Archived: واشنطن بوست: مقتل زاهر الشرقاط في تركيا يشير إلى خطر انتشار داعش إلى مسافات بعيدة قاتلة

هوغ نايلو-واشنطن بوست: ترجمة مركز الشرق العربي

بعد ظهر يوم ماطر، تجمع الناس في مقبرة تصطف على جانبيها الأشجار لتوديع متمرد كارزمي وعدو صريح للدولة الإسلامية.
ذرف المشيعون الدموع بينما كانوا يكشفون عن وجهه الكفن الذي يلفه والذي يحمل علم المعارضة السوية ذو الثلاث نجوم. وأشادوا بشجاعته في مواجهة قوات الحكومة وتحديه للمتطرفين الإسلاميين الذين حاولوا ركوب التمرد.
ولكن الطريقة التي انتهت بها حياة زاهر الشرقاط أثارت الرهبة في قلوب مشيعيه.
كما يبدو فإن أحد متطرفي الدولة الإسلامية لاحق الرجل الذي يبلغ ال36 من العمر في مدينة غازي عنتاب التركية وأطلق النار على رأسه. لقد كان زاهر الشخصية البارزة الرابعة التي تنتقد الدولة الإسلامية ,التي تغتال خلال الشهور الستة الماضية في جنوب تركيا. خارج معاقل الدولة الإسلامية في سوريا.
يقول متمرد سابق يبلغ ال 24 من العمر كان ممن حضر الجنازة في نيزيب، وهي بلدة تبعد حوالي 30 ميل شرق غازي عنتاب :” إننا لسنا آمنون هنا في تركيا. داعش تراقبنا في كل مكان”. وكما هو حال جميع السوريين الذين لجأوا إلى المنطقة، يرفض الرجل الكشف عن هويته لخوفه من داعش.
بعد ظهوره كقائد للواء متمرد ومن ثم مذيع تلفزيوني، خرج الشرقاط في النهاية إلى جنوب تركيا بحثا عن الأمان. ولكن حتى في المنفى، لم يكن في وسعه الهرب من خصومه الإسلاميين المتطرفين.  
أكدت الدولة الإسلامية مسئوليتها عن قتله، في هجوم أظهر أن في إمكان الجماعة أن تضرب خارج مراكز قوتها على الرغم من الخسائر المتزايدة في الجبهات في كل من العراق وسوريا. شن مقاتلوها هجمات استهدفت باريس وبروكسل وبيروت. في تركيا، أدت تفجيرات الجماعة المتعددة خلال عالم الماضي إلى مقتل العشرات من الأشخاص.
ولكن يبدو أن الدولة الإسلامية أصبحت تشن هجمات من نوع مختلف ضد الصحفيين والناشطين والمتمردين السابقين في سوريا ممن يعيشون في المهجر في جنوب تركيا والذين يعملون لفضح الفظائع التي ترتكبها المجموعة. يشك الكثيرون في أنها تدير شبكة من المخبرين والمساعدين الذين يراقبون المعارضين ومن ثم يقطعون رؤوسهم في بيوتهم أو يطلقون النار عليهم في الأزقة.
خلال العام الماضي، فرضت السلطات التركية رقابة على الحدود التي كانت رخوة في السابق والتي تمتد على طول 500 ميل مع سوريا في محاولة منها لوقف تدفق المسلحين. ولكن المخاوف تصاعدت بأن الجماعة تعمل ضمن 2 مليون لاجئ داخل تركيا، إضافة إلى عملها بين المواطنين الأتراك.
يقول حسام عيسى وهو ناشط يبلغ ال 27 من العمر من منظمة “الرقة تذبح بصمت” السورية الذي غادر تركيا مؤخرا تركيا إلى ألمانيا ” إنهم يلاقوننا حقا حتى داخل تركيا”.
في حالة قتل شنيع حصلت في أكتوبر الماضي، قام عنصر من الدولة الإسلامية بإطلاق النار على اثنين من الناشطين في شقتهم في مدينة سانليورفا ومن ثم قطع رأسهما. أحد الضحايا، وهو إبراهيم عبد القادر، كان يعمل مع عيسى في الرقة تذبح بصمت، فاز بجوائز بسبب تحمله مخاطر كبيرة لتوثيق فظائع الدولة الإسلامية.
العديد من ناشطي المجموعة يقيمون في تركيا، ولكن البلاد أصبحت خطيرة جدا بحيث أن عددا منهم انتقلوا إلى أوروبا.
قال عيسى، الذي استقر في ألمانيا بسبب التهديدات التي تعرض لها:” إنهم يعرفون أين كنا نقيم ونعمل في تركيا. حتى إنهم لاحقوا أصدقائي في الرقة”.
