Archived: د .حبيب حداد: ثلاثة مستلزمات من أجل الحل السياسي لإنقاذ سورية

د. حبيب حداد: كلنا شركاء

لا نريد ان نقول عنها او نصفها بالعقبات الثلاث التي ما تزال تقف في طريق الحل االسياسي الوطني التفاوضي لانقاذ سورية المدمرة ,لكننا ننطلق من نظرة موضوعية في تقييم مختلف الخطوات والجهود التي تبذل حاليا وعلى مختلف الأصعدة لتوفير المستلزمات  والظروف الملائمة لوضع حد للمأساة السورية التي بات استمرارها يشكل تهديدا لأمن واستقرار المجتمع الدولي كله . فاذا كان المطلوب منا نحن السوريين ان نتعاطى مع تلك الجهود والمبادرات بطريقة صحيحة تتفق ومصالح شعبنا فان علينا ان نسأل انفسنا أولا ,ما اذا كنا  قد استخلصنا واستوعبنا حقا دروس وعبر السنوات الخمس الماضية التي انقضت على ثورة شعبنا السلمية من اجل الكرامة والديمقراطية والمساواة , وما اذا كانت عملية المراجعة تلك قد انعكست بنتائجها الايجابية المفترضة في وعينا وسلوكنا وفي ممارساتنا ورؤيتنا نحو الغاية المنشودة والتي هي بلا شك بناء سورية الجديدة ؟.

فهل نستمر مثلا أو نقلع عن اتهام دول العالم بأنها خانت قضيتنا او تخاذلت عن تعهداتها بالقيام بما هو اساسا دورنا في انهاء نظام القهر والاستبداد والفساد ؟ وهل يجوز لنا ان نستمر في تغطية أخطائنا والتستر على خطايانا عندما واصلنا  استخدام ذلك المنطق المغلوط بأن الذي خلق داعش وجبهة النصرة وغيرهما من المظمات الارهابية هو امريكا تارة ,وهو اسرائيل تارة اخرى وهو روسيا وايران  والنظام السوري تارة ثالثة وهو كل هؤلاء مجتمعين تارة رابعة ؟ دون ان نتحدث عن أونشخص الأسباب الحقيقية لكل ظواهر الإرهاب التي تعود اساسا الى تخلف مجتمعاتنا الثقافي والفكري والسياسي والاجتماعي بسبب الفقر والجهل والحرمان والتهميش والاستبداد وبالتالي  نتيجة الفوات والتأخر عن مواكبة مسار التطور العالمي بعدة قرون. هذا هو الواقع في رأينا أما كيف تشجع القوى المعادية والعديد من الأطراف الدولية تلك المنظمات الارهابية وتستخدمها في صراعاتها وفي خدمة اغراضها فذلك موضوع آخر .

اول تلك المستلزمات وأهمها ما يتعلق بالتوافق الدولي بين الدول المعنية بالمسألة السورية . لقد قطع هذا التوافق حتى الآن مرحلة هامة لا بد من تعزيزها والبناء عليها بغية استكمال وتحديد اولويات الاجراءات العملية التي لا بد منها . كما هو معروف لقد وضع لقاء فيينا 2 الذي جمع هذه الدول الاطار العام لوضع قاطرة الحل السياسي على السكة الصحيحه . وما نأمله هو ان يشكل لقاء هذه الدول اليوم في نيويورك دفعة جديدة في هذا المسار لتحديد الخطوات العملية الملحة  والتي سيجري اقرارها من قبل مجلس الأمن من اجل توفير المناخ المساعد الذي يعيد للانسان السوري المعذب الحد الادنى من الثقة بامكانية تجاوز هذه المأساة في اقرب أجل ممكن . ولا شك ان اول مطلب لشعبنا الأن هو ايقاف هذه الحرب العبثية المدمرة كي يتوقف نزيف المجتمع السوري  وكي تتوقف افواج اللاجئين السوريين عن التشرد والنزوح خارج وطنها الأم . لعل أولئك الذين انساقوا سواء بوعي او بغير وعي ,طوال السنوات الأربع الماضية , الى تأييد والعمل على عسكرة الحراك الشعبي والذين انخرطوا في اجندات الدول الإقليمية والأجنبية ,يدركون اليوم جيدا الى أين قادت مواقفهم

وما ذا كان حصاد ممارساتهم عنما اسهموا في حرف مسار الثورة الى المربع الذي كان يريده النظام ,  وتريده في الوقت نفسه القوى الاقليمية التي لا تريد الخير لسورية . ولقد اعربنا دائما ومن خلال تفاقم ابعاد الأزمة التي عاشتها بلادنا طوال السنوات الماضية انه بعد فشل المعارضات السورية في تجسيد ارادة شعبها واعطاء الصورة الحضارية لهوية ثورته التحررية سيأتي ذلك اليوم الذي يمكن ان يتحقق فيه التوافق الدولي , الذي يبنى على تقاطع مصالح تلك الدول ذات التأثير في الشان السوري وفي اوضاع المنطقة بصورة عامة .

لقد ادت عسكرة الثورة وفقدان الشعب السوري لقراره الوطني المستقل في تقرير مصيره وصنع مستقبله ,هذا الوضع الذي تتحمل مسؤوليته المعارضات السورية بالدرجة الأولى ,ادى ذلك الى تدويل القضية السورية , والى ان يكون الحل كما نشهد في الوقت الحاضر رهن توافق المجتمع الدولي وبصورة رئيسية توافق كل من روسيا الاتحادية والولايات المتحدة الأمريكية . ونحن هنا لا نتنكر لحقائق الواقع اذا ما اعترفنا ان التوافق الدولي هذا ,ومن خلال تقاطع مصالح اطرافه بشان ايجاد حل للمسالة السورية ,هو الأرضية  والمنطلق الذي لا بد من التعامل معه بكل فعالية وبروح ايجابية  ,لكي يمكن لنا ان نسهم في توجيه هذا الحل في منحى الاستجابة ولو بصورة مرحلية مع مطالب شعبنا .

