Archived: مؤسسة كارنيغي: التجربة الاسلامية.. النظام السياسي في الغوطة الشرقية

آرون لوند- مؤسسة كارنيغي: ترجمة مرقاب

تمثل منطقة الغوطة الشرقية على الأرجح أهم المناطق الواقعة تحت سيطرة المعارضة المسلحة في سوريا، من حيث قوة تسليحها وتدريبها وخطرها وقربها من العاصمة دمشق. وإذا كانت حكومة بشار الأسد ستنهار، فمن المرجح أن يكون ثوار الغوطة الشرقية أول من يخترق حصون العاصمة.
ولقد عانت مدن الغوطة الشرقية من أسوء أنواع الدمار بفعل القصف المدفعي والجوي العنيف من قبل نظام الأسد، إضافة إلى ضرب النظام لها بغاز الأعصاب  في “عام 2013” ، وذلك لاحتواء الغوطة الشرقية على آلاف المسلحين المناهضين لحكم نظام الأسد، ومع ذلك فقد تمكن ثوار الغوطة الشرقية من صد الهجمات الحكومية لأكثر من أربع سنوات، وهو أمر مع دلالته روح الثورة المتقدة في هذه المنطقة، إلا أنه يدل أيضاً على وجود نظام تنسيق وحكم محلي فريد تحت مظلة أقوى الفصائل في البلاد.

دور جيش الإسلام
 يعتبر جيش الاسلام الجماعة المسلحة الأكثر أهمية في الغوطة الشرقية، وقد تأسس عام 2011 على يد زهران علوش الذي اعتبره البعض من داخل المعارضة “العلمانية والديمقراطية” ديكتاتوراً، في حين رأى فيه بعض الإسلاميين المتشددين إما شخصاً يطمع بالسلطة لنفسه أو أداة للنظام الملكي السعودي.
ومع ذلك، فقد أصبح جيش الإسلام تحت قيادة زعيمه زهران علوش، قوة عسكرية كبيرة ومنظمة، بالمقارنة مع بقية الفصائل المشكلة عشوائياً في بقية المناطق، كما تمكن من إرساء شيء من النظام والاستقرار في الغوطة رغم شدة المعارك التي تخوضها على مختلف الجبهات.

القضاء الموحد
أعلنت الفصائل المسلحة الرئيسية في الغوطة الشرقية في “24 يونيو 2014” عن إقامة إدارة مدنية مشتركة يطلق عليها اسم (مجلس القضاء الموحد)، ثم تبع ذلك إنشاء النظير العسكري لها باسم (القيادة العسكرية الموحدة) بقيادة زهران علوش.
لم يخضع مجلس القضاء الموحد لسيطرة الفصائل المسلحة نفسها، بل قررت الفصائل مجتمعة على التخلي عن السيطرة على الشؤون القانونية إلى لجنة مكونة من علماء يلتزمون بالشريعة الإسلامية .
ترأس هذه الهيئة عدة محاكم في مناطق متمايزة جغرافياً ضمن الغوطة الشرقية، بالإضافة لامتلاك نظام الهيئة لفروع خارجية ،حيث يوجد مكاتب للتعامل بالقانون الجنائي، والشوؤن المدنية ، وقضايا الأحوال الشخصية، مما يجعل الجهاز الإداري واسع نوعا ما .

قبول واسع وإنفاذ صارم
كان مجلس القضاء الموحد يتمتع بدعم من سبعة عشر فصيلاً عسكرياً مختلفاً في صيف 2014 ، ومنذ ذلك الحين اختفت بعض الفصائل وانقسمت أخرى أو اندمجت مع بعضها بعضاً . وعلقت جبهة النصرة مشاركتها  في مجلس القضاء الموحد عدة مرات، وقد هدد زهران علوش في أبريل 2015 قائلاً “لن نسمح لجبهة النصرة ولا لأي جماعة أخرى بتشكيل محاكم خارج إطار القضاء الموحد”.
ليس لجيش الإسلام سيطرة على مجلس القضاء الموحد بل إنه خسر بعض القضايا في المحاكم، لكنه مع ذلك يمتلك نفوذاً كبيراً في الهيكلية السياسية العسكرية المؤطرة له، وظل هذا النفوذ يزداد أكثر فأكثر. ورغم تجاهل جيش الإسلام أحيانا لأوامر المحاكم، لكن “علوش” يصر على التزام باقي الأطراف جميعها بهذه الأوامر.
وتعامل علوش بقسوة وصرامة مع أي تهديدات تعرضت لها هذه المنظومة أو قيادته العليا. وكانت أبرز محاولة للخروج من هيمنة جيش الإسلام تشكيل عدد من الفصائل العسكرية الصغيرة تحالفاً تحت مسمى “جيش الأمة” في خريف عام 2014، فأعلن علوش عن رفضه الحازم والصريح لها، قائلاً: “لا يمكن أن يكون هناك رأسان لجسم واحد”.

