم وتحويلها إلى أداة تنصت، ويحتاج الصحفي الذي يعمل هذه الأيام في كل أنحاء الوطن العربي إلى هاتف مزود بأحدث تطبيقات الاتصالات المشفرة، إذ يحب المصريون تطبيق سيجنال، بينما يفضل السعوديون تطبيق تليجرام، لكن اللبنانيون يفضلون استخدام واتساب.
لقد تعرضت الدولة العميقة في مصر لهزة بسيطة بسبب الثورة التي أطاحت بحسني مبارك عام ٢٠١١، وقد عات الآن لتنتقم، بعد أن قام الجيش بالانقلاب على الرئيس الإسلامي المنتخب محمد مرسي، وفي عهد عبدالفتاح السيسي، الجنرال الذي يزعم أنه ابن الثورة، أصبحت مصر أكثر استبدادًا مما كانت عليه أثناء حكم مبارك وبخاصة فيما يتعلق باتفاق السيسي مع الملك سلمان على التنازل عن جزيرتين بالبحر الأحمر للمملكة العربية السعودية.
ويعقد كثيرون مقارنات بين استبداد السيسي واستبداد الحكم العسكري لعبد الناصر، إلا أنه تنقصه النعرة القومية العربية، فقد حاول عبدالناصر أيضًا القضاء على الإخوان المسلمين، وكما حدث في عهد عبدالناصر، هناك مخاوف من أن يتسبب السيسي في تحويل السياسيين الإسلاميين إلى جهاديين ينتهجون العنف، فقد أعلن تنظيم الدولة الإسلامية شبه جزيرة سيناء ولاية خاصة به، وقد قام التنظيم بإسقاط طائرة روسية كانت قد أقلعت من شرم الشيخ في أكتوبر عام ٢٠١٥.
الشيء اللافت للنظر هو أن كل الزعماء العرب الذين أطاح بهم الربيع العربي عام ٢٠١١ كانوا يحكمون جمهوريات، وليست ممالك، يبدو أن الرؤساء العرب خشنين لكنهم ضعفاء. لقد كانت مصر في عهد عبد الناصر أشبه بما يسميه الدبلوماسي الفرنسي السابق، جان بيير فيليو “دولة المماليك”، بعدما حكمت طبقة الجنود المستعبدين مصر منذ القرن الثالث عشر حتى القرن السادس عشر، ويطبق السيد فيليو نفس التسمية على جمهوريات أخرى – من بينها الجزائر وسوريا واليمن – ذات التاريخ الأكثر قسوة بسبب هيمنة الجيش على الدولة.
هذه الجمهوريات “المملوكية” تميل إلى الإشتراكية مع ولعها بالسيطرة المركزية على الاقتصاد، وقد اتبعوا في البداية النموذج القومي الاستبدادي التركي تحت حكم أتاتورك، بالرغم من أنهم لم يشاركوه علمانيته المتشددة، لكن أجهزتهم الأمنية الداخلية كانت أكثر قربًا من مثيلتها لدى الاتحاد السوفييني الذين كانوا ينحازون له معظم الوقت.
كما كانت القومية المتطرفة تستخدم لإخفاء الدعم الطائفي الضيق لهذه الأنظمة: مثل الأقلية السنية في العراق والعلويين في سوريا، وليس مفاجئًا أن تكون أنظمتهم من بين الأنظمة الأكثر حقارة ودناءة، فقد أطلق الكاتب المعارض كنان مكية على العراق اسم “جمهورية الخوف”؛ كما وصف الراحل ميشال سورا بأنها “دولة وحشية”، فقد هاجم صدام حسين المتمردين الأكراد بالغاز في حلبجة عام ١٩٨٨؛ كما دك حافظ الأسد مدينة حماة السورية عام ١٩٨٢ لإخماد ثورة الإخوان المسلمين، وشنت الجزائر حربًا دموية قذرة ضد الجهاديين بدأتها عام ١٩٩٢ واستمرت لعقد كامل.
الخوف والكراهية
كانت القبضة الأمنية أخف في مصر تحت حكم مبارك، ربما لأنه كان يحاول دائما الحفاظ على دعم حلفائه في الغرب، لكن السيسي لم يتورع عن إراقة الدم، فقد قتل آلاف المصريين في حملته القمعية ضد الإخوان المسلمين، كما تم اعتقال عشرات الآلاف.
وفقًا لإحدى نظريات المؤامرة، فقد تم استغلال ثورة ٢٠١١ من قبل الجنرالات، فقد استخدموا المتظاهرين للتخلص من مبارك، ثم قام الإخوان المسلمون بتهميش الليبراليين، فاستغلوا المتظاهرين الليبراليين للتخلص من الإخوان المسلمين وفرض الحكم العسكري المباشر، حيث تبدو ردة فعلهم تلقائية جدًا في الحقيقة، لكن النظرية تعبر حقًا عن مدى عمق الدولة.
إن القمع وحشي وشرس، وأصبحت المحاكم هي القانون، وبحث السيسي عن المكانة الدولية قد تأثر بتعذيب وقتل طالب الدكتوراه الإيطالي الذي كان يجري بحثًا عن الاتحادات التجارية المصرية، والذي يقول البعض أنه قتل على يد المخابرات.
يقول يزيد صايغ، من مركز كانيجي لأبحاث الشرق الأوسط، “لا أظن أن هناك دولة في مصر حاليًا”، هناك تحالف بين جماعات المصالح والمؤسسات، وكلها فوق الدولة، إنهم يعملون على أهدافهم المشتركة ويتجاهلون السيسي غالبًا”.
