on
Archived: عامر شيخوني: ما الذي نفهمه من مبدأ الحاكمية لله؟
عامر شيخوني: السوري الجديد
يَتبنى كثير من المسلمين فهماً خاصاً لمبدأ “الحاكمية لله”، ويَبنون على ذلك استنتاجات كثيرة عما يجب أن يكون عليه شكل نظام الحكْم في الدولة حسب مفهومهم الإسلامي هذا. ويصل بعضهم بالتداعي المباشر البسيط إلى أن هذا المبدأ يقتضي بالضرورة المنطقية والإيمانية أن يُطالِب المسلمون بتطبيق نظام حكْم إسلامي في كل دولة، وأن يَسعوا إلى تحقيق ذلك الهدف بكل الطرق التي تناسب ضرورة الحال. كما يقتضي أن يرفضوا كل نظام حكْم غير “حاكمية الله”. ويصل بعضهم إلى جعل ذلك فريضة إسلامية، تقودهم إلى الاختلاف مع كل من يقول بغير ذلك، وإلى اتهامهم بعدم الالتزام بما تقتضيه الشريعة والدِّين، بل والاتهام بالعَلمانية والكفر والخروج عن الملة.
وتكمن بذور المشكلة في ناحيتين:
1 – مَن الذي يُمثِّل “حاكمية الله” في الدولة؟
2 – هل تعني “حاكمية الله” فعلياً وعملياً “حكْم الدولة”؟ أم أنّ لها معنى آخر؟ وما هو المرجع الذي يجب أنْ نعتمد عليه للتوصل إلى الفهم الصحيح لهذه “الحاكمية”؟ هل هو القرآن الكريم؟ أم كتابات المفسرين والمفكرين؟
يواجه المواطن العادي مصاعب جمَّة في حَلِّ الإشكال الأول، فكيف يستطيع أن يقرر مَن الذي يُمَثِّل حاكمية الله في الدولة؟
إذ طالما ادعى الملوك والأباطرة والفراعين والحكام والشيوخ والأمراء أنهم “ظِلّ الله في الأرض”، وأنّ الله هو الذي منحهم كرسي الحكْم، وبناء على ذلك بالطبع فهم يَطلبون أنْ يَخضع لهم الناس، وألا يَعصوا لهم أمراً، لأنّ أوامرهم هي مِنْ “حاكمية الله”! وتدَّعي بعض الفرق والأحزاب والمِلَل أنّ “الشريعة” هي وحدها التي تفَصِّل وتوضِّح “حاكمية الله”، وأنّ جماعتهم أو مِلَّتهم، أو طائفتهم هي وحدها التي تمتلك الفهم الصحيح لأحكام الشريعة العصماء. وقد ادعى ذلك كثير مِن المِلَل والنِّحَل في الماضي، وبعض الدول والطوائف والأحزاب الإسلامية في وقتنا الحاضر، بما فيها بعض الطوائف الباطنية التي تكاد تُجمِع الأمة الإسلامية على ضلالها! كما توصَّل بعض الذين يؤمنون بمبدأ “الحاكمية لله” إلى أنّ اللجوء إلى الانتخابات والتصويت بالأكثرية والأساليب الديموقراطية لا تنسجم مع هذا المبدأ، وقالوا إننا نحتكم إلى “الشريعة” وليس إلى أحكام تقررها الأكثرية الديموقراطية والتصويت في الانتخابات. يطالِب هؤلاء بحكْم الشريعة ويتحمسون لها ويتقاتلون ويقتلون من أجلها، لكنهم يختلفون جذرياً حول ما الذي يقصدونه بالشريعة؟ وعن أي شريعة يتحدثون؟ هل هي شريعة داعش؟ أَم ولاية الفقيه؟ أَم شريعة القاعدة؟ أَم الوهابية السلفية؟ أَم الصوفية؟ أَم شريعة علماء عصر النهضة؟ أَم شريعة فقه أحد المذاهب الأربعة أو الخمسة التي كَتب نصوصها فقهاء أجِّلاء عاشوا قبل أكثر من عشرة قرون، وكلُّهم بشر يصيبون ويخطئون؟ أَم الوسطية الحديثة التي يكتب عنها علماء مسلمون معاصرون؟ وكل فئة تصر على أنها الفرقة الناجية، وأنّ الفرق الأخرى ضالة كافرة، فأين الصواب؟
في مواجهة هذا الموقف الصعب، يقتضي المنطق أنْ نتساءل: إذا كانت “الحاكمية لله” تعني بالفعل أنّ “حكْم الدولة لله”، وبما أنّ “الله” لا يمكن عملياً أنْ يحكم الدولة بنفسه، فلا بد مِنْ أنْ يقوم أحد ما أو فئة ما بحكْم الدولة باسم الله. ولكن مَن الذي يقرر ذلك ويختار؟ هل يقرر الله ذلك بنفسه ويمنحه لمن يستحق؟ وكيف يمكن التأكد من حدوث ذلك الاختيار المقدس؟!
من الواضح أننا نقع في إشكالات عملية يصعب حلها. يعلِّمنا تاريخ البشرية المرير وحاضرها المؤلم أنّ كثيراً ما لَجأ المدعون والفاسقون والسياسيون الفاسدون والملوك والمتسلطون إلى مثل هذه الحجج لكي يَحكموا الناس ويُخضِعوهم لتنفيذ أوامرهم ورغباتهم بجعلها أوامر ورغبات مقدسة باسم الله العلي العظيم! فكيف يميز الناس مَن يمثِّل “حاكمية الله” بحق ومَن هو مدَّع كذاب؟ إذا قلنا أنّ اختيار الحاكم يتم بأخذ رأي المفكرين والحكماء، فذلك يقتضي القدرة على انتقائهم وتمييزهم بين الناس، ومنحِهم سلطة اختيار الحاكم، والقدرة على عزله، وسلطة فرض القوانين والأحكام التي تسيّر أمور الدولة. ولكنْ، مَن الذي سينتقي هؤلