on
Archived: مركز كارنيغي: القوة في الضعف.. قدرة قوات النظام العرضية على الصمود
مركز كارنيغي للشرق الأوسط: ترجمة مرقاب
إن الجيش ليس مجرّد أداة لاستراتيجية النظام السوري، فالطرفان يعملان كهيئتَين متمايزتين ولكن معتمدتين على بعضهما البعض، تحتاج إحداهما إلى الأخرى من أجل البقاء. فتحصُّن فرق الجيش في بقاع واسعة من الأراضي السورية، ساعد النظام في الحفاظ على سيطرته على مراكز سكّانية أساسية، فلقد حافظ الجيش على سيطرته من خلال القوة الجوية واستخدام الأسلحة الثقيلة، و الاستعانة بالمليشيات المجندة “الداخلية والخارجية”. نتيجةً لذلك، تراجع عدد الإصابات والانشقاقات، وتعزّزت صورة نظام الأسد كرمزٍ للوحدة الوطنية, وهكذا ظل الجيش في موضع يجعله جزءاً لا يتجزّأ من أي حلّ سياسي تفاوضي قد يجري التوصّل إليه, فالنظام والمعارضة ليس لديهم أي مصلحة في تفكيك الجيش.
في الواقع, لم يكن الجيش السوري مُهيّأً قتالياً عندما اندلعت الأزمة الحالية في البلاد في ربيع العام 2011. فعقودٌ من الفساد جرّدت الجيش العربي السوري من احترافه القتالي و العملياتي . ومع ذلك، استطاع الجيش أن يصمد بعد خمس سنوات في وجه ثورةٍ شعبيةٍ حاشدة، وحربٍ متعدّدة الجبهات، وعشرات آلاف الانشقاقات, فلقد تحولت شبكات المحسوبيات في الجيش والتي تعود إلى ما قبل الحرب , إلى سلسلة متماسكة من القيادة تشدّ عضد النظام, أضافة إلى ذلك أستطاع أن يكيّف استراتيجيته على الأرض مع ديناميكيات الصراع المتغيرة بسرعة.
الجيش السوري : ضعيف لكن ذو هيكل مرن
لقد تأسّس الجيش في العام 1946، وسرعان ما برز بصفته لاعباً رائداً في التطوّر السياسي لسورية, فلقد أدّت الانقسامات السياسية والإيديولوجية العميقة في الجيش إلى سلسلةٍ من الانقلابات العسكرية، أوصل آخرُها وزيرَ الدفاع وقائد القوات الجوية آنذاك حافظ الأسد إلى السلطة في العام 1970, واستطاع الأسد الأب أن يمكن نفسه في السلطة حينها من خلال تحييد خصومه بمساعدة طاقم صغير من الضباط، بعد ذلك حافظ النظام على قبضةٍ مُحكَمةٍ على الجيش، وعقب المواجهة الأخيرة للجيش مع إسرائيل في لبنان في العام 1982، تخلّى عن مهمته الأساسية المتمثّلة في محاربة الأعداء الخارجيين, لكنه تحوّل إلى دور أكثر رمزية تمثّل على أن إسرائيل والبلدان الخارجية الأخرى، تشكّل تهديداً وشيكاً ومتواصلاً. وأصبح التجنيد العام أداةً فعّالةً لإدارة المجتمع السوري وتعبئته .
لقد تفاقم الفساد في مؤسسة الجيش فأصبح مثل بقية المؤسسات الحكومية الأخرى حيث أصبح هدف العاملين فيه هو تحسين مواقعهم لتحقيق المكاسب الشخصية, ومع بداية الثورة السورية عام 2011, لم يكن لانشقاق أكثر من 3000 ضابط، معظمهم من السنّة خلال هذا العام تأثير ضار يذكر على تماسك الجيش وقدراته القتالية ، لأن الهياكل الرسمية التي عمل فيها هؤلاء الضباط سابقاً لم تكن أساسية لأداء الجيش.
