on
Archived: ابراهيم ساره:البحث عن هوية
ابراهيم ساره: كلنا شركاء
ناقش الأديب الراحل أسامه أنور عكاشه مسألة الهوية في أحد اجمل مؤلفاته الدرامية “أرابيسك”، يروي العمل قصة ثري مغترب يعود لبلده ويقضي المسلسل في بناء قصر فريد حاول أن يجمع فيه بين العراقة الفرعونية، والأصالة العربية برونق إسلامي، وبين العصرية والحداثة الغربية.
في البحث عن الهوية يسلك المثقفون والسياسيون مناهج مختلفة.
منهم من يتبنى “التغريب”: “لكي ننجح يجب أن نكون مثلهم”. فعل “مصطفى كمال أتاتورك” ذلك في تركيا بداية القرن العشرين: حرّم لبس الطربوش وشجّع الناس على لبس القبعات، وأصدر قراراً بأن تُكتب اللغة بالحروف الرومانية بدلاً من الحروف العربية، وألغى المحاكم الدينية التي كانت تطبق الشريعة الإسلامية، وجاء مكانها بنظام جديد مؤسس على القانون السويسري، وفرض مبادئه الست: الشعبية والجمهورية والقومية والعلمانية والدولانية والإصلاحية.
في بدايات القرن الواحد والعشرين يتبنى بعضنا الرؤية الكمالية، فتنتشر أفكار “المُساكنة” مثلاً بشكل يدعو للتفكّر، لم يعد السكن المشترك بين الجنسين مجرّد حل لظروف اقتصادية سيئة يعانيها لاجئ أو مُهجّر، لقد أصبح للمُساكنة مؤسسات وجمعيّات وايديولوجيا فيما يبدو.
يتجاوز اصحاب هذه الرؤيا تبنّي العلمانية كفصل للدين عن الدولة، وينادون إلى فصل الدين عن الحياة والمجتمع إن أمكن. إذ لا يُمكن برأيهم التغلّب على الفجوة بين الإسلام والتحديث في مختلف المجالات، مثل فوائد البنوك والمواريث وعمل المرأة.. لابد إذاً من تغريب من أجل التحديث وفق هذا الرأي.
للأسف فإن حقائق التاريخ لا تدعم انصار هذا الرأي، فشل “أتاتورك” صاحب اهم تجارب التغريب القريبة فشلاً ذريعاً، فشل انتقل بالإمبراطورية العثمانية إلى: “دولة ممزقة، رفضت هويتها ورفضها الغرب في اتحاده قائلاً بوضوح: هذا نادٍ مسيحي”.
ألغت تركيا حروف كتابتها المؤلّفة من ثمانٍ وعشرين حرفاً فقط، بينما رفضت اليابان دعوة مستغربيها لتبني حروف الكتابة اللاتينية، واحتفظت بنظام كتابتها المعقّد الذي يحتوي أكثر من ثمانمائة شكل، و /٤٦/ حرف آخر… قضت اليابان على الأمّيّة وبقيت نسبة الأمّيّة في تركيا بعد عقود من تنكرها للغتها حوالي ٥٠٪!!.
يُعلّق “علي عزت بيغوفيتش” على الحقائق السابقة فيقول: “إن جوهر كل حضارة أو تقدم إنساني يكمن في الاستمرارية وليس في التخريب والتنكّر للماضي”.
مقابل فلسفة “التغريب” أو ما يسميه البعض “الكمالية” نسبةً لأتاتورك، ظهر ما سُمـي بـ “الرفضيّة”، تبنّاها في عالمنا الإسلامي وفي سوريا أيضاً، مجموعات سلفيّة ارتبط معظمها بفكر تنظيم القاعدة.
الكتيبات التسويقية لهذه الجماعات تتصدرها قائمة بـ “المكفّرات” التي تُخرج المسلم من الملّة ليصبح “مرتدّاً” يجب قتله، وذلك أولى من قتل الكافر!!.
