on
Archived: ميدل إيست آي: سوري في الفضاء…. من رائد فضاء بطل إلى لاجىء
ميدل إيست آي: ترجمة فواز السعيد- السوري الجديد
محمد فارس هو البطل القومي السوري الذي كان قد غزا الفضاء، قبل أن يفر من وطنه جراء شعوره بالاشمئزاز من قيام الطيارين بقصف شعبهم.
من المعروف أن عملية تدريب وتجهيز المرء ليصبح رائد فضاء تعتبر من أصعب المهام مشقة وصعوبة في أي مجال. لكن إن سألتم محمد فارس فسيجيبكم بأنها توازي نزهة في حديقة بالمقارنة مع معاناة المشاعر التي تصاحب تحولك فجأةً إلى مجرد لاجىء!!
فارس ذو الخمسة والستين عاماً معروف جيداً لدى السوريين كونه المواطن السوري الأول والوحيد الذي صعد إلى الفضاء في عام (1987). حيث اصطف الآلاف على جوانب الشوارع لتحيته عند عودته لأرض الوطن. وقد تم إطلاق اسمه على شوارع ومدارس بل وعلى مطار تكريماً له.
ويروي فارس لعين الشرق الأوسط قائلاً: “كان التدريب لرحلة الصعود إلى الفضاء شاقاً جداً، لكني عندما أستعيد ذكراها أراها في غاية السهولة مقارنةً مع ما أعانيه حالياً على المستوى الشخصي، أو ما تعانيه عائلتي في سوريا، أو ما عاناه ويعانيه معظم الشعب السوري على مدى السنوات الفائتة.
لم يحظ فارس بدرجة عاليه من التقدير لدى مواطني شعبه فحسب بل انتشر صيته وسط شباب جيله على امتداد الشارع العربي، عملياً كان فارس هو العربي الثاني الذي سافر إلى الفضاء. فقد سبقه سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود أحد أفراد الأسرة الملكية السعودية الذي انضم إلى فريق مركبة فضاء ناسا في عام 1985م. لكن فارس حظي بشعبية أعلى بكثير نظراً لكونه واحداً من عامة الشعب العربي وليس فرداً ملكياً.
إلا أنه في عام 2011 وبينما كان فارس يحضر نفسه ليتمتع بحياة ما بعد التقاعد تبدد كل شيء لديه مثلما تبدد كل شيء بالنسبة لبلده. وبحلول عام 2012م كان فارس قد انشق عن القوات الجوية السورية وانضم إلى المعارضة المسلحة. حيث اعتبر في حينه خائناً وسحبت منه كل النياشين والأوسمة التي نالها إضافةً إلى مصادرة كل أملاكه. مما اضطره في نهاية المطاف إلى مغادرة وطنه تاركاً كل ما يملك من حطام هذه الدنيا خلف ظهره.
وقال: “لقد خضعت لعملية تدريب صارمة وقاسية من أجل رحلة الفضاء التي جعلتني أشعر بالفخر والطموح على المستوى الشخصي وبالاحترام ضمن أفراد شعبي. لكن ما نواجهه اليوم هو غيمة من السواد القاحل المليئة باليأس“.
بداية الرحلة.
ينحدر فارس من مدينة حلب، وقد انضم إلى أكاديمية القوات الجوية السورية في عام 1969م في قاعدة النيرب العسكرية وتخرج منها في عام 1973م طياراً حربياً. بعد ذلك انضم إلى حزب البعث وبدأ يخدم في القوات الجوية السورية كطيار ومدرب حربي.
وفي عام 1985م وبعد عملية انتقاء صارمة المعايير، تم ترشيحه لبرنامج الفضاء الروسي إنتركوزموس قضى بعد ذلك فترة تدريب استمرت لمدة ثلاث سنوات في ستار سيتي، حيث يوجد مركز تدريب يوري جاجارين للفضاء داخل ما كان يعرف بالاتحاد السوفييتي.
وبتاريخ 22 تموز/يوليو 1987م سافر إلى محطة الفضاء مير مع رواد فضاء سوفييت آخرين وهم: أليكساندر ستيبانوفيتش فيكتورينكو وأليكساندر بافلوفيتش. حيث مكث في الفضاء لمدة سبعة أيام. وقد تم منحه لقب بطل الاتحاد السوفييتي بالإضافة إلى ميدالية لينين.
وعند عودته إلى سوريا استقر به المقام في مدينة حلب حيث عاد والتحق بالقوات الجوية السورية برتبة لواء وبدأ بتدريب طيارين مقاتلين.
الرحيل والمكوث في “سوريا الصغرى”
وكانت القشة التي قصمت ظهر البعير بالنسبة إلى فارس حين بدأ الطيران السوري بقصف مواطنيها في بداية انتفاضة الشعب السوري عام 2011 داخل سوريا.
وأضاف فارس بأن وضع السوريين لم يكن في يوم من الأيام على ما يرام باستثناء النخبة الحاكمة، لكن الأعمال الوحشية لنظام الأسد طغت على السطح عندما بدأت قواته تستهدف شعبها بقسوة ووحشية مفضوحتين.
كان الطيارون الذين قمت بنفسي بتدريب بعضهم هم من يقصف شعبنا. لم يكن الأمر محتملاً ولا مقبولاً. فقد تم عزل هؤلاء الطيارين عنا بحيث لم تتح لنا فرصة لإجراء أي تواصل معهم. كانوا تحت تأثير التغييب عن الواقع بعد أن أجروا عليهم عملية غسل دماغ كاملة.
