Archived: محمد دركوشي: نصر الله.. متى أضع العمامة تعرفوني

محمد دركوشي: كلنا شركاء

ما إن أعلن عن مقتل القيادي في حزب الله مصطفى بدر الدين الذي نعاه الحزب دون أن يسمي قاتله في بيان مقتضب مكتفياً بالإشادة بدوره الجهادي في محاربة الجماعات التكفيرية رأس الحربة في المشروع الأمريكي الصهيوني، حتى كثر الحديث عن هوية القاتل والأسباب الحقيقية وراء اغتياله.

وانشطرت الآراء بين من اقتنع بقتل الإسرائيليين للمناضل الكبير وبين من اعتبر أنه قتل على يد الثائرين السوريين. مفارقات كثيرة يمكن الوقوف عندها لفهم عمليات الاغتيال والتصفية التي تعرض لها قياديو حزب الله منذ تدخله في سورية، فلا يكاد يمر الشهر أو الشهران أو ما يزيد حتى يعلن الحزب عن مقتل قيادي عسكري كبير في سورية وغالباً بغارة إسرائيلية.

إحدى المفارقات العجيبة أن معظم أعداء حزب الله من اللبنانيين قتلوا فوق التراب اللبناني من كمال جنبلاط والمفتي حسن خالد ولاحقاً الحريري وجبران تويني وجورج حاوي ووليد عيدو، ثم اغتيال العميد وسام الحسن بعد مرور أربع سنوات على اغتيال زميله في شعبة المعلومات وسام عيد، هؤلاء جميعاً قتلتهم إسرائيل بحسب مصادر الحزب، بينما أعداء إسرائيل من الحزب نفسه قتلوا جميعاً فوق التراب السوري من عماد مغنية إلى سمير قنطار إلى نجل عماد مغنية وليس آخرا مصطفى بدر الدين باستثناء القائد جمال اللقيس الذي اغتيل في الضاحية الجنوبية، وهؤلاء قتلتهم إسرائيل أيضاً بحسب مصادر الحزب ذاتها.

مفارقة غريبة أخرى أن جميع القتلى من قياديي حزب الله عسكريون بينما لم يتعرض القياديون السياسيون حتى إلى مجرد محاولات فاشلة على الرغم من الإعلان عن مئات الجواسيس في صفوف الحزب الأولى، منها مئة شبكة تجسس في عام 2009 وحده، وفي نقاط أمنية وسياسية حسّاسة، أحدهم مرافق لنائب الأمين العام في حزب الله الشيخ نعيم قاسم، وآخر يرافق الوكيل الشرعي للإمام الخامنئي في لبنان الشيخ محمد يزبك في تحركاته. وآخر مسؤول أمن نصر الله نفسه، بينما نجد إسرائيل لا تتوانى عن استهداف الشيخ المقعد أحمد ياسين مؤسس حركة حماس.

وهنا تكمن المفارقة الغريبة أنه على الرغم من مئات شبكات التجسس في لبنان لم يقتل أحد من قادة الحزب بينما قتلوا في سورية رغم عدم الإعلان عن كشف أي شبكات تجسس، وإذا كان القاتل بنو صهيون كما يعلن الحزب فهذا يعني بالضرورة وجود جواسيس وعملاء للإسرائيليين في بنية نظام الأسد أو خلايا حزب الله المقاتلة في سورية. من ناحية أخرى رأى البعض أنهم قتلوا في مواجهات مع الثوار السوريين، أما لماذا أعلن الحزب أنهم قتلوا بأيادٍ إسرائيلية فهو بهذا يمنح مجرميه موتاً كريماً لا يلعنهم فيه التاريخ، ولكن من المفارقات المدهشة حقاً أن الحزب لم يكن يدفع بقيادات من مثل هذا الوزن إلى الخطوط الأمامية في معاركه مع العدو الصهيوني حفاظًا عليهم فكيف يدفع بهم إلى الخنادق الأمامية في مواجهة التكفيريين في سورية!! وخسارتهم تعني ضربة معنوية كبيرة لقواته ونصراً كبيراً للإرهابيين، ثم إن أحداً من فصائل الثورة لم يعلن عن استهدافه لقيادات الحزب المذكورة.

إن الحدث الأبرز في لبنان الذي ترافق مع مجريات الأحداث في سورية هو تعطيل انتخاب رئيس الجمهورية من قبل حزب الله وداعميه ولا يعتقدنّ أحد أن حزب الله يريد الجنرال العجوز ميشيل عون رئيساً ولا حتى السوريون لن يغفروا له وقوفه وراء قانون محاسبة سورية وخروج الجيش السوري المذل من لبنان ولكن عون هو ورقة تعطيل يتمسك بها الحزب إلى حين، ومعرفة هذا الحين ربما يجعلنا نقترب من حافة فهم ما يجري. هذا الحين بدأ الإعداد له منذ 2003 عندما قدمت طهران عبر الوسيط السويسري لواشنطن سلة من المقترحات تتعلق بتعاونها في إسقاط نظام صدام حسين وبرنامجها النووي ومنها صفقة تحويل حزب الله إلى حزب سياسي تمهيداً للاستيلاء على السلطة في لبنان، بعد إسقاط اتفاق الطائف بحجة أنه طائفي وصولاً إلى الاقتراع المباشر للرئيس.

في سبيل تحويل هذا الحزب الجهادي إلى حزب سياسي كان لا بد من إزاحة العسكريين الذين يشكلون عبئاً ثقيلاً على السياسيين من جهة، وتنظيف سجلات الحزب القذرة بالتخلص من الصناديق السوداء المتورطة بقضايا كثيرة أهمها تفجير مقر المارينز والسفارة العراقية في بيروت ومحاولة اغتيال أمير الكويت الراحل جابر الأحمد وعملية اغتيال رئيس وزراء لبنان رفيق الحريري من جهة أخرى. ولن يجد اللاعبون في دمشق وطهران غرفة مظلمة كالحرب السورية لتنفيذ مخططاتهم ولكن من المؤكد أنه بعد انتهاء الحرب السورية سيتم مكافأة حزب الله، فهل سنشهد لبنان برئيس معمم، وهل سنرى حسن نصر الله يخطب من قصر بعبدا متى أضع العمامة تعرفوني؟ برسم القادم من الأيام.