on
Archived: من الصحافة الإسرائيلية: طهران تبحث عن التهديد الإيراني التالي
تسفي برئيل-هآرتس: ترجمة القدس العربي
تحول برنامج الصواريخ ليصبح بديلا عن البرنامج النووي يقف في مركز المعركة السياسية في طهران. الرئيس روحاني يعارض الخطوة ويدفع باتجاه الثبات الاقتصادي، ولكن مع وضع العين على الانتخابات القادمة يدعوه المحافظون إلى نسيان استراتيجية الحوار مع الغرب
يجب أن نتعود على معرفة اسم آيات الله ابراهيم أميني، الذي بدأ يتدحرج في أروقة السياسة الإيرانية، حيث أنه قد يصبح رئيس المجلس المخول بتعيين وريث الزعيم الأعلى علي خامنئي. واذا كان هناك الآن ما يشغل السياسة الإيرانية الداخلية فهو مجلس الخبراء: في الانتخابات التي جرت في شباط/فبراير الماضي حصل ممثلو الجناح «المعتدل» في المجلس على الاغلبية. واثنان من اعضاء المجلس المتطرفين، هما محمد تقي مصباح ومحمد يزدي، لم يتم انتخابهما مجددا.
المجلس سيُعقد في الشهر القادم لانتخاب رئيس جديد. والسؤال المطروح الآن هو هل أميني الذي كان عدوا لدودا للرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، سيوافق على تولي المنصب. المشكلة هي أن هذا الفقيه الديني الذي يعتبر معتدلا يبلغ الـ 91 من عمره. وهو أكبر من خامنئي المريض بـ 15 سنة. ويُشك أنه يرغب في الترشح لهذا المنصب الهام، الذي سيمنح من يجلس فيه قوة كبيرة في تقرير من سيكون وريث خامنئي بعد وفاته. واذا لم يرشح أميني نفسه، فعلى الاغلب سيكون الرئيس السابق علي اكبر هاشمي رفسنجاني هو الرئيس. واذا تطورت الامور على هذا النحو فان إيران تستطيع أن تتوقع انقلابا هاما في الساحة السياسية. لأن رفسنجاني لم يؤيد فقط الاتفاق النووي الذي تم التوقيع عليه في تموز الماضي، بل دفع ايضا لاجراء حوار مع الغرب وبما في ذلك مع الولايات المتحدة.
لكن رفسنجاني هو شخصية يوجد خلاف حولها. وقد نجح مؤخرا في الدخول إلى صدام مع خامنئي بعد تغريدة في حسابه في تويتر جاء فيها «عالم الغد هو عالم حوار وليس عالم صواريخ». هذه التغريدة التي جاءت في الوقت الذي تُظهر فيه إيران قدرتها البالستية، أزعجت خامنئي الذي قام بالرد بشكل فظ قائلا «من يزعم أن مستقبل إيران هو في الحوار وليس في الصواريخ، مخطيء. وهو إما غبي أو خائن». صحيح أن رفسنجاني قد حذف هذه التغريدة، لكنه لم يتراجع عن الاقوال نفسها.
برنامج الصواريخ الإيراني والتجارب البالستية التي أجرتها إيران مؤخرا، تحولت بعد الاتفاق النووي إلى موضوع مقلق بالنسبة للغرب وتغضب القوى السياسية في إيران. يبدو أن برنامج الصواريخ قد استُبدل بالبرنامج النووي. تلك هي نقطة الخلاف بين الاصلاحيين الذين يطمحون إلى تقوية الاقتصاد الإيراني وبين المحافظيين ومنهم الزعيم الأعلى، حيث يعتقدون أنه يجب على إيران أن تصبح قوة عسكرية ليس فقط ضد التهديدات الاقليمية، بل ايضا ضد الولايات المتحدة. قائد حرس الثورة، علي الجعفري، أعلن في اللقاء السنوي للضباط الكبار أن «الموقف الذي يعتبر أن الاتفاق النووي هو الحل لجميع مشكلات إيران، موقف ساذج». وأضاف «من ينشر صيغة الاتفاق داخل البيت الإيراني ينحرف عن الطريق الحقيقية للثورة. فالاتفاق يمنح الحد الأدنى من الحقوق، ولا يجب تحويله إلى مرحلة ذهبية في تاريخ إيران».
وزير الدفاع الإيراني، حسين دكان، اخترع الاسبوع الماضي اصطلاح «المرونة الاستراتيجية» كي يشرح الشكل الذي يتعين فيه على إيران ان تتصرف بعد الاتفاق النووي. فقد قال دكان ان «المرونة الاستراتيجية يجب أن تتحدى الاعداء كل الوقت. فهي تمنح التوازن بين استغلال الفرص والرد اللازم على التهديدات. وحسب هذه النظرية، فان تطوير برنامج الصواريخ، دون أن يذكر هذا صراحة سيكون بديلا رادعا عن البرنامج النووي وفي نفس الوقت لن يهدد تلك الفرص التي يوفرها الاتفاق النووي للجمهورية الإسلامية. ويوضح هذان التصريحان بان القوى المحافظة التي سعت إلى عرقلة الاتفاق وانتقدت فريق المفاوضات الإيراني سلمت بالواقع الجديد، ولكنها تنوي مواصلة وضع العراقيل في وجه تطلع روحاني ومؤيديه لجعل الاتفاق رافعة لتغيير السياسة الخارجية لطهران وصد التقرب إلى الولايات المتحدة.
