on
Archived: عبد الله الحسن: جبهة النصرة من جديد.. كيف تتحول الى القوة الابرز في الساحة السورية
عبد الله الحسن: رأي اليوم
توقفت المعارك الدموية في كلا طرفي مدينة حلب بعد تدخل متأخر وربما مقصود من الإدارة الأمريكية والروسية، وتم تمديد الهدنة الأولى بعد انقضاءها إلى ٧٢ ساعة أخرى، وربما سوف يتم تمديد الهدنة الثانية وربما لا، فالكل له مصلحة بتحقيق تقدم على جبهة حلب قبل أن يذهب إلى مفاوضات المرحلة الحرجة لتحديد دور ومكانة وصلاحيات وشروط كل فصيل في المرحلة الانتقالية.
لقد انتهت الجولة الثالثة من مفاوضات جنيف بشأن سوريا بدون تحديد موعد لاستئنافها، صحيح بأن وفد هيئة التفاوض علّق مشاركته في جلسات الحوار وانسحب منها بحجة استمرار النظام السوري بخرق الهدنة وعدم السماح بدخول المساعدات الغذائية للمناطق المحاصرة ولكن المفاوضات استكملت “بمن حضر” على حد تعبير المبعوث الأممي السيد دي مستورا، مما سمح لوفد النظام بأن يخرج منتفخاً بانتصاره في تلك المرحلة من المفاوضات، لكن يبدو بأن المعارضة ومن خلفها لديهم تصوّر آخر.
في بداية جنيف٣ في شباط/فبراير رفضت المعارضة السورية الموافقة على هدنة اقترحتها روسيا وأمريكا برعاية أممية وكان التذرع باجراءات بناء الثقة التي طالبت بها هيئة التفاوض والتي تتضمن وقف قصف المدن والقرى وادخال المساعدات الانسانية واطلاق سراح المعتقلين، لكن بالتأكيد كان السبب الحقيقي هو عدم كشف جبهة النصرة التي أُتفِق على عدم إدخالها في إطار الهدنة المزمعة كونها مسجّلة على لائحة الإرهاب الأمريكية والدولية.
إن وفد هيئة التفاوض يستند بشكل أساسي على فصيلين عسكريين كبيرين هما “جيش الاسلام” والذي يتخذ من غوطة دمشق الشرقية مركزاً له وهو مدعوم ومموّل سعودياً، و”أحرار الشام” التي تنتشر في إدلب وريفها بشكل أساسي ومرتبطة ومدعومة تركياً، فيما يخص جبهة النصرة التي تعتبر أقوى فصيل يقاتل نظام الأسد ورأس الحربة في جيش الفتح الذي سيطر على مدينة ادلب وريفها وأغلب مناطق الشمال السوري بعد تشكيله في بداية ٢٠١٤ فهي مرتبطة ببيعة لتنظيم القاعدة منذ تأسيسها في سوريا ولا ينكر قادتها ذلك، وعندما استهدفتها طائرات التحالف الدولي بقيادة واشنطن في ١٩ أيلول/سبتمبر ٢٠١٤ في ريف ادلب الشمالي مودية بحياة بعض من قادتها ورموزها اعترضت كل من قطر وتركيا وتعهدتا بمحاولة فك ارتباط الجبهة عن تنظيم القاعدة وتسويقها كفصيل سوري معارض معتدل، ومن حينها توقفت طائرات التحالف الدولي عن استهدافها وبدأت محاولات تلميع صورتها عبر قناة الجزيرة ومن يدور في فلكها وفلك السلطة الحاكمة في تركيا.
لكن في النهاية فشلت كل المحاولات لتسويق جبهة النصرة دولياً أو فك ارتباطها عن القاعدة وخاصة بعد تدخل القوات الروسية في سوريا واستهداف جبهة النصرة بشكل مباشر وشديد مع حملة اعلامية مجهولة المصدر قامت بالتحريض على الجبهة عبر تصوير أفكارها وممارساتها اليومية ونشر صور لافتاتها التي تناهض الديمقراطية والعلمانية وتنعتهما بالكفر والشرك وما شابه.
وعندما تم إعداد الهيئة العليا للتفاوض في الرياض لم يتم دعوة ممثلين عن جبهة النصرة وهي التي تعارض تماماً لأي حل سياسي مع النظام مما أدى إلى حل تدريجي لجيش الفتح بعد دخول كل من جيش الإسلام وأحرار الشام في الهيئة العليا للتفاوض في الرياض ووجود ممثلين لهما في وفد المفاوضات.
بالعودة الى مفاوضات جنيف فلقد أدى تجميد القتال في سوريا إلى كشف جبهة النصرة فعلاً، واستهدفت مناطق تواجدها من الطيران الروسي وطيران النظام مع سقوط الكثير من الضحايا في صفوف المدنيين، لكن من جهة أخرى كان للهدنة تأثير ايجابي تجلى في عودة المظاهرات السلمية في المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام مؤكدة على شعارات الثورة الأولى ورافعة علم الثورة الأخضر الذي اعتمدته المعارضة مما أثار حفيظة جبهة النصرة في أماكن سيطرتها وخاصة في مدينة معرة النعمان حين اقتحم عناصر الجبهة مظاهرات المدنيين وفرقوها بعنف بالإضافة إلى سيطرتهم على مقار الفرقة ١٣ المحسوبة على الجيش الحر واعتقال قادتها وعناصرها، مما أدى إلى رد فعل مدني مميز تجلى باقتحام المدنيين لمقار الجبهة وحرق بعضها بعد إطلاق سراح المعتقلين.
