on
Archived: ذا نيشن: سورية، صعود (داعش) ومخاطر سياسة تغيير النظام
جيمس غاردن- ذا نيشن: ترجمة عبد الرحمن الحسيني- الغد
نقلت الهجمات الإرهابية التي وقعت في باريس يوم 13 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي تركيز تفكير كبار مسؤولي الإدارة الأميركية إلى الكيفية التي تجب بها مخاطبة التحديات الكثيرة التي يشكلها تنظيم “داعش”، الذي ينظر إليه على أنه تهديد متنام لمصالح الأمن القومي الأميركي في الوطن والخارج على حد سواء.
أثناء الإدلاء بشهادته أمام لجنة القوات المسلحة التابعة لمجلس النواب الأميركي مؤخراً الماضي، أعلن وزير الدفاع الأميركي، أشتون كارتر، صراحة: “إننا في حالة حرب مع الدولة الإسلامية في العراق والشام”. وقال كارتر الذي كان يتحدث إلى جانب رئيس هيئة أركان القوات المسلحة الأميركية، الجنرال جوزيف دنفورد، للجنة، إن الإدارة تخطط لنشر قوات من جنود العمليات الخاصة لاصطياد قادة “داعش” في سورية، في تزامن مع نشر”قوة استهداف استكشافية خاصة” في العراق، والتي ستعمل على “تنفيذ الغارات وتحرير الرهائن وجمع المعلومات الاستخبارية”، مع جلب القتال إلى معاقل “داعش”.
لكن هناك مشكلات عدة ينطوي عليها تصور كارتر للمشكلة، بالإضافة إلى الحل الذي يقترحه.
إننا إذا كنا حقاً في حالة حرب، كما ادعى كارتر، فعندها سيكون عليه وعلى أوباما تقديم بعض التفسير، بالنظر إلى كون هذه الحرب تشن في ظل غياب كامل لتفويض من الأمم المتحدة أو تخويل من الكونغرس (من غير الممكن القول بطريقة معقولة إنه يمكن تطبيق التخويل باستخدام القوة العسكرية بعد 14 عاماً تقريباً من تمريره الأولي ضد مجموعة، ولم تكن “داعش” موجودة في حينه).
عندما تعرض للضغط للدفاع عن ادعائه بأننا في حالة حرب، تردد كارتر قليلاً، ثم أقر بأنه بينما ربما يكون الأمر كذلك من الناحية الفنية، فإنه “يصنع شعوراً بذلك بالنسبة لشعبنا”.
لكن هذا “الشعور” سمح بصعود حل يكسر تعهد الرئيس أوباما بعدم إرسال قوات برية للقتال ضد “داعش”. وبالنسبة لنية كارتر استخدام هذه “القوة الاستكشافية الاستهدافية” الجديدة لتحرير الرهائن، فإننا قد نسأل بشكل معقول عما إذا كنا على وشك إهدار أرواح أميركية من أجل إنقاذ رعايا أجانب أو أعضاء من المعارضة السورية المعتدلة الخرافية، المؤلفة بشكل رئيسي من أعضاء من المجموعتين الإسلاميتين الراديكاليتين “جبهة النصرة” و”أحرار الشام”.
في الأثناء، تتشبث الإدارة والكونغرس بمطلبهما بأن يغادر الأسد المسرح، والسبب وفق كلمات الديمقراطي عن ولاية كاليفورنيا وعضو اللجنة المرموق، آدم سميث، هو أن “الأسد يغذي داعش”. وإذا كان ذلك صحيحاً، فإن ما سيعقبه هو أننا إذا أزحنا الأسد، فإن “داعش” إما أ) سينتهز الفرصة ويعلن انتصاره؛ أو، ب) سينبذ الإرهاب وينضم إلى ائتلاف حاكم مع المعارضة السورية “المعتدلة”؛ أو، ج) سينهار بمجرد حرمانه من الأسد باعتباره عدواً يمكن الحشد ضده.