في التمحيص يتبيّن انّ معظم هذه الأمة وفقا لـ “الرفضيّة” هم بحكم المرتدّين، ويصبح النقاش كالكوميديا السوداء أحياناً: فحكم البعض القتل حتماً، ويبقى الخلاف الذي يحتاج لنقاش فقهي: ضرباً بالسيف أم طرقاً بالسيف!!.
بالنسبة لهذه المجموعات مقاومة الديمقراطية ركن أعظم من مقاومة الديكتاتورية، والشورى يختص بها “أهل الحل والعقد” وهم بالطبع مشايخهم ومرجعياتهم فقط.
هنا تعتبر السياسة كفر، والديمقراطية كفر، والحرية أيضاً كفر، والحل دوماً هو السيف.
أي تصرف لم يقم به النبي محمد (ص) بدعه حتى إن كان مجرّد السلام بعد الصلاة، وكل بدعةٍ ضلالة وكل ضلالة في النار.
“هذه المجموعات وأفكارها تجد بيئةً مناسبةً لانتشارها في مناخات البطش الرهيب وغياهب السجون، وتجذب إليها صغار السن، وقليلي التعليم والتبصّر بفقه الشرع وفقه الواقع”.
في الوسط بين القطبين السابقين: -التغريب والرفضيّة- يقف دعاة ما يسمّى “التحديث” الذي يحاول “التحديث تقنيّاً دون تغريب ثقافي زائد” وفقا لما نادى به “محمد علي” في القرن التاسع عشر.. دعوة تبدو برّاقة ولكنها دقيقة، تبنّاها بطل “أرابيسك” في قصره “التحديثي” الذي انهار في آخر مشهد من المسلسل وانهارت معه فلسفة صاحبه.
تبدو خطورة التحديث واضحةً عند قراءة أفكار أصحابها الذين يتوزّعون إلى فريقين:
- الإصلاحيين: وتتلخّص فلسفتهم في “العلمانية” أو فصل الدين عن الدولة، وتهميش الإسلام بإفراغه من محتواه الاجتماعي والسياسي ونقله من العام إلى الخاص.
يعتمد الإصلاحيّون في فلسفتهم على نجاح التجربة الغربية التي قضت على “الثيوقراطية” أو حكم رجال الدين، فانطلقت اوروبا إلى فضاء رحب من التطور والتحضّر.
مشكلة هذه الفلسفة أنها تجعل التجربتين الشرقية والغربية متماثلتين، ذلك يخالف الحقيقة، عانت اوروبا من حكم رجال الدين “الثيوقراطية” وعانينا من الحكم الاستبدادي الفردي “الاوتوقراطي”. وبينما تنحصر فلسفة المسيحية في “الجوّاني”، فإن الإسلام دين ودولة وقانون. “ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الكافرون / الظالمون / الفاسقون” وفق آيات القرآن الكريم.
يرى الإصلاحيّون أن المشكلة في الإسلام نفسه، بينما يرى مفكرون أن الحقيقة هي إشكالية “الكهنوت”، “الحجاج والمشايخ” كما يسمّيهم “بيغوفيتش”.
مشكلة الإصلاحيين صدامهم مع المنظومة الفكرية الإسلامية وثوابتها الراسخة التي تجعلها ترفض الرؤية العلمانية وفق النموذج الغربي. هذا صدام يقود الإصلاحيين إلى التنكر لما ينادون به، كما تنكّروا للديمقراطية في النموذجين الجزائري والمصري. فتزداد أزمتهم مع مجتمعاتهم عمقاً.
- التأصيليين: تيار يرى أن التحديث ينطلق من الحفاظ على الثقافة المحلية والتمسك بها، يبدو ان تجارب هؤلاء جديرة بالدراسة، وخصوصا عندما يستندون إلى ثقافات ورؤى تاريخية راسخة.
منذ ثمانينيات القرن العشرين بدأت الحكومة الصينية تنمي الاهتمام بالديانة المحليّة الكونفوشية، وأصبحت الاتجاه الرئيسي للثقافة الصينية. يعتقد الآسيويون أن نجاحهم الاقتصادي جاء نتيجةً لثقافتهم الآسيوية: النظام، الانضباط، مسؤولية الأسرة، العمل الجاد، الجماعية والاعتدال، نجاح زادهم ثقة فأعلنوا أنه “إذا أرادت الولايات المتحدة أن تنافس الشرق فعليها أن تتعلم شيئاً أو أكثر من المجتمعات الشرق آسيوية”.