في الأشهر السبعة التي عاشها في تركيا، تلقى الشرقاط مكالمات دائمة ورسائل نصية، وفقا لما ذكرته أسرته وأصدقاؤه. بعض التهديدات كانت تأتي من الحكومة السورية، وكثيرا منها من الدولة الإسلامية كما قالوا.
في ديسمبر، تعرض صحفي سوري وصديق الشرقاط ناجي الجرف إلى إطلاق نار قتل على إثره في الوسط التجاري في غازي عنتاب على يد قاتل استخدم مسدسا كاتما للصوت. أنتج الجرف فيلما وثائقيا عن القتل الممنهج الذي تمارسه داعش للناشطين المناوئين للحكومة في مدينة حلب الشمالية. ويعتقد أن داعش هي المسئولة عن مقتل الجرف.
ولكن الشرقاط رفض التوقف عن الحديث ضد تفسيرات الجماعة المتطرفة للإسلام وهجومها على قوات التمرد المعتدلة وفقا لما قاله باري عبد اللطيف، وهو معارض نشأ مع الشرقاط في مدينة الباب وهي بلدة تقع شمال سوريا.
قال عبد اللطيف، المستقر في تركيا :” القول إنه كان شجاعا فيه تبخيس من حقه. يجب أن تكون مجنونا من نوع ما لكي تقوم بما فعله”.
خلال العامين الماضيين، قدم الشرقاط برامج على قناة حلب اليوم المعارضة حيث عادة ما يستضيف أشخاص يتهمون داعش بتقويض التمرد الذي دخل عامه الخامس ضد الرئيس السوري بشار الأسد.
في برنامج بث قبل أيام من مقتله، استضاف الشرقاط قائدا متمردا وصف حكومة الأسد بأنها أكبر راع لداعش. واستشهد بقيامها بإطلاق سراح السجناء الإسلاميين من السجون، من بين جهود محسوبة أخرى لتمكين المتطرفين ضد قوات التمرد المعتدلة.
يظهر الشرقاط على شاشة التلفاز مرتديا نظارته الطبية وعادة ما يستخدم الوقت المتاح له ليتحدث عن تفسيرات داعش الدينية التي يستخدمها لتبرير وحشيته. السلاح المهم في انتقاده الديني هو الدرجة الجامعية التي يحملها بتخصص الدراسات الإسلامية من جامعة دمشق والتحاقه بالصوفية، وهو شكل من أشكال الإسلام المعروف بتسامحه.
قال أنس الشقيق التوأم للشرقاط :” كانت داعش تخشى منه لأنه يظهر أن ممارساتهم لا تمت للإسلام بصلة. إنهم حيوانات متوحشة لا أكثر ولا أقل”.
بدأ خلاف الشرقاط مع داعش قبل أعوام في الباب، حيث أسس جماعة من المتمردين خلال المراحل الأولى من الانتفاضة السورية. بدأ القتال ببنادق الصيد، وأخرجت مجموعته القوات الحكومية من الباب ومن ثم انضموا إلى جماعات متمردة أخرى للهجوم على مدينة حلب قرب الباب.
في نهاية عام 2013، ومع تصاعد قوة مقاتلي داعش، بدأ مقاتلو الشرقاط بقتال الجماعة. حتى أنه اضطر للمواجهة الشهيرة مع الجماعة للسيطرة على مسجد الباب الرئيس، والتي نتج عنها وقوف غالب سكان المدينة إلى جانبه.
ولكن متمردي الباب المعتدلين هزموا بسبب تفوق نيران داعش والعنف المطلق الذي كانت تمارسه.
وبالتالي أخرجتهم داعش من المدينة، وأقام الشرقاط في المناطق التي يسيطر عليها المتمردون في حلب. هناك، وفقا لما قاله الأصدقاء وأفراد من عائلته واجه عدة محاولات اغتيال واختطاف، مما جعله يقتنع في نهاية المطاف بالمكوث في غازي عنتاب.
في 10 أبريل، وبينما كان الشرقاط يصطحب زوجته الحامل إلى محطة الحافلات في وسط مدينة غازي عنتاب تعرض لإطلاق النار. تظهر صور الكاميرات أن قاتله كان يمشي خلفه حيث سحب سلاحه النار وأطلق النار عليه ولاذ بالفرار بعد ذلك.
دفن الشرقاط في مقبرة صخرية مع شاهد قبر من الطوب في نيزيب، حيث يقيم أفراد من أسرته. حتى وسط الخوف الواضح من تحركات داعش لإسكات المنتقدين، فإن مئات من الأشخاص خرجوا في ذلك اليوم الماطر لشكر الرجل الذي رفض الخوف.
يقول منتصر أبو طالب، ذو ال 28 عاما، وصهر الشرقاط :” طبعا جميعنا نشعر بالحزن اليوم، ولكن ما وقع هو إرادة الله. وكل ما يمكنني أن أفعله هو ان أشكر الله على كل شيء”.