Archived: المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية: مخاطر الافتتان بخيار التقسيم في سوريا

جوناثان ستيفينسون-المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية: ترجمة مرقاب

مر على انزلاق سوريا في حرب وحشية خمس سنوات حتى الآن، ومهما يكن من شأن المحادثات الجارية من أجل انتقال سياسي من الصعب تصور عودة البلاد دولة موحدة بحدودها المعروفة قبل الحرب. والحقيقة أن المفاوضين بدؤوا يفكرون بالتقسيم. وقد قال وزير الخارجية جون كيري في حديثه أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الشهر الماضي بأنه في حال فشل وقف إطلاق النار الحالي والمفاوضات في سوريا سيكون التقسيم هو الخطة البديلة. كما اقترح الروس علناً الفدرالية كحل، ووفقاً لدبلوماسيين في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة فإن فكرة وجود حكم مركزي فضفاض جدا مع حكم ذاتي مع درجة عالية من الاستقلالية للأقاليم المختلفة بدأت تلقى جاذبية لدى القوى الغربية الكبرى.
لكن التقسيم لا يمكن بحال من الأحوال أن يكون الحل المثالي: فهو يعني السكوت على همجية الرئيس بشار الأسد رغم اعتراضات المعارضة الحادة، وسيؤدي إلى مزيد من النزوح الداخلي نتيجة إعادة التموضع الطائفي وربما التنازل عن أراض لتنظيم الدولة الإسلامية.
كما أن التقسيم أو النظام الكونفدرالي المهلهل ربما لا ينهي الحرب الأهلية والكارثة الإنسانية المصاحبة لها. لكنه سيؤدي نظرياً إلى بقاء دويلة الأسد سليمة يعمل تنظيم الدولة على مواصلة حشد الدعم ضدها، ودويلة سنية قد يعمل العلويون على تقويضها.
وعلى نطاق أوسع فإن التقسيم الناجم عن الحرب له سمعة ليست محمودة، كما حدث في كوريا وألمانيا على سبيل المثال، حيث أدى التقسيم إلى عزل وحشي لعدد كبير من السكان وزرع الطريق بألغام يمكن أن تشعل حروباً كبيرة في المستقبل. وفي الهند أنتج التقسيم تمزقاً سكانياً كبيراً وعداوة دائمة، كما لم ينجح تقسيم فيتنام أيضاً.
لكن في ظروف استثنائية، يمكن للتقسيم أن ينتج الأمن والاستقرار على المدى الطويل نسبياً في التجمعات البشرية الصغيرة والمعزولة، مثل قبرص فقد قسمت لحوالي أربعين سنة مع وجود دوريات لقوات الأمم المتحدة على الخط الأخضر الفاصل بين الجزأين التركي واليوناني للجزيرة، وحدث استقرار مماثل في إيرلندا الشمالية عندما قسمت وفق اتفاق بيلفاست، كما أدى تقسيم البوسنة رسمياً إلى إنهاء حرب شعواء بين الصرب ومسلمي البوسنة والكروات. لكن في هذه الحالات الثلاث ساعد السلام الشامل والاستقرار في أوروبا في نجاح التقسيم، كما أن وجود جهة فوق وطنية قوية في الاتحاد الأوروبي قلل من أهمية السيادة الوطنية المفترضة للدول، والأهم من ذلك في هذه الحالات هو غياب الاستفزاز الخارجي نسبياً.
ولكن أياً من هذه الظروف لا تنطبق على سوريا، فالحرب السورية حدثت في منطقة فيها مشاكل عويصة، ولم تتمكن جامعة الدول العربية التخفيف منها. كما عملت أطراف خارجية على تغذية الحرب متعاملين معها كحرب بالوكالة، والصراع في سوريا أكثر دموية ومقاتليها أكثر وفرة وتسلحاً من أولئك الذين كانوا في قبرص أو إيرلندا. لذلك فإن الطريقة الوحيدة للقيام بالتقسيم في سوريا هي بمشاركة القوى الخارجية في تطبيق هدنة من شأنها تجميد الصراع وعزل الدولة الإسلامية، واستخدام القوة تحت رعاية الأمم المتحدة للحفاظ على هذه الهدنة، وتسهيل التقسيم وثني الجهات الإقليمية الفاعلة عن التدخل العسكري.
وهذا بدوره يتطلب جهداً كبيراً لإحلال السلام ربما بمشاركة العنصر الأمريكي والناتو جنباً إلى جنب مع قوات جامعة الدولة العربية وعناصر روسية. وقد يتعين على مثل هذه قوات أن تُشرف على نقل السوريين الذي يشعرون بعدم الأمان في أماكنهم الحالية. صياغة هكذا اتفاق ليس بمهمة سهلة، فيجب أن تعرف القوى المختلفة كيف ستعمل معاً وتوافق على التزامات التمويل وتقديم الأفراد والتعامل مع الخسائر التي لا مفر منها والتي يحتمل أن تكون كبيرة. في المقابل من المستبعد أن توافق الولايات المتحدة ودول الناتو وروسيا، دع عنك السعودية أو تركيا، على دعم نشر مقاتلين على نطاق واسع لفرض تقسيم سوريا بشكل يعرضها للمواجهة مع الدولة الإسلامية والجماعات الجهادية الأخرى على الأرض. وحتى لو عملت القوة المتوافق عليها على تجنب خوض عمليات برية كبيرة ضد تنظيم الدولة الإسلامية وتحولت تدريجياً إلى قوات حفظ السلام فإنها ستزداد هشاشة بالتدريج.
وسيبقى هناك تحديات معقدة أخرى منها المفاوضات العويصة بين النظام والمعارضة المعتدلة على من يسيطر على كل مدينة، فسيصر النظام على الاحتفاظ بدمشق وهو ما يعني ربما نزوح كتلة ضخمة من السنة، وقد شهدنا مثل ذلك في العراق قبل عشر سنوات. من جهة ثانية لن تقبل تركيا وجود كيان يسيطر عليه الأكراد، مما يعني أنه سيتم إحباطه للحفاظ على توافق الناتو بشأن دعم التقسيم، وهذا بدوره غير منصف بالنظر إلى قتال الأكراد المستميت في سوريا، مما يجعل الأمر أشبه بحلقة مفرغة.
أخيراً إن تقسيم سوريا يتعارض مع معاهدة لوزان لعام 1923، ويحتاج تفعيله إلى معاهدة مماثلة. ويمكن أن يحرك تقسيم سوريا الدوافع الانفصالية في أماكن أخرى في الشرق الأوسط . لذلك يبقى تقسيم سوريا فكرة حين لا يبقى بديل أفضل منها. صحيح أن الوصول إلى سوريا موحدة ذات حكومة تشاركية في السلطة يتطلب جهوداً ديبلوماسية خيالية، لكن إنجاح التقسيم ليس أقل خيالية. وباعتبر أن خيار الدولة الموحدة هو الخيار الأفضل والأكثر مواءمة، فينبغي على واشنطن أن تسعى فيه ضمن إطار العمل الحالي. فكونه صعب التخيل حالياً لا يعني أنه مستحيل.