استقرار نسبِيٌ جداً
عانى مجلس القضاء الموحد من الضعف البنيوي، فقد واجه صعوبات كبيرة مع الجماعات المسلحة والتنافس على الدخل المادي من عمليات التهريب. وتمتلك العديد من الفصائل سجوناً خاصة بها، رغم إقرارها بأن هذا أمر غير قانوني، فضلاً عن كون جيش الإسلام أكثر فصيل متهم بارتكاب مثل هذه الانتهاكات.
وبالرغم من هذه المشاكل، يعتبر مجلس القضاء الموحد من أنجح مشاريع الحكم في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في سوريا، فقد حافظ مجلس القضاء لمدة سنتين على درجة عالية نسبياً من التنسيق بين الجماعات المسلحة والدينية والسياسية المختلفة، إضافة إلى توفيره لشيء من الانضباط القانوني والنظام وسمح في بعض الأحيان للمواطنين العاديين برفع دعاوى على قادة الفصائل المسلحة.

مرحلة ما بعد زهران
في 25 ديسمبر 2015،  ُقتل زهران علوش في غارة جوية، فنسي الثوار من مختلف أنحاء سوريا فوراً الانتقادات السابقة التي وجهوها له وفاضت ألسنتهم بالثناء عليه والغضب لمقتله، ولكن هذا السيل الهائل من الحزن والغضب أيضاً، بدا مصحوباً بقلق حول “ما سيحصل للغوطة الشرقية “.
فقد كان خطر حدوث فراغ في السلطة أمراً مؤكداً إذا ما تعرض جيش الإسلام للانقسام، أو إذا تراجع نفوذه بسرعة كبيرة على نحو يزعزع استقرار هذا النظام أحادي القطب في الغوطة الشرقية. لكن على الفور، أعلن جيش الإسلام عن اختيار “عصام بويضاني”  قائداً عاماً لجيش الإسلام، خلفاً لقائده السابق “زهران علوش” ، وهو أمر يبدو أنه قد خطط له مسبقاً، حيث لم تلاحظ أي تلكؤات أو انقسامات تنظيمية بشأنه.
وبدا بويضاني أقل بروزاً بكثير من علوش خلال الأشهر القليلة الأولى من ولايته، لكن جيش الإسلام تحرك بجرأة إلى الواجهة السياسة الإسلامية السورية، وذلك بتأييده ومشاركته في مفاوضات “جنيف 3” مع نظام الأسد، ولكن ذلك أدى إلى خلافات كبيرة مع الإسلاميين الأكثر تطرفاً، مثل جبهة النصرة.
وختاماً يبدو أن الهيكلية الحالية خدمت الفصائل المسلحة في الغوطة الشرقية بشكل جيد، ولكن يبقى أن نرى ما إذا كان بإمكانها الاستمرار، فقد بدأت تظهر بعض الاضطرابات حالياً في الغوطة الشرقية، وذلك بعد سلسلة من الاغتيالات غير المفهومة، واتهام بعض الفصائل بعضها بالفساد والقتل. ولذلك يبقى السؤال هو: هل يستطيع النظام الذي أقامه زهران علوش الاستمرار دون اتخاذ إصلاحات كبيرة أو إجراء عمليات تطهير واسعة في المنظومة.

للاطلاع على المقال كاملاً من المصدر باللغة الإنكليزية يرجى الضغط هنا