ان الاستراتيجية المتصلبة التي يتبنونها لا تنبع فقط من الايديولوجيا. فبعد الانتخابات للبرلمان ومجلس الخبراء، والتي حقق فيها الاصلاحيون انجازات هامة، بدأ المحافظون يستعدون لانتخابات الرئاسة التي تعقد في حزيران 2017، والتي سيتنافس فيها روحاني لولاية ثانية.
هم ايضا قلقون من امكانية أن يتمكن مرض السرطان من الحاق الهزيمة حتى ذلك الحين بخامينئي، واذا ما انتخب زعيم أعلى يميل إلى المعتدلين فهذه كفيلة بان تكون ضربة قاسية للمحافظين والمتطرفين، ومن هنا ضرورة بناء حواجز حماية سياسية. وعليه، فعندما يتحدث الجعفري عن أن «الاستعدادات العسكرية هي ضد اعمال عسكرية من شأنها أن تمس بنا وليس لاهداف سياسية او دبلوماسية»، فهو لا يوجه حديثه فقط إلى الولايات المتحدة أو لزعماء دول الخليج ـ بل يؤشر إلى الرئيس روحاني بان من الافضل له أن ينسى «استراتيجية الحوار».
ان برنامج الصواريخ والتجارب الباليستية علقت في حلق روحاني الذي كان يريد أن يخرج إلى حيز التنفيذ برامجه الاقتصادية، التي تصطدم بعقوبات لا ترتبط مباشرة بالاتفاق النووي بل ما وصفه الرئيس الأمريكي براك أوباما بانه «انتهاك لروح الاتفاق». وهو يقصد ان الصواريخ التي اطلقتها إيران قادرة على أن تحمل رؤوسا متفجرة نووية وهكذا تشير برأي أوباما إلى نوايا إيران العسكرية.
ويمنع هذا التفسير إيران من التجارة بالدولار، وذلك لان العقوبات التي لا تزال سارية المفعول تحظر على الدولة العمل عبر المنظومة البنكية الأمريكية. ولما كانت كل صفقة بالدولار تستوجب اتصالا بالمنظومة الأمريكية، فلا يمكن عقد صفقات من هذا النوع.
ولهذا السبب لا يمكن لإيران أن تنفذ صفقات بالدولار مع شركات خارج الولايات المتحدة، وذلك لان كل تبديل للعملة المحلية إلى الدولار تمر عبر الولايات المتحدة. وهنا يتبين التضارب بين سياسة واشنطن بعد الاتفاق النووي والقيود التي وضعتها الادارة في الماضي.
يعتقد وزير الخارجية الأمريكي، جون كيري، بانه يجب السماح لإيران بالتجارة بالدولار بل والعمل مع المنظومة البنكية الأمريكية، ولكن المحافظين في الكونغرس في واشنطن يحرصون على إلا تمنح الادارة مزيدا من التنازلات لإيران وتسمح لها بعقد الصفقات بالدولار.
من ناحية طهران، هذا خرق للاتفاق النووي ودليل على سوء نية الولايات المتحدة. والاسوأ من ذلك هو أن هذه رصاصة في ساق روحاني، إذ أنه بينما يمكن للحرس الثوري ان يواصل التسلح بلا قيود تقريبا، فان برامج اعادة البناء الاقتصادي الإيرانية بالذات كفيلة بان تعلق، ومن هنا قصير الطريق إلى افشاله في الانتخابات للرئاسة.
أوباما وكيري ليسا أعميين على هذا التطور الخطير، ولهذا فقد بادرا إلى سلسلة استعراضات تقوم بها وزارة المالية في الولايات المتحدة للشركات ورجال الاعمال تشرح فيها كيف يتدبرون امورهم في متاهة العقوبات وكيف يمكن تجاوز بعضا من العوائق.
لا يوجد حالياً تأثير للصراعات السياسية في إيران ولحوارها الفظ مع الولايات المتحدة على حجم تدخل طهران في الساحات المختلفة في الشرق الاوسط. وكانت إيران اعلنت مؤخرا بانها ستبعث بمستشارين عسكريين إلى سوريا، بعد أن كانت اغلبية قواتها قد خرجت منها، اغلب الظن على خلفية انسحاب القوات الروسية.
وحسب الناطقة بلسان المنظمة الإيرانية المعارضة، مريم رجاوي، فقد بعثت طهران بستين الف جندي لحسم المعركة، ولكن مشكوك جدا أن يكون لهذا المعطى اساس.
كما أن إيران لا تزال تتدخل في ما يجري في اليمن، وهي تمول وتدرب الميليشيات الشيعية في العراق، الكفيلة بان تشارك في الحرب على تحرير مدينة الموصل من ايدي تنظيم الدولة الإسلامية داعش. ومع ذلك، فرغم تدخلها في الساحات المختلفة، فان ظهور إيران في العناوين الرئيسة آخذ في التقلص، ومكانتها كتهديد اقليمي على الاقل في وسائل الإعلام العربية ـ خارج السعودية ـ آخذة في التراجع.