Archived: الدروس المستفدة من اوكرانيا

 عادل موسى : كلنا شركاء 

مع إكتمال السنوات العشر من حكم الرئيس فلاديمير بوتين لروسيا..  والتي بدأت حقبتها الثالثة تمت في السادس من أيار 2012 بعد عودته ليتربع على هرم السلطة الروسية، الذي كان شغله بدءا من العام 2000 وحتى العام 2008 . وبهذه المناسبة تلقى الرئيس الروسي، دعوة رسمية من باريس لحضور الاحتفال بالذكرى الـ70  لإنزال قوات الحلفاء في نورمانديا في بداية شهر حزيران المقبل والذي سيحضره قادة الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا. ووجهت باريس دعوة إلى المستشارة الألمانية انجيلا ميركل أيضا.

وهنا نتابع الشارع الروسي الساخر الذي لا يتوقف عن إنتاجه الخلّاق، حيث روى لي احد تلامذة بيتيريم ساروكين نكتة جديدة مفادها: أن أنجيلا ميركل تهاتفت مع اوباما قائلة: لدي لكم خبرين واحد سئ والأخر جيد فمن ايهما ابدأ؟

اوباما: الخبر الجيد طبعا؛

ميركل: شبه جزيرة القرم عادت الى ربوع اوكرانيا، اما السئ فإن اوكرانيا عادت كلها الى روسيا.

وجدير بالإشارة إلى أن لا تزال موسكو قلب روسيا النابض، تلعب دور المشاهد الصامت، في مسرح الدُمى العالمي. ولكنها تُساهم وبهدوء في رسم مفاصل السياسة الدولية الجديدة، من خلال وقوفها مع نظام سوريا الشرعي، وعدم دعمها لثوارها هو مأخذ اطفال سوريا عليها؛ ولكن، لن يُلزِمُ او يفرِضُ احد على موسكو، كي تكون ملكية اكثر من الملك، وكذلك يجب أن لا يُطلب منها العمل على اسقاط نظام ما أو تحرير شبر ارض سليب، لم يتمكن اهله من استعادته.

وهنا نتابع تصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الصحفية عقب اجتماعه أمس الأربعاء في موسكو مع نظيره السويسري ديديه بوركهالتر، الرئيس الحالي لمنظمة الأمن والتعاون الأوروبي. وفيها أكد مشيرا إلى ان بلاده “ساعدت في إطلاق سراح مجموعة من المراقبين التابعين لمنظمة الأمن والتعاون الأوروبي”، الذين تم توقيفهم في نهاية نيسان الماضي عند حاجز أقامه أفراد المقاومة الشعبية في ضواحي مدينة سلافيانسك للاشتباه بقيام المجموعة بمهمة استخباراتية لصالح سلطات كييف.

وأشار بوتين الى أن الانتخابات الرئاسية المقررة في أوكرانيا يوم 25 أيار بأنها “خطوة في الاتجاه الصحيح”، مضيفا أنه “يجب أن يفهم ويثق الناس في جنوب شرق أوكرانيا أن حقوقهم ستحترم عقب هذه الانتخابات”. وأكد على “ضرورة إقامة حوار مباشر بين كييف ومناطق جنوب شرق البلاد لطمأنة سكانها”. كما كان قد أيد فكرة “تنظيم طاولة مستديرة بمشاركة الأطراف الدولية لبحث الأوضاع في أوكرانيا” كما  اقترحتها المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في مكالمة هاتفية معه مؤخرا. هذا وكانت الوكالات عن الرئيس بوتين بأنه يمكن لحلف الناتو ان يطمئن بأن القوات الروسية انسحبت من الحدود المتاخمة لأوكرانيا من خلال أقمارها الصناعية.

هذا وقد لاقت دعوة الرئيس الروسي امس الأربعاء للأهالي في شرق أوكرانيا والمطالبين بالإستقلال صداً حسنا، دعى فيها إلى التريث وتأجيل الاستفتاء المقرر في 11 أيار على تقرير مصير بعض المناطق في جنوب شرق أوكرانيا – كما تناقلت وكالات الأنباء.