حاول فارس مراراً الفرار إلى تركيا المجاورة لكنه فشل في ذلك نتيجة وضعه تحت رقابة لصيقة حتى نجح بالعبور إليها على الأقدام بصحبة عائلته عام 2012 مع ما تمكن من حمله من زاد ضئيل تمكن من جمعه طيلة حياته.
وبعد وصوله تم استجوابه من قبل السلطات والاستخبارات التركية بسبب مكانته العالية قبل أن يكمل طريقه إلى اسطنبول حيث يقيم منذ ذلك الحين.
لقد اختلف أسلوب حياته هنا في اسطنبول عما كان سابقاً في موطنه حيث كان يعتبر بطلاً قومياً. في حين يعيش هنا هو وزوجته وأربعة أولاد في مسكن متواضع داخل حي محافظ للطبقة العاملة في منطقة فاتح التي لقبت مؤخراً بلقب (سوريا الصغرى) بسبب تواجد عدد هائل من النازحين السوريين بها حتى بدت لوحات المحلات المكتوبة بالعربي موازية لمثيلاتها المكتوبة باللغة التركية.
“أذكر أنني قلت لأولادي بأننا سنعود إلى سوريا خلال فترة شهر على أبعد تقدير حين كنا على وشك الرحيل. كم كنت مخطئاً”. وبالرغم من كل شيء يحاول فارس جاهداً المحافظة قدر الإمكان على الأمور في نصابها. ويضيف قائلاً: “كلما شعرت بأسى وحزن على الحالة التي أنا عليها الآن، أذكر نفسي فقط بالآلاف من أبناء وطني الذين يعيشون في خيام مؤقتة دون ماء أو كهرباء. إضافةً إلى أولئك الأسوأ حالاً كالذين بقوا في الداخل يعانون من التهديد المستمر بالقتل”.
لا أحد يهتم بمصير السوريين
وبحسب تصور فارس فإن الحرب في سوريا تحولت إلى حرب من أجل مصالح القوى العالمية، أما بشأن مصير السوريين فهو أمر مؤجل لمرحلة لاحقة. وأضاف بأنه يشعر بقلق متزايد من نوايا الدول الغربية حيث لا يمكن الوثوق بأي منها، ولا يمكن تصديق أي تصريح يخرج من قبلها.
يحتفظ فارس بحنين دفين إلى زملائه الروس الذين خضع معهم لبرنامج التدريب الفضائي لكنه مع ذلك لا يجرؤ على الإطلاق حتى على التفكير في اللجوء إلى روسيا. ويضيف فارس بأن أصدقاءه الروس يتواصلون معه في كثير من الأحيان مرحبين به للقدوم إلى روسيا. لكنه يرد عليهم بأن ذلك مستحيل طالما أن ساستهم يدعمون الديكتاتور الوحشي بشار الأسد المستمر في قتل الشعب السوري.
ويضيف أيضاً بأنه اختار تركيا ليس فقط لقربها الجغرافي والثقافي مع سوريا بل أيضاً لقناعته بأن تركيا هي واحدة من الدول القليلة التي تحرص في سياستها على أخذ مصالح السوريين في عين الاعتبار.
لقد تلقيت أيضاً دعوات من دول غربية للعيش هناك لكني أرغب في البقاء هنا حيث يمكنني فعل شيء لأجل تحرير بلدي. على أي حال هم فقط يريدون استغلالي كرمز لإخفاء لا مبالاتهم نحو بلدي وشعبي.
أفضل أن أموت على أن أعود تحت حكم الأسد
يعتبر فارس عضواً نشطاً ضمن مجموعة سورية معارضة تسمى: (لجنة التنسيق الوطنية السورية من أجل التغيير الديمقراطي) والفاعلة بشكل كبير في كل من إسبانيا وتركيا، مضيفاً بأنه يلعب حالياً دوراً سياسياً ضمن تلك المجموعة نظراً لافتقار المعارضة إلى سلاح الطيران، لكنه على أتم الاستعداد لتبادل خبراته العسكرية في حال تغير الوضع.
إنه متشائم بشأن رؤية نهاية لهذه الحرب في المدى القريب، وبنظرةٍ فولاذية من عينيه قال: “أفضل أن أموت على أن أعود تحت حكم الأسد”. ومع ذلك، يعترف بأنه لا يشعر بالاكتئاب عندما يعود بذاكرته إلى إنجازاته السابقة وآماله في تحقيق أحلام طفولته.
“إنني فخور جداً بما حققته من إنجاز. أطفال من شتى أصقاع العالم يحلمون بالسفر إلى الفضاء بينما قمت أنا بتحقيق ذلك. وبقدر ما جلب لي هذا الأمر من فخر واعتزاز على المستوى الشخصي وعلى بلدي؛ إلا أنني كم تمنيت أن أتخلى عن كل ذلك في سبيل ألا يتعرض شعبي لما تعرض له…ليس لدي أي طموح على المستوى الشخصي بهذا العمر، أود فقط أن أقضي بضع سنوات في سلام داخل منزل في بلد حيث يعيش فيه السوريون أحراراً ويتمكن أطفالهم من قضاء حياة مفعمة بالأمل”
في غضون ذلك لا ينسى فارس توجيه رسالة إلى نظرائه العاملين في القوات الجوية السورية قائلاً: أرجوكم توقفوا عن قصف شعبكم. فالنساء والأطفال الذين تقصفونهم لا يختلفون عن أمهاتكم وزوجاتكم وأطفالكم.
“نحن جميعنا سوريون بغض النظر عن أي عرق أو دين. كفاكم الاستماع إلى أكاذيب نظام الأسد”.
اقرأ:
ميدل إيست آي: داعش متواجد في البلدان العربية والهجوم على الرقة لن يدمره لهذا السبب