on
Archived: د. خطار أبو دياب: مصير بشار الأسد..(العقبة الكأداء على درب التسوية السورية)
د. خطار أبو دياب: مجلة رؤية سورية
انتهت الجولة الثانية من ” جنيف 3 ” ولا يزال يتردد نفس السؤال منذ اقرار وثيقة “جنيف 1 ” : “ما هو مصير رأس النظام السوري ؟ “، ولا تزال هذه المسألة العقبة الكأداء على درب التسوية السورية. في كل الوثائق – المرجعيات للمفاوضات السورية ، كان هناك تلاعب على الالفاظ واستخدام سيء للغموض الدبلوماسي الذي لم يعد بناءً، بل اصبح هداما . ومما لا شك فيه ان الجانب الروسي تذرع منذ نهاية يونيو – حزيران 2012 ( تاريخ اقرار وثيقة جنيف 1 )، بضرورة حصول الاجماع بين الاطراف السورية كما ورد في النص، مما يشكل استكمالا للفيتو الذي لجأت إليه موسكو في مجلس الامن الدولي عدة مرات ، وكرس سياسة التعطيل من اجل ابقاء النظام السوري ورئيسه.
من الناحية المنهجية، النظام السوري فريد من نوعه وشخص بشار الاسد يختصر الدولة والنظام والمؤسسات والاجهزة، وبالطبع يختصر هو ايضا المكون الأقلي الذي يمثل النواة الصلبة لحاضنته الشعبية، انه اذا نظام شمولي وشخصي في آن معا أي انه نظام كل شيء او لا شيء مما يسد كل الابواب على طريقة شعار المناصرين المنحبكجيين ” الاسد الى الابد او نحرق البلد”. في المنظومة الاسدية ( التي تشكل حلقتها الاولى ضباط ورجال اعمال آل الاسد وآل مخلوف) ليس هناك من رقم واحد او رقم اثنين.. ليس هناك ايضا من مجال للمقارنة مع انظمة في تونس ومصر تمكنت فيها ” الدولة العميقة” من ايجاد بدائل في اللحظة المناسبة.
كانت سياسة تفريغ سوريا من الرجالات والقيادات المؤهلة ، مرسومة بإتقان وبواسطة القبضة الحديدية التي تخلصت اولا من كبار الشخصيات العلوية والبعثية، وصولا الى جعل البلاد صحراء سياسية مع مشاركة ما كان يسمى الجبهة الوطنية التقدمية في هذه اللعبة السمجة. بعد مجزرة حماة في 1982 تم اختزال النظام بالرئيس وشبكة الاجهزة الامنية التابعة له ، وبعد انتقال السلطة الى بشار الاسد تحت عيون الحرس الرئاسي الموالي جدا والمنفذ لتعليمات حافظ الأسد ( وليس اطلاقا عبر تعديل دستوري مزعوم جرى فرضه بالقوة مما يؤكد من الناحية القانونية على احتمال طرح عدم شرعية رئيس النظام منذ بداياته) ، استمر نفس النهج بعد زوال سريع لوهم ” ربيع دمشق” وعلامات الانفتاح التي سمحت لطبقة المنتفعين وعلى رأسهم رامي مخلوف بقطف ثمار الخصخصة ووضع اليد على ثروة اللاد العامة لصالح الحلقة الاولى ورأس النظام.
ازاء تركيبة من هذا النوع ، دخلت ايران في قلب الحلقة الاولى نظرا لتغيير بشار خيار والده الاستراتيجي المتمثل بالحفاظ على توازن ظاهري بين الدور العربي والحلف مع الجمهورية الاسلامية. ومن هنا بدا موقف طهران لا يتزحزح أي ان بشار الاسد هو النظام والنظام هو جوهرة المحور الامبراطوري الإيراني وممره نحو أداته الرئيسية في الاقليم أي حزب الله. أما موسكو التي لم تمتن وجودها وليس لها اختراقات اكيدة في صفوف كبار الضباط، فهي في موقف مماثل ولذلك لا تلح على بشار ولا تطرح مصيره على المكشوف ، بل بحذر وفي الغرف المغلقة لأنها تسعى لاستخدام هذه الورقة لإغواء الدول العربية في الخليج والقول لها ان الوجود الروسي يضمن لها مصالحها اكثر من السيطرة الايرانية ، وفي كل ذلك التفاف على الموضوع الرئيسي وتسويف مقصود. وفي لعبة انقاذ الاسد ومراعاة مصيره، توجد اسرائيل على الخط لأن المنظومة الاسدية كانت تعتبر اقل الاعداء سوءا بالنسبة لإسرائيل، لأنه بالإمكان معرفة ماذا تريد او ترتيب صفقات معها منذ خسارة الجولان الى العمل المكشوف ضد ياسر عرفات وضبط خطوط وقف النار منذ 1974( مع ترك ساحة لبنان كمسرح لاختبار القوى او تبادل الرسائل)
إذا سلمنا بالموقف الصلب حول مصير الأسد لكل من المملكة العربية السعودية وتركيا وفرنسا وبريطانيا بين كبار اللاعبين الاقليميين والدوليين، يبقى اللغز في الموقف الامريكي الذي يتكلم عن المستقبل من دون الاسد مع ابقاء الباب مفتوحا لترتيب مع موسكو حول التوقيت. بغض النظر عن التصريحات والتسريبات والاشاعات، في زيارة برينان رئيس السي أي ايه في الاول من مارس الى موسكو ، وبعدها خلال مفاوضات كيري الموسعة في الكرملين، جرى بحث مصير الاسد وتتمة محادثات جنيف وكان هناك توافقات مبدئية غير نهائية تحسم خروج الاسد عند اجراء انتخابات رئاسية مبكرة في منتصف 2017 تقريبا . وكأن ادارة اوباما تريد تفادي الاسوأ في سوريا وموسكو تؤيد تمميع الامور من دون حسم .
هكذا لا يعول على مواقف هذا او ذاك حيال مستقبل النظام الذي لم يأخذ أي قرار استراتيجي بالجنوح نحو الحل السياسي، لأن طبيعته وتركيبته لا تسمح بذلك إلا في حال توافق الراعيين الاقليمي والدولي له وهذا غير متوافر لأن مصالح طهران وموسكو ليست متطابقة، ولا جدولهما الزمني واحد. ان الثمن الباهظ المدفوع من الشعب السوري وشلال الدم بحد ذاته يوجبان اخراج الاسد من سيناريو أي حل سياسي واقعي ومتوازن. ينطبق الامر على الموالين ورحيل الحلقة الأولى هو اقل المطلوب من اجل اعادة توحيد سوريا وضمان العيش المشترك من دون الوجود السياسي لغلاة الاسديين والدواعش وامثالهم.
لا تزال المسارات شاقة في المعمعة السورية ، ومهما كان هناك من اسواق نخاسة ومن تغليب لمنطق التخلي، لا يمكن تصور غلبة سيناريو أي حل قسري واقصائي مع الأسد . وليس هناك أي افق حقيقي للبلاد الا بخروجه من الحكم .