وأكد فلاديمير بوتين عقب اجتماعه في أمس الأربعاء مع نظيره السويسري  ديديه بوركهالتر، الرئيس الحالي لمنظمة الأمن والتعاون الأوروبي، إن مباحثاته مع بوركهالتر أظهرت أن مواقف موسكو والمنظمة حيال تسوية الأزمة الأوكرانية متطابقة إلى حد كبير.

وهنا جدير بالذكر، اشارتي السابقة وعلى صفحات هذا الموقع، بأنني اشرتُ الى مذابح قادمة سيقوم بها المتعصبون الأوكران، وهذا ما جرى بالفعل. وخاصة بأنه الحكيم صدبقي المذكور أعلاه ك “تلميذ بيتيريم ساروكين”، كان قد اشار علي منذ سنوات خمس مضت، بمتابعة نشاط احفاد مملكة الخزر على الأرض الأوكرانية، وبالفعل كنت قد قرأت اخبار الثورة البرتقالية في ساحات كييف قبل وقوعها، كما قرأت في مقالي الماضي المذابح القادمة والتي تمت بالفعل ويمكن متابعتها لذوي القلوب القوية في الروابط المرافقة ادناه. ومنها حرق مبنى النقابات في اوديسا بمن فيه وعدم السماح لأحد بالخروج. ومن خرج لقي هراوة على رأسه او خُنقت بأسلاك الهاتف بالرغم من حملها في الشهر الأخير.

وتأتي هذه المحاولة ايضا، بالسعي لتسعير الصراع بدعم من قوى خارجية، بالإستناد على امكانيات الداخل الأوكراني، بتقسيماته القبلية العشائرية الأربع[1] والتي يمكننا ان نذكرها في مقال لاحق. ولكن المحاولة الجديدة لتنسعير المذابح، تذكرنا بمذابح الأرمن والقوميات الأخرى على ارض الدولة العثمانية آنذاك، والتي تلقت صفعة من امبراطور روسيا لوصفها ب “الرجل المريض”، وكانت مذابح عام 1914 وكان ضحيتها 2 – 2.5 مليون انسان، وهدفها ابعاد الأمبراطورية الروسية التوسعية عن المياه الدافئة. اما لماذا توسعية فيمكننا لمسه من الدستور الأمبراطوري الروسي لعام 1904 ومن المادة 59 فيه والتي رددها كافة حكام روسيا على مدار التاريخ؛

متضمنة كل من حملوا ألقاب أمير نوفغورود (بالروسية: Князь новгородский؛ كنێاز نوڤگورودسكي)، وأمير كێيڤ االمعظّم (بالروسية: Великий князь Киевский – ڤيليكيێ نێاز كێڤسكي)، وأمير ڤلاديمرْ المغظّم، وقيصر كل الروس وإمبراطور عموم الروسيا (بالروسية: Император Всероссийский؛ – إمپيراتور ڤسيروسيسكي)، بداية من الأمير روريك، أمير نوڤگورود، الذي جعل منه التاريخ الروسي شخصية شبه أسطورية أواسط القرن التاسع الميلادي، نهاية بالإمبراطور نيقولا الثاني، الذي أطاح به البلاشفة في أعقاب ثورة أكتوبر عام 1917.

وفيه نقرأ المادة 59 من دستور روسيا 1906 : “بفضل من الرب، نحن نيقولا، إمبراطور وأوتوقراطي كل الروسيات، موسكو، كييف، فلاديمير، نوفغورود، قيصر قازان، قيصر أستراخان، قيصر بولندا، قيصر سيبيريا، قيصر تاوريك تشيرسونيسوس، قيصر جورجيا؛ لورد بسكوف، والأمير الكبير لسمولينسك، ليتوانيا، فولهينيا، بودوليا، وفنلندا؛ أمير إستونيا، ليتوانيا، كورلاند، وسيميغاليا، ساموغيتيا، بيلوستوك، كاريليا، تفير، يوغور، بيرم، فياتكا (الاسم السابق لكيروفسكي أوبلاست – منطقة كيروف)، بوغار وغيرها؛ الحاكم والأمير الكبير لنيجني نوفغورود، تشرنيغوف، ريزان، بولوتسك، روستوف،  ياروسلافل، بيلوزيرو، أدريا، أوبدوريا، كونديا، فيتيبسك، مستيسلاف، وحاكم جميع الأقاليم الشمالية، حاكم ولورد إيبريا، كارتالينيا، الأراضي القبردية والإقليم الأرميني: صاحب السيادة الوراثية وحاكم الشركس وأمراء الجبل وغيرهم؛ صاحب سيادة تركستان، وريث النرويج، دوق شليسفيش هولشتاين، ستورمارن، ديتمارن، وأولدينبرغ، وغيرها…”.

