on
Archived: سيناء دباغ: أيّها الشّرق الفخيم ماذا دهاك؟
سيناء دباغ: سوريا مباشر
لا تزال بلاد المشرق مرتع لعروش الدكتاتوريات و الأحزان و قصتها مع الاستبداد لا تزال تملأ المعمورة و تبثها المحطات الإخبارية (أو ربما قد ملت من ذلك)! و االغريب أن الاضطهاد بقي السّمة السّائدة في المشرق رغم حركات الانعتاق و مسيرات الحرية التي ذهبت بمعظمها في مهب الريح دون الوصول إلى نتائج حقيقية مقنعة. و يُعد ّ عبد الرحمن الكواكبيّ واحداً من روّاد مفكري الشرق الذين حلّلوا الاستبداد و أطيافه عبر دراسة نفسية اجتماعية و سياسية في كتابه الشهير “طبائع الاستبداد و مصارع الاستعباد”. و لكن هل كان الكواكبيّ يعلم أنّ كتابه الذي شبّهه “بكلمات حقٍ- صيحة في واد” سيذهب أدراج الرياح, و أنّ “الباب الصغير” الذي حاول فتحه في “أسوار الاستبداد”, لم يوسّعه الزمان كما تمنى, بل ضاقت عوالم الشرق بقصص الموت و القهر حتى هجرها أهلها.
إنّ الفريد في “طبائع الاستبداد” – على الرغم من بعض أجزائه القابلة للجدل- أنّه يرصد الاستعباد و مسبباته المتعددة عبر مساريين متبانيين: الأول – و هو الأكثر شيوعاً- يمر فيه الكاتب على سيكولوجية المستبد و هواجسه و مخاوفه و أساليبه في استعباد شعبه. و المسار الثاني- و هو ما يميّز الكتاب كرؤية فريدةٍ سابقة لزمانها- يحدّد و يفصّل مسؤؤلية “الرعية” في تمكينها الراعي الظالم, و استهانتها في تمرير و سائل القمع للدكتاتور.
و على الرغم من أن الرعية غير معفيّة من انتشار داء الاستبداد في المجتمع , إلّا أنّ الكواكبيّ يقسمها لثلاث بيوت: ” بيوت علم و فضيلة, و بيوت مال و كرم, وبيوت ظلم و أمارة, و هذا الأخير هو القسم الأكثر عدداً و الأهم موقعاً…و هم جُند المستبد الذين يجتمعون تحت لوائه بسهولة”. فالدكتاتور يحتاج لرعية يمارس عليها ساديته و إجرامه, و يستلذ بخنوعها و تزلفها. و حسب تحليل الكواكبيّ, كلما كانت تللك الرعية منحدرة من بيوت الكرم و العلم كلما استعصت على المستبد, لذلك فهو يستخدم العوام لنشر بلائه في البلاد, فالعوام- حسب رأيه- “هم قوة المستبد…بهم و عليهم يصول و يطول, يأسرهم فيتهللون لشوكته, و يغصب أموالهم فيحمدونه على إبقائه حياتهم, و يهينهم فيثنون على رفعته…ويسوقهم للموت فيطيعونه… و الحاصل أنّ العوام يذبحون أنفسهم بأيديهم”. قد يبدو الكواكبيّ قاسياً في تحليله المسؤولية المترتبة على المجتمع الذي يغذّي النزعة الدكتاتورية و يقويّ شوكتها في الدول, إلّا أن المتأمل في تاريخ المشرق وو اقعه المعاصر يجد أن تحليله سليماً . فا لأمراض الاجتماعية هي نتاج أفراد المجتمع كلّه, و الدكتاتورية و الفقر و الجهل ليست إلا غيض من فيض هذه الأمراض. و لأنّ بيوت الظلم و الأمارة هي الأكثر شيوعاً في الشرق و فيها تلّقى الشّرقيّ علومه الانسانيّة و الاجتماعيّة الأولى, نراها السبب الرئيسيّ في هدم بيوت الكرم و العلم, و الدافع وراء هجرة سكانها لدولٍ و وجهاتٍ أخرى في العالم, الأمر الذي سهّل على المستبد بناء مملكةٍ من الخوف.
لقد تجذّر القمع في تلك البلاد حتى أصبح موروثاً طبيعياً تتناقلة الأجيال بلا تردد. إنّ الشفاء من هذا الموروث لا يأتي بجرعة سحرية عجيبة بإزاحة الدكتاتور عن عرشه المزيّف, فرحيل الدكتاتور هو الخطوة الأولى في رحلة الألف ميل, و بعد رحيله تبدأ مرحلة العلاج من أمراض اجتماعية زُرعتْ في جنبات بيوتنا كأعشاب سامة لا تنفك تأتي على محاصيل الحرية و السلام لتعود و تنشر بذور الخوف ثانيّةً. و هنا يذكّرنا الكواكبيّ أنّ “قصر المستبد في كلّ زمان و مكان هو هيكل الخوف نفسه …و الناس هم الأسرى الذين يقدمون قرابين الخوف”. و قد شاهدنا إندثار أكثر الدكتاتويات عتاوةً في المشرق دون أن تُهدّ مدارسهم أو يندثر موروثهم. فالاستعباد هو منظومة اجتماعية متكاملة يستوجب مواجهتها بكليتها و ليس بجزئيتها المتمثلة بالحاكم الفرد المطلق. و بالتأكيد لا يمكن أنْ نعفِ المستبد من كونه المجرم الأول و “الوصي الخائن القوي”. و لكن يستوجب علينا التطرّق إلى زاوية أخرى لفهمٍ أكبرٍ للمشهد الدكتاتوري المعقد, و لطرح سؤال تبقى إجابته في عهدة التاريخ عن سبب ابتلاء الشرق بوباء الاستبداد و غفلته عن تصليح مساره نحو الديمقراطية و العدالة. و ربما من العدل أن نختم بسؤال الكواكبيّ عندما قال: “و أنت أيّها الشّرق الفخيم , رعاك الله, ماذا دهاك؟ ماذا أقعدك عن مسراك, أليست تلك الأرض أرضك ذات الجنان و الأفنان و منبت العلم و العرفان…ماذا أصابك فأخلّ نظامك, و الدهر ذاك الدهر, ما غيّر وصفك؟”