ولكن، مع معرفة ما نعرفه الآن عن “داعش”، هل يمكن تعقب إمكانية تحقق أي من هذه السيناريوهات بشكل منطقي؟
كما أوضحت جلسة الاستماع يوم الثلاثاء، فقد سقط الساسة وصانعو السياسة فريسة مرة أخرى لإغواء أن يظهروا “قساة” في وجه التطرف الإسلامي. وفي الحقيقة، برر كارتر نشر قوات برية جديدة عبر الادعاء بأنها “ستجعل الأعداء على معرفة بأنهم لا يستطيعون أن يعرفوا من الذي قد يأتيهم في الليل من النافذة”، وهذا خطاب مقتبس من حلقة سيئة من “أرض الوطن” أو “24”.
ومع ذلك، ثمة استثناء واحد من هذه الجولة الأحدث من الطريق الدائري الشاذ، هو النائب الديمقراطي عن هاواي تولسي غابارد، الذي حذر من كارتر من أن عملياتنا العسكرية أحادية الجانب في السماء فوق سورية تنطوي على خطر احتمال الاشتباك بين الولايات المتحدة وروسيا، بل إنها ربما تلامس شفير “قيام حرب نووية كارثية”. وهذه نقطة مهمة، على الأقل لأننا نعرف النزر اليسير عن ديناميكيات تصعيد الصراع.
يبدو غابارد، مخضرم حرب العراق الذي يحمل رتبة ميجر في جيش الحرس الوطني في هاواي، وأنه يفهم أن ما يحدث غالباً على جانب الطريق في الهرولة ليبدو المرء “قاسياً”، هو أي رغبة في دراسة ما إذا كانت السياسة الأميركية قد أسهمت، ضمناً أو صراحة، في صعود “داعش”.
ويجلبنا ذلك إلى واحد من الملامح الأقل بروزاً للأزمة السورية، وهو الدور الذي لعبته الحكومة الأميركية في تسعير أوار القلاقل المدنية التي كانت قد بدأت في آذار (مارس) من العام 2011.
في وقت مبكر، هو شهر نيسان (أبريل) من ذلك العام، أجبرت وزارة الخارجية الأميركية على الاعتراف بأنها كانت قد وجهت 12 مليون دولار على الأقل لمجموعات معارضة الحكومة. وعندما وقعت مواجهة عنيفة بين نظام الأسد والمعارضة في حماة في تموز (يوليو) 2011، قرر السفير الأميركي في سورية، روبرت فورد، السفر إلى هناك في عرض تضامني مع المعارضة.
وفي ذلك الوقت، قالت وزارة الخارجية “إن قصد فورد الجوهري كان التوضيح بشكل مطلق أن تواجده الفيزيائي” هناك يعني أن الولايات المتحدة تقف إلى جانب “أولئك السوريين الذين يعبرون عن حقهم في المطالبة بالتغيير”. ومما هو قابل للتنبؤ به أن رحلة فورد أغضبت الحكومة السورية التي ادعت بطريقة استشرافية، كما تبين لاحقاً، أن المعارضة كانت تتكون من “مجموعات سلفية مسلحة”.
قبل وقت طويل، كشفت منظمة “هيومان رايتس ووتش” أن أجزاء من المعارضة المسلحة، بما فيها الجيش السوري الحر المقدس، كانت ترتكب جرائم حرب في الوقت نفسه الذي كانت فيه الإدارة قد بدأت بتكرار لأزمتها المتواصلة التي كشفت عنها أول الأمر في آب (أغسطس) من العام 2011: “الأسد يحب أن يرحل”.
وهكذا، إذا كانت ثمة فضيحة للسياسة الخارجية الأميركية في الأعوام الأخيرة، فهي ليست بنغازي، وإنما ما يلي: إن الهوس الأميركي بتغيير النظام قد أفضى إلى كارثة إنسانية بعد الأخرى، في سورية وفي ليبيا وفي مصر وفي أوكرانيا.
إن هذا الملمح من “الاستراتيجية” الأميركية هو ما يحتاج إلى المخاطبة وفي الحال. لأنه وحتى نتأقلم مع حقيقة أن هوس حكومتنا بتغيير النظام إنما ينثر بذور عدم الاستقرار في عموم العالم، فإنها لا توجد أي “استراتجيات” كتلك التي اقترحها الجنرالان، دنفورد واشتون كارتر، يوم الثلاثاء، والتي ستحدث أي فارق. وإنما سوف نقع في الأخطاء نفسها مرة تلو الأخرى.