وقد اعتمدت شرعية العديد من الجمهوريات على شيئين: الوحدة العربية وتحرير فلسطين، ولم يتم تحقيق أي منهما، وبالرغم من كون الحكم جمهوري، إلا حكامهم قد خضعوا لإغراء تكوين ممالكهم الخاصة، فقد خلف الأسد ابنه بشار في سوريا، وأراد حسني مبارك تنصيب ابنه جمال رئيسًا، وقيل أن علي عبدالله صالح في اليمن كان يحاول إبراز ابنه وتحسين صورته، كما كان الرئيس التونسي المعزول زين العابدين بن علي يمهد الطريق أمام صهره صخر الماطري.
ويسمي البعض هذه الدول ساخرًا باسم “الجمليكيات”، وهو لفظ عربي جديد يجمع بين الجمهورية والملكية، يقول غسان سلامي، الأستاذ الفخري بمعهد العلوم السياسية في فرنسا: “لقد وصل السخافة بهم مبلغها حتى أنهم اعتبروا الدولة سيارة أو شقة يعطونها لأبنائهم”، “وقد كان هذا ما أشعل الثورات”.
لقد كانت الممالك العربية أوفر حظًا، على الأقل حتى الآن، لقد بدا أنها ستتعرض للانقراض في أيام الشغب القومي: حيث تم عزل خمسة ملوك عرب، مثل الملك فاروق في مصرعام ١٩٥٢، بالملك إدريس في ليبيا عام ١٩٦٩، وشعر الباقون بالتهديد لمدة عقود، لكن الآن يبدو أن طبيعة الممالك العربية – الملوك والأمراء والسلاطين – أصبحت أكثر مرونة من الأنظمة الرئاسية الاستبدادية.
يرى السيد سلامي أن هناك ثلاثة مصادر لشرعية الحكام العرب: التمثيل (فلم يتم انتخاب أحد منهم بحرية)، الإنجازات (وأغلب الجمهوريات لديها القليل لتفتخر به) والمنشأ (وهي المؤهل الوحيد الموجود حاليًا)، فكما يقول السيد سلامي: “أنا أحكمكم لأنني صنعتكم”، وهذا صحيح بالنسبة للعائلة المالكة في السعودية، التي منحت اسمها لدولتها، وقد حكمت منطقة نجد المركزية منذ القرن الثامن عشر.
وبالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي المنتجة للبترول – وهي السعودية والكويت والبحرين وقطر والإمارات وعمان – فقد كان أساس نجاحها هو المال، فخلال أعوام الاضطراب خلال ثورات الربيع العربي كانت الممالك تزدهر وترفع الرواتب وتطلق مشاريع جديدة للحفاظ على الدعم الشعبي.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن جميع دول مجلس التعاون الخليجي تتمتع بدعم دبلوماسي وعسكري غير معلن من حلفائها في الغرب (فقطر لديها قاعدة أمريكية كبيرة، وكذلك توجد في البحرين قاعدة بحرية)، وبعد اندلاع الاحتجاجات في البحرين، حيث تحكم عائلة تنتمي للأقلية السنية الشعب ذو الأغلبية الشيعية، قامت الدول الخليجية بإرسال قوات إلى الجزيرة لدعم المملكة.
المغرب والأردن ليستا منتجتين للنفط، لكن ملكيها، محمد السادس وعبدالله الثاني، يتمتعان بسلطة نابعة من الدين، حيث أن كليهما يمتد نسبه إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم، كما أنهما يدعيان أيضا بعض الشرعية السياسية: فقد قام الفرنسيون بنفي السلطان محمد الخامس إلى مدغشقر، وأصبحت المطالبة بعودته هي الهتاف الذي ساد احتجاجات القوميين المغاربة، أما فيما يخص الأسرة الهاشمية، فقد رفعت علم الثورة ضد الحكم التركي بمساعدة البريطانيين عام ١٩١٦.
ربما كان الأهم من التاريخ هو قدرة كلا المملكتين على التكيف مع الظروف المتغيرة، فعلى عكس ممالك الخليج التي يتقلد فيها المنتمون للأسر المالكة المناصب وفق الروتين الحكومي، يبدو أن أفراد الأسر المالكة في المغرب والأردن يعملون بمعزل عن الحكومة، كما أنهم يبرعون في إقناع المنتقدين أو على الأقل الاحتفاظ بالحوار معهم، وقد تظاهرت كلتا الدولتين بالاستجابة للمطالبات بمزيد من الحريات خلال ثورات الربيع العربي، فقدمت كل منها إصلاحات دستورية محدودة وأجرت انتخابات برلمانية، فيما قاطع الإخوان المسلمون الانتخابات، بينما تحاول الحكومة شق صف الجماعة، أما في المغرب فقد فاز حزب العدالة والتنمية التابع للإخوان المسلمين بأغلبية في الانتخابات البرلمانية، وأصبح رئيسه عبدالله بنكيران رئيسًا للوزارة.
لقد هيمنت على التاريخ العربي منذ ظهور الإسلام في القرن السابع الميلادي ثلاث إمبراطوريات: الأموية والعباسية والعثمانية، يقول عريب رنتاوي، مدير مركز القدس للدراسات السياسية: “إن فكرة الأسرة الحاكمة هي المسيطرة على عقول الناس، فإنك إن قمت باستفتاء في الأردن، فسوف يصوت معظم الناس للأسرة الحاكمة”، وقد تقيدت الأحزاب السياسية في الأردن والمغرب بالقوانين وقبلت بالحكم الملكي، أما في أماكن أخرى كما يقول رنتاوي فإن “الأنظمة الدموية تنتج معارضة دموية”.