لكن بعد تعليق المعارضة لمشاركتها في مفاوضات جنيف والدعوة لمعركة “رد المظالم” في ريف اللاذقية الشمالي ثم محاولة النظام السوري وحلفائه خنق الجزء الشرقي من مدينة حلب وقطع طرق إمدادها من الشمال للسيطرة عليها، هذا أدى إلى انهيار كامل لجدار الهدنة الهش بالإضافة إلى عودة تشكيل جيش الفتح من جديد بعد أن انضوت كافة الكتائب المقاتلة في حلب وريفها تحت قيادة جبهة النصرة، لقد استطاع جيش الفتح أن يتوسع في غرب حلب ثم سيطر على بلدة خان طومان الاستراتيجية وبعض القرى المحيطة بعد دحر قوات النظام وحلفائه من هذه البلدة في معارك عنيفة.
وبالتزامن مع ذلك شهدت غوطة دمشق الشرقية اشتباكات حادة بين فصائل تابعة ومدعومة من جبهة النصرة (فيلق الرحمن وجيش الفسطاط) مع جيش الاسلام الذي رفض مراراً وتكراراً دعوات جبهة النصرة لتشكيل جيش الفتح في الجنوب على غرار جيش الفتح في شمال سوريا، إن المعارك في الغوطة الشرقية كانت شرسة بين الطرفين وراح ضحيتها المئات من المدنيين وهي كذلك غير مفهوم دوافعها الحقيقية وتوقيتها إلا عند ربطها بجبهة النصرة التي انتعشت من جديد وأصبحت تملك الكلمة العليا في الساحة السورية مع محاولات تعويمها دولياً من طرف حلفاء المعارضة والضغط على الخارجية الأمريكية لإدخالها في حيز الهدنة المزمع إحياؤها بترتيبات غير مسبوقة تحت رقابة مركز روسي – أميركي مشترك في جنيف.
لكن هل سوف ترضخ الخارجية الأمريكية – وهي التي تشرف من جهتها على هذه الهدنة منذ البداية بحسب المتحدث باسم البنتاغون – لدعوات ومطالب حلفائها في المنطقة كما فعلت يوم وافقت على تحييد مقرات وعناصر جبهة النصرة من قصف طيران التحالف؟ وماذا سوف يكون رد فعل روسيا وهي التي حاولت ولا تزال اخراج جيش الاسلام وأحرار الشام من إطار الهدنة لولا اعتراض واشنطن الأخير في مجلس الأمن؟
ثم ماذا بعد، إذا افترضنا تحقق ذلك، هل سوف نرى ممثلاً لأبو محمد الجولاني يشغل منصب كبير المفاوضين في هيئة التفاوض؟ أم أن الأمر مقصور على المحافظة على جبهة النصرة لتحقيق مكاسب وطموحات أخرى كما هو مُرجّح.
إن جبهة النصرة لم تستطيع السيطرة على حقول النفط كما فعلت الدولة الإسلامية وبالتالي هي لا تملك موارد تمويل ذاتية وهذا يعني بأن هناك من يمدها بالمال والسلاح وله مصلحة باستمرارها، فالأتراك استعملوها ولا زالوا في مقارعة الأكراد، والقطريين يرون فيها استثمار يدعم مشروعهم الخاص، والسعوديين يبحثون عن ضوء في نهاية النفق بعد تخلي الحليف الأمريكي عنهم، والأمريكان يلعبون على التوازنات وقد سبق لهم في غرف “الموك” التغاضي على التعاون مع جبهة النصرة عبر وسيط عادة كجمال معروف وفصيله وذلك قبل أن تنقلب جبهة النصرة عليه فيما بعد.
يدرك الأميركان جيداً بأن هذه التنظيمات تملك مشروعها الجهادي الخاص وبالتالي لا يمكن التنبوء بحركتها التالية ولا الإطمئنان لها مهما أبدت من مرونة وتعاون، فهي ما أن تملك تمويلها الذاتي حتى تنقلب على ممولها وهذا ما حدث في أفغانستان سابقاً وفي ليبيا لاحقاً وما الدولة الإسلامية عنهم ببعيد.
ما نحن متأكدون منه بأن الطبخة في سوريا لم تنضج بعد رغم هذا الغزل والتعاون الروسي الأمريكي المستمر، فكل يملك مفاتيح الحل والتعطيل ويقوم بتوظيفها بحسب مصالحه على طاولة المفاوضات، في حين يبقى الدم السوري هو سلعة انسانية وورقة ضغط أخرى بيد أصحاب المصالح والقرار.
لم تنتهي معركة حلب ولن تنتهي بحسب الكثير من التصريحات والتوقعات، فهي بيضة القبان في المفاوضات السياسية المقبلة في جنيف، والتي سوف تستمر حتماً بعد أن يعيد كل فريق ترتيب أوراقه ويحصي مكاسبه، ولكن ما هو واضح بأن الشعب السوري بشقيه الموالي والمعارض لن يكون هو المنتصر في النهاية رغم كلام السيد دي مستورا بأن شهر أيار/مايو سوف يكون مهماً لسوريا وللسوريين.