وعلى ذكر الأمبراطور نيقولا الثاني الذي وصف الأمبراطورية العثمانية ب “الرجل المريض” نذكر صفحة من تاريخ حقبته وهي ما يُسمى ب “الأحد الدامي”:

الأحد الدامي (روسية: Кровавое воскресенье) كان حادثة وقعت يوم الأحد 22 من شهر كانون الثاني سنة 1905م ، في سانت بطرسبورغ بالامبراطورية الروسية حين تقدم متظاهرون غير مسلحين من عمال الحديد والصلب بالزحف نحو أبواب قصر الشتاء ليقدموا التماس للقيصر نيقولا الثاني ، وعندما دخلت الجموع إلى ساحة القصر، أُطلق الحرس الإمبراطوري الروسي بوابل من الرصاص. قاد الأب غيورغي غابون التظاهرة بتنسيق مع سيرغي زوباتوف عضو الحرس الخاص (الشرطة السرية الروسية) و كان هدفهم تأسيس منظمات عمالية. وكان الأحد الدامي حادثة ذات وقع كبير بعواقب خطيرة على نظام القيصر حيث لم يقدم الذين شهدوا الحادثة من العامة الدعم للحكومة. وبلغ عدد المتظاهرين أكثر من 300 ألف شخص و فاق عدد القتلى اربعة ألاف حسب تقديرات المعارضين و 96 حسب تقديرات السلطات آنذاك، فمات الأطفال والنساء والرجال العزّل … أما الجرحى فكانوا آلافاً عديدة .. و تسبب هذا الحدث في الثورة الروسية لعام 1905م (ثورة شباط)، وسمّى ذلك اليوم بيوم الأحد الدامي، وكان نقطة تحوّل في تاريخ روسيا ، فقد صار القيصر غريباً عن شعبه، وبدأت ثورة عام 1905م ، وعندما وصلت تلك السنة إلى نهايتها كان 1500 من كبار مسؤولي الحكومة قد قتلوا . وقد فر غيورغي غابون إثر الحادثة إلى خارج روسيا و حين عاد قتلته منظمة “الاشتراكيين الثوريين”.

وهنا نذكر الشخصية الشهيرة راسبوتين والذي لم يكن وحده ذو تأثير على روسيا مع بداية القرن العشرين، إذ كانت جبهة ضغط قوية تتصاعد في البلاد، إلا وهي المعارضة الثورية الرافضة للملكية، وقد ساهم الفقر السائد في تغذية هذا الاتجاه وفي دعم جذوره. ومنها ظهر حزب العمل الديمقراطي الاجتماعي عام 1898م ، كما تأسس الحزب الاشتراكي الثوري عام 1901م ، وصار يدعو إلى قيام حكومة دستورية. هذا وقد عاد القيصر في بداية عام 1917م وسط شعور متزايد بالعزلة، وراجت أقاويل حول مؤامرات في أوساط طبقة النبلاء لاعتقال القيصر وزوجته وأفراد الأسرة الملكية الحاكمة … لكن الغليان الحقيقي كان يتّقد في مكان آخر من روسيا.

وكان وصول لينين في بداية العام 1917م إلى روسيا، وفي اليوم الأخير من شهر آذار طبِّق نظام تقنين الخبز وتسابق الناس إلى المخابز، وحل بعد ذلك إضراب لعمّال التعدين، وفي يوم 8 آذار بدأت الثورة الروسية وانتشرت المسيرات العنيفة العارمة عبر البلاد وانتشر التمرّد في أوساط الجيش، وأدّى الشغب إلى مهاجمة مراكز الشرطة وإحراقها ، كما هوجمت دور المحاكم.