أما ثاني تلك المستلزمات التي ينبغي توفرها لتدشين الانطلاقة الجادة في مسار الحل السياسي التفاوضي فهي المتعلقة بتاهيل او تحضير الوضع الاقليمي المتورط او المنخرط فعليا في الأزمة السورية . وكما اصبح معروفا للقاصي والداني ان معظم دول الاقليم والمجموعات الارهابية المرتبطة بها سواء منها التي تقاتل الى جانب النظام اوتلك التنظيمات الأصولية الأخرى التي لا علاقة لها بحياة العصر ولا بكل القيم الوطنية والانسانية , هي التي تشكل الأن العائق الأكبر في طريق نجاح الحل السياسي المطروح  .

من وجهة نظرنا ان هذه المعضلة يمكن تجاوزها من خلال قرارات واضحة لمجلس الأمن الدولي بعزل هذه المجموعات الارهابية ومواجهتها  العسكرية  من قبل كل قوى التوافق الدولي المستعدة للانخراط في هذه المهمة المشتركة . من جهة اخرى لا بد ان تلزم قرارات مجلس الأمن الدول التي تحرك تلك المنظمات وتمدها بكل الامكانيات اللوجستية ان تتوقف نهائيا عن ذلك تحت طائلة المسؤولية . واذا كان للمواجهة العسكرية المباشرة للمنظمات الارهابية على الأرض السورية قيادة موحدة  تنسق وتشرف على ادارتها ,تلك المواجهة التي تستوجب وجود قوات برية فاعلة على الأرض ,فلا بد ومن منطلق المسؤولية الوطنية وتأمين عوامل النجاح المطلوب ,ان يكون للجيش العربي السوري ,ولفصائل الجيش الحر دور اساسي في هذه المهمة .

ثالث تلك المستلزمات التي لا بد من توفرها لكي تمضي مسيرة الحل السياسي التفاوضي في طريقها المأمون وتبلغ غايتها بأقل قدر من المصاعب والعقبات أو الإنتكاسات هي تلك المتعلقة باوضاع المعارضات السورية التي كان يفترض فيها ان تمثل في هذه الظروف الاستثنائية دور العامل الذاتي المغيب  اي ان ترفع صوت شعبها و تعبر بكل كفاءة ومصداقية عن معاناته المريرة التي طالت وعن مطالبه العادلة وطموحاته المشروعة في التغيير الشامل الحقيقي وبناء النظام الديمقراطي العلماني البديل .

لقد كان المأمول والمنتظر  من هذه المعارضات ان تلعب هذا الدور المبادر اذا ما تسلحت بالعزم والتصميم ,وامتلكت الرؤية الصائبة بوحي تضحيات شعبها التي تجاوزت كل الحدود, لكن الواقع مع الأسف كان غير ذلك ,لأسباب عديدة ومتداخلة ليس المجال هنا لاعادة التذكير بها . فهل يمكن للمعارضات السورية ان تتجاوز واقعها الراهن فتتمكن من ايجاد هيئة اوجسم حقيقي يمثل فعلا ارادة الشعب السوري في هذه المرحلة ؟.

محاولات عديدة قامت بها اطراف المعارضات السورية في هذا المجال للتوصل الى كيان ما اوهيئة مخولة بالتعبير عن صوت الشعب السوري في مرحلة التفاوض الانتقالية  وكان أخرها مؤتمر الرياض الذي لم يرق الى المستوى المطلوب ولم يحقق الغاية المرجوة منه لأسباب عدة حالت دون نجاحه .

من تلك الأسباب عدم تمثيله المقنع لجميع اطراف المعارضة السورية الوطنية , وعدم وضوح الرؤية السياسية التي طرحها لانجاز عملية التغيير الديمقراطي , والأخطر من ذلك كله موافقته على رهن القرار الوطني المستقل .

للخلاص من هذا المأزق الذي وضعت اطراف المعارضة السورية نفسها فيه حيث انها وباعتراف بعضها بما في ذلك  اطراف وشخصيات عديدة شاركت في مؤتمر الرياض   تبدو بوضعها الحالي قاصرة  عن مواجهة متطلبات المرحلة ,و متخلفة  في مواقفها عن مستوى التوافق الدولي حول المسالة السورية  , كما يخشى بوضعها هذا  ان تقدم صورة مهزوزة وغير مؤهلة في تفاوضها مع النظام  ,هذا الوضع الذي يحتم عليها ان تتجاوزه  وتجد الحل المناسب له بما يخدم المصلحة الوطنية .

ومن جهتنا فقد عبرنا دائما وفي مناسبات عدة عن وجهة نظرنا انه نتيجة لأسباب ذاتية وموضوعية عاشتها المعارضات السورية سواء طوال اربعة عقود في ظل نظام الاستبداد ام طوال السنوات الخمس الماضية فان جهود الأمم المتحدة بشخص المبعوث الدولي الخاص بسورية تظل ضرورية ومطلوبة للوصول الى تشكيل هيئة مقنعة وذات مصداقية لتمثيل الشعب السوري  في عملية التفاوض في مسار الحل السياسي على اساس قاعدة جنيف1 وتوافقات المجموعة الدولية وقرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة.  . 

اقرأ:

د. حبيب حداد: مصير سورية بين تحديات الحاضر ورهانات المستقبل