on
Archived: شاتام هاوس: انسحاب روسيا من سوريا ليس انسحاباً
نيكولاي كوزانوف-شاتام هاوس: ترجمة مرقاب
ليس إعلان فلاديمير بوتين انسحاب روسيا من سوريا سوى خطوة ماكرة أخرى من الكرملين لاستعادة السيطرة على الوضع. وعلى المجتمع الدولي أن لا ينخدع بالتصريحات الروسية الأخيرة حول انسحابها العسكري من سوريا. فتحرك موسكو الأخير ليس كما يظهر وإنما يعكس مزيداً من البراعة في لعب سياسة القوة في الشرق الأوسط.
وفي أحسن الأحوال يمكن اعتبار انسحاب القوات الروسية انسحاباً جزئياً ويرتبط فقط بالطائرات التي جرى نشرها بعد 30 سبتمبر 2015. فقد أكد الكرملين بقاء القواعد العسكرية في كل من طرطوس وحميميم مع دعم الأسد بالمعدات اللازمة والتدريب وإبقاء عدد غير محدد من الطائرات المقاتلة المتطورة في المنطقة – التي استمرت ضرباتها الجوية منذ إعلان الإنسحاب. وترك الكرملين أيضا طائرات مروحية هجومية وأنظمة الدفاع الجوي الحديثة –مدعياً أنها لحراسة المنشآت العسكرية الروسية، ولكن ثمة تقارير تشير إلى دعمها لتقدم الجيش السوري، كما أن منظومة صواريخS-400 تمكن روسيا فعلياً من إغلاق المجال الجوي السوري.
تغير القواعد
يوضح الانسحاب الروسي أن التدخل العسكري الروسي في سوريا كان أساساً للحفاظ على نظام الأسد في السلطة وعرقلة مشاريع الغرب وليس كما ادعى بوتين أن تدخله لهزيمة الدولة الإسلامية التي ما زالت تسيطر على جزء كبير من الأراضي السورية ولم تخسر سوى14-20% من أراضيها في عام 2015 لأن القوات الجوية الروسية لم تنظر إليها كهدف رئيسي، بل ركزت نيران قوتها ضد المجموعات المعارضة التي تمثل أكبر تهديد لنظام الأسد.
ويهدف هذا الانسحاب أيضا إلى الحفاظ على النفوذ الروسي في المنطقة. فمنذ سبتمبر 2015، سعت موسكو لأخذ زمام المبادرة في عملية التسوية السياسية للنزاع عبر دفع المجتمع الدولي للتفاعل مع تحركاتها. وتمكنت روسيا حتى الآن من منع نظام الأسد من السقوط ليكون جزءا من عملية تسوية الصراع. وهذا ما أجبر الغرب على التباحث مع روسيا على الرغم من رغبته في عزلها سياسياً بسبب أفعالها في أوكرانيا.
تبديل التكتيكات
بحلول منتصف مارس، بدأ تأثير “الصدمة” من الانتشار العسكري الروسي في سوريا بالتلاشي. واعتاد المجتمع الدولي على رؤية قوة موسكو العسكرية في سوريا كأمر جيوسياسي واقع، واستثمرت روسيا الفرص السانحة بشكل جيد، فمكنت الأسد من استعادة السيطرة على بعض المناطق. لكن الجيش السوري فشل في تحقيق انتصارات عسكرية كبيرة, وكان أداؤه ضعيفاً أكثر من المتوقع. ولم تكن موسكو مستعدة لإمداده بمزيد من القوات حتى لا تغرق نفسها في صراع طويل مكلف. كما أن “الشريك الإيراني” أكثر تردداً حيال استخدام قواته إلى سوريا.
وفي ذات الوقت أصبح بشار الأسد أكثر ثقة بنفسه وأقل استعداداً لقبول الحوار مع المعارضة، كما تريد روسيا و (لاحقاً) الغرب. إضافة إلى ذلك إذا زادت روسي من تدخلها فقد يدفع ذلك تركيا والسعودية إلى التدخل، وقد بدأت الولايات المتحدة تهدد بزيادة الدعم للمعارضة السورية في حال فشل وقف إطلاق النار وهم يرون مزيداً من التدخل العسكري الروسي لدعم النظام في الصراع.
تطور المهارات
أرسل انسحاب الكرملين الجزئي إشارة واضحة إلى الأسد أن روسيا لن تبقيه في السلطة من أجل إنقاذ نظامه بالطريقة التي قام الاتحاد السوفيتي بإبقاء حكومة أفغانستان في السلطة بين 1979 و 1992، فهي تريد من الأسد أن يكون أكثر مرونة والسعي لحل وسط.
كما أرسل الانسحاب الروسي رسالة تصالحية إلى الغرب والمعارضة السورية وأن موسكو لا تستخدم الوسائل العسكرية فقط. وأخيرا، فإن القرار الروسي بخفض الوجود العسكري في سوريا قد يسلط أضواء النقد إلى منافسيها الإقليميين الرئيسيين، تركيا وبعض دول مجلس التعاون الخليجي. فالتهدئة من جانب موسكو تؤكد وفاءها لتسوية النزاع عبر المفاوضات، بينما تبدو الحكومة التركية أكثر عدائية، من خلال انتشارها العسكري قرب الحدود السورية وتصريحاتها العدوانية ضد دمشق، محاولة تقديم الأكراد السوريين على أنهم إرهابيون، وهو ما يجعل تركيا الخصم الخارجي الرئيسي للتسوية.
وبالطبع هناك مبررات محلية أيضاً لتخفيف روسيا وجودها العسكري في سوريا، فخفض الإنفاق العسكري يخفف العبء عن الاقتصاد الضعيف في عام الانتخابات البرلمانية الهامة. وعلاوة على ما سبق، فإن السلطات الروسية لم تذكر بوضوح أهدافها في سورية، مما يسمح لآلتها الدعائية بتقديم أي إنجازات تتحقق على أنها نجاح.
لقد لعب بوتين لعبة الانسحاب الجزئي من سوريا بشكل جيد. وكان في الواقع نموذجاً لمهارة موسكو المتزايدة في إدارة الفوضى السياسية في منطقة الشرق الأوسط وليها لتحقيق مصالح الكرملين.