في يوم 15 من شهر آذار سقط آل رومانوف ، ووافق القيصر – دون أن يملك أي خيار آخر – على التنازل عن العرش، وكلّف الدوق الأكبر ميخائيل الكسندروفيتش بتسيير أُمور البلاد. ونُقلت الأسرة المالكة إلى قصر “تسارسكويه سيلو – بيترغوف حاليا” ضواحي سانت بطرسبورغ، ووضعت الأسرة قيد الاعتقال، ولذلك حاولت العائلة المالكة البريطانية تدبير عملية إنقاذ وتهريب القيصر وعائلته إلى لندن.

وبعد مقتل القيصر نيقولا الثاني على يد البلاشفة. أصبح كل بلشفي شريكاً في تلك الجريمة، وبالتالي اندفع لقتل كل من له صلة بنظام القيصر، ولكن مع الوقت، أدت المبالغة في القتل إلى إيقاظ الضمير العام لدى الناس. وأدرك البلاشفة بعد قتل القيصر وأسرته مدى قدرتهم على ارتكاب جرائم جديدة القتل، وبالتالي إمكانية الاستفادة من القتل لتحقيق النجاح. أما الشيء الذي لم يدركه البلاشفة في ذلك الوقت أن القتل وسفك الدماء سلاح ذو حدّين، وهذا ما كان في التوسع الذي بدأه على يد جوزيف ستالين ، ارتدت وجهة جرائم القتل، فصار الاتحاد السوفييتي نفسه هدفاً لها.

أمّا قمة السخرية فهي أن اغتيال القيصر سيؤدي إلى اغتيال تروتسكي نفسه، وهو أحد رجلين قادا الثورة الروسية منذ يومها الأول، ويؤذي أيضاً إلى اغتيال الألوف والألوف من المواطنين السوفييت. أما في موسكو ، فقد جرت نقاشات طويلة حول مصير القيصر، فقد أراد تروتسكي تقديم القيصر للمحاكمة، ولكن لينين رفض الفكرة خوفاً من التأييد والتعاطف الشعبي مع القيصر وعائلته.

 

[1]  اراضي أوكرانيا الحالية حكمها شعب (سكيف) (قبائل إيرانية) منذ القرن السابع قبل الميلاد. ووقعت أجزاء من أوكرانيا أكثر وأكثر تحت هيمنة السلطات الأجنبية. وفي القرن الثالث حكمت أراضي أوكرانيا الغوت (قبائل جرمانية). وفي القرن الرابع بعد الميلاد طردوا من أراضي أوكرانيا من قبل الهون. القبائل السلافية احتلت وسط وشرق أوكرانيا في القرن السادس بعد الميلاد, ولعبوا دورا مهما في تأسيس مدينة كييف. وبكونها واقعة على الطرق التجارية المتميزة, ازدهرت كييف بسرعة كمركز دولة الروس الكييفية القوية. في القرن الحادي عشر كانت دولة الروس الكييفية جغرافيا أكبر دولة في أوروبا. ونصر الأمير فلاديمير أعيان كييف وغالبية الشعب عام 988 و أدت النزاعات بين الإقطاعيين إلى الانحطاط في القرن الثاني عشر. وظهر عدد كبير جدا من الدويلات الروسية ذات النظام الإقطاعي. وكانت إمارة هالتسك فولن أهم دولة في أوكرانيا. وعام 1239 استولي المغول على الأجزاء الكبيرة من أراضي أوكرانيا, وأصبحت أوكرانيا جزءا من دولة الجيش الذهبي (المغولية). وأصبحت الأجزاء الشمالية من أوكرانيا جزءا من بولندا وليتوانيا حوالي عام 1350. وأصبح الجزء الجنوبي يحكمه التتر منذ عام 1430 و كان الجزء الأخير جزءا من الامبراطورية العثمانية, وانضمت الأراضي الحرة من البلاد التي لم تنتم إلى بولندا أو ليتوانيا إلى روسيا بين عامي 1654 و 1667. وبعد تقسيمات بولندا ما بين عامي 1772 و 1795 كانت كل الأراضي الأوكرانية جزءا من روسيا باستثناء أقصى غربها الذي وقع تحت السيادة النمساوية. وحظرت روسيا استخدام اللغة الأوكرانية وتعلمها.