Archived: د معتز محمد زين: المعرفة والقدرة .. عين بصيرة ويد قصيرة

د معتز محمد زين: كلنا شركاء

يبهره كلام المثقفين ، وتجذبه تعابير الأدباء ، وتأسر قلبه لمسات المبدعين ، ويستحوذ عليه عمق المفكرين وقدرتهم على تحليل الأمور وتفكيكها وقراءتها ..هو إنسان طموح ، يرغب أن يترك في الحياة بصمة ، ولا يريد أن يعيش على هامشها .. يكبر ويكبر معه طموحه في الصعود عاليا على سلم المعرفة والثقافة والعلوم .. يتنقل بين الكتب والمواقع ومراكز الأبحاث ، يقرأ ويتعمق ويشاهد الأفلام الوثائقية ويتابع ما يمكنه من محاضرات ، ويستمتع بالحوارات ، ويطلع على أهم إنتاجات الباحثين والأدباء والمفكرين والعلماء .. تتوسع مداركه ، وتزداد ثقافته ، وتكبر دائرة المعرفة لديه .. يبدو ذلك واضحا على شخصيته وكلامه ونظرته للأحداث وتحليله لمجرياتها .. ينظر للمسائل الشائكة بعين الفاهم الخبير.. يقلبها على جوانبها ويراها من أكثر من زاوية فتظهر الصور المشوشة في أذهان الآخرين واضحة في عقله ، وتزداد نتيجة لذلك ثقته بفهمه وإدراكه ومعرفته ..ثم يدخل في متاهات الدنيا وينخرط بتفاصيل الحياة العملية وتعرجاتها ويحاول إسقاط معرفته على واقعه .. وهنا تبدأ الصدمة ..

غالبا ما يستهلك الساعون نحو المعرفة معظم أوقاتهم وطاقاتهم في محاولة الاستحواذ على النصيب الأكبر منها .. فتتوسع لديهم تدريجيا دائرة المعرفة في الوقت الذي تتقلص فيه نسبيا دائرة التأثير .. ومع الزمن تصبح الفجوة بين الدائرتين كبيرة ، والمسافة التي تفصل بينهما واسعة .. كثيرا ما تتحول هذه المسافة إلى صحراء يضيع فيها صاحبها ويفقد القدرة على تحديد الاتجاهات ،أو إلى منحدر ينزلق فيه نحو الهاوية لينتهي إليها محطما أو ممزقا أو فاقدا للشعور .. هذه المسافة قد تشكل المصدر الأهم للأزمات النفسية والتوهان الذي يفرضه التناقض الداخلي والصراع المستمر بين المعقول والممكن ..

عندما تتسع دائرة المعرفة دون اتساع مواز لدائرة التأثير تحصل فجوة كبيرة بين ما تعرف وما يمكنك أن تفعل .. بين ما يمتد إليه بصرك وما تصل إليه يدك .. بين قدرتك على التحليل والتركيب وقدرتك على التأثير والتغيير.. ولعل من أصعب ما يواجهه الإنسان الطموح أن يمتلك الحل دون أن يمتلك أدواته ، وأن يبني شخصيته على مبادئ وقيم دون أن يتمكن من تطبيقها وممارستها ، وأن يتشرب أسس العدالة ويسبح في بحر من الظلم .. إن هذا التناقض قد يقود صاحبه إلى حالة من الانكسار الداخلي تنتهي به غالبا إلى أحد موقعين .. إما إلى الابتعاد عن المجتمع والانسحاب من الواقع ومن ثم رفضه وكراهيته والحقد عليه ، وإما إلى حالة من اللامبالاة والاستهتار ومن ثم الغرق في الملذات والعادات الضارة التي تساعده على الهروب من حالة التناقض الداخلي ولو إلى حين ..

يستوقفني في القرآن الكريم مشهد يحاكي تلك الحالة النفسية التي يعيشها صاحبها عند دخوله تلك المسافة التي تفصل المعرفة عن الواقع ، والمعقول عن الممكن .. عندما أتى قوم لوط إليه يطلبون منه ممارسة الفاحشة مع ضيوفه حاول إقناعهم استنادا لما يمتلكه من معرفة ومنطق وأسلوب لائق بالعدول عن هذا السلوك المنحرف ، لكنه لم يجد أي تجاوب .. لقد أعمتهم العادة وسيطرت عليهم شهوتهم المنحرفة إلى الحد الذي سمح لهم بالاعتداء على حقوق غيرهم وانتهاك خصوصياتهم واغتصاب كراماتهم ..لقد حاول لوط من قبل كثيرا تغيير شذوذهم وتقويم انحرافهم .. لم ينجح لوط في إسقاط معرفته على واقعه .. كان الحق واضحا أمام عينيه لكنه لا يستطيع أن ينفذه .. هاجت نفسه واضطربت ، وشعر بضيق شديد يكاد يمزق صدره فخرجت من أعماق روحه الحزينة تلك الكلمات التي خلدها له القرآن الكريم : ” لو أن لي بكم قوة ، أو آوي إلى ركن شديد ” .. لقد أدرك في هذه اللحظة أن المعرفة وحدها لا تكفي من أجل إحداث التغيير .. وإنما لا بد من  امتلاك أدواته ..   

الأفكار التي لا تتجاوز حدود العقل إلى ساحة الواقع قد تؤذي صاحبها وتصبح عبئا عليه .. إنها كالماء العذب ، عندما يتوقف عن الجريان ويرضى بحياة المستنقع .. سيتحول بعد فترة إلى ماء آسن كريه الرائحة .. كذلك الأفكار قد تتعفن وتصبح كريهة الرائحة إن طال حبسها ومنعت عن الجريان في نهر الواقع .. الأفكار الراكدة ربما تلتهم صاحبها من الداخل .. ولا بد له من تحريرها وفتح طريق لها عبر أدوات ( سياسية وإعلامية واجتماعية ومادية … ) .

يحتاج ذاك الشاب الطموح إذاً إلى اكتساب أدوات التغيير بشكل مواز ومتناسب مع تحصيل المعرفة..عليه أن يستخدم فائض المعرفة لديه من أجل توسيع دائرة التأثير ، وإلا  فهو بحاجة في الحد الأدنى إلى علاقات عامة تساعده على عقد تحالفات مع من يمتلكون أدوات التغيير من أجل تحقيق أهدافه وإنجاح مشروعه .. وإن أبت نفسه أو لم تستطع فإن ذلك الصراع الداخلي المتكرر بين مبادئه وسلوكه ، ومعرفته وقدرته سينتهي به غريبا عن محيطه ، غريبا عن مجتمعه ، وربما غريبا عن ذاته ..

نعم .. إن كل تغيير يبدأ بفكرة .. ولكن ليست كل فكرة تقود إلى تغيير ..

ولعل من المفارقات أن قدرة الواقع على تغيير الأفكار ربما تفوق قدرة الأفكار على تغيير الواقع ..

د معتز محمد زين

20/4/2016