أما في أوروبا فإن القارئ في تاريخ الرومان يُدهشه مقدار الحفاظ الأوروبي المعاصر على الموروث التاريخي السياسي، ففكرة السلطات الثلاث تستند إلى روما قبل الميلاد وسلطاتها الثلاث: التنفيذية والتشريعية وسلطة المراقبة والاستشارة.
ويذكر “توينبي” أن أصول فكرة أحكام الطوارئ التي لا زالت ديمقراطيات الغرب تتبناها وتمارسها، تعود إلى الدستور الروماني الجمهوري الأول.
يُدلّل التأصيليون عندنا على صلاح فلسفتهم ببعض الشهادات، كمقولة مكسيم رودنسون: “لا يوجد هناك ما يدل بطريقة مقنعة على أن الدين الإسلامي منع العالم الإسلامي من التقدم على الطريق نحو الرأسمالية الحديثة”.
ورغم انهم -أي التأصيليين- يقتربون من “الرفضيّة” في أن المرجعية القانونية العليا للدولة لا يجوز أن تتصادم مع مبادئ الإسلام وقيمه العليا، إلا أنهم يرون أن “الإسلام اكتفى بما من شأنه التطور بتأسيس القواعد العامة، حيث اكتفى بالأمر بالشورى والعدل واحترام رأي الجماعة والتشنيع على حكم الانفراد والاستبداد، تاركاً لاجتهاد المسلمين وتجارب الزمن استنباط وتطوير الآليات لترجمة قاعدة الشورى وسلطان الأمة إلى نظام سياسي يمنع الاستبداد، وهو ما كان إسهام التجربة الغربية في تطويره معتبراً مما لا يمنع الاستفادة منه”.
يستعين التأصيليون بأصول متواترة: فكل ما من شأنه العون على تحقيق مقاصد الإسلام في العدل والشورى وغيرها، هو من الشريعة وإن لم يرد به نص من كتاب ولا سنة: “أرسل الله رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به السماوات والأرض، فإن ظهرت أماراته وأسفر وجهه بأي طريق كان فثمّ شرع الله ودينه”.
مقولات هذا التيار واعدة ومتطورة، إلا أنها تبدو أحياناً مترددة في المضي بالحرية والديمقراطية إلى النهاية، وايلاء المؤمنين الثقة الكاملة، وربط المشروع الإسلامي بوعيهم بدل سوء الظن فيهم واستبقاء قدر من الوصاية عليهم والخشية على المشروع الإسلامي منهم.
لقد واجه ممثل الوسطية الإسلامية د. يوسف القرضاوي انتقادات عديدة من بعض الأقلام الوسطية حين صرّح أن: “مطلب الحرية له الأولوية على مطلب تطبيق الشريعة”.
وبعد… يبدو اختلاف التيارات الفلسفية السياسية طبيعيا في التجارب العالمية المعاصرة، فأين مشكلتنا؟.
أشار أسامه أنور عكاشة للمشكلة طوال حلقات “أرابيسك”: ثري ضائع بين فرعونيته وإسلامه واغترابه، يبني ركناً غربياً ثم يغير رأيه فيهدمه ويركّب زاوية فرعونية، ما يلبث أن يهدمها هي الأخرى ويزركش على أنقاضها أرابيسك عربي، ومازال يتخبّط ويتنقل بين هذا وذاك حتى انهار كل شيء.
مشكلتنا أننا لانعرف ماذا نريد، نطالب بالعلمانية وقد لا نعرف منها إلا عنوانها، نعود في اليوم التالي لنتبنى “الإسلام هو الحل”، يزداد الجور فنستلّ سيوفنا ونقسم ان لا نغمدها…
نقاش الهوية هام، يجب ان يرتكز إلى معرفة وعلم، عندما ندرس ونعلم ونفهم، نتخذ قرارنا فنسير إلى الأمام، ونختلف دون سيوف، فنُشيّد القصر