قدرة الجيش على الصمود
في آذار/مارس 2011، لقد تغيّرت العلاقة بين الجيش السوري وبين نظام الأسد أثناء الحرب, فالنظام بات يحتاج إلى الجيش للحفاظ على سلطته وهو يوكل إلى هذه المؤسسة مسؤولية الدفاع عن الدولة والعمل من أجل المصلحة الوطنية, فلقد كان الجيش السوري يتألّف من اثنتي عشرة فرقة, تتوزع بشكل كبير في جنوب البلاد وجنوب غربها الأقرب إلى إسرائيل، ومع تقدّم الصراع, احتفظ الجيش السوري بقبضته على الأراضي محققاً نجاحاً أكبر بكثير في المناطق التي يقع فيها. ومع أن مساحات واسعة من البلاد سقطت في أيدي قوات المعارضة، بقيت فرق الجيش كلها متماسكة ماعدا الفرقة السابعة عشرة في الرقة، التي هزمها تنظيم الدولة الإسلامية في صيف 2014 .
لقد بذل النظام مجهوداً كبيراً لإدارة توزيع العمل بين الجيش وبين المجموعات والمليشيات شبه العسكرية التي قام بتجنيدها، فكان عليه أن يحرص على أن تبقى القوات شبه العسكرية معتمدةً على الجيش، لكي لا يتم تجاوزه في عملية صنع القرار، أو يُنظَر إليه على أنه يفقد مصداقيته. وذلك يتطلّب قبل كل شيء، الحفاظ على التفوّق النوعي للجيش في تمويل الأسلحة وتوزيعها. وقد حرصت دمشق بشكل خاص على أن يُحافظ الجيش على احتكاره للأسلحة الثقيلة المتطورة، وأن تحصل المجموعات شبه العسكرية فقط على أسلحة خفيفة أو آليات مدرّعة للاستخدام عند الضرورة, ولكن مع فقدان النظام للأراضي أضطر للاعتماد أكثر فأكثر على المجموعات شبه العسكرية لاحتواء الخسارة ,ومع أن الجيش كان على الخطوط الأمامية في المراحل الأولى للصراع , إلا أنه أصبح يدعم الميليشيات شبه العسكرية من الخلف ,وهو على استعداد لبسط سيطرته عند توقّف القتال.
التدخل الخارجي عبر الجيش السوري
لقد زوّد كلٌّ من الحليفيَن الإقليميَّين ” روسيا وإيران” الجيش السوري بالدعم اللوجستي أضافة إلى الاستشارات العسكرية وادارة المعارك لاسيما منها المساعدة المالية والموارد البشرية عاملاً أساسياً في تمكين الجيش من التأقلم طيلة الصراع. حيث بلغ ذلك الأمر , إلى التدخل العسكري المباشر من قبل روسيا في خريف 2015 . في المقابل، احتفظت إيران بدور فاعل أكثر في نشر الميليشيات التي تعمل كلها ضمن الإطار العسكري للجيش السوري, أضافة إلى ذلك عزّزت قدرات تلك الميليشيات القتالية على الجبهات الأمامية “حزب الله, المليشيات العراقية,….”، وهكذا احتفظت مختلف فرق الجيش بسلطتها على قطاعاتها.
لذلك نستنتج, بأنه أصبح الجيش أكثر فساداً بشكلٍ واضح، وأكثر انعزالاً عن المجتمع الأوسع في السنوات الخمس منذ بداية الصراع السوري, و التي كانت أصلاً مترسّخةً بعمق قبل الثورة عام 2011 ، وقد تحول الضباط في الجيش السوري إلى منظمات سرقة وفساد ، الأمر الذي لم يترك أمام الضباط خياراً إلا التواطؤ مع شبكات النظام، واستغلال الفساد للتعويض عن رواتبهم المنخفضة ،وقد أصبح الجيش أكثر اعتماداً على المنتسبين العلويين للمساعدة في التصدّي عن النقص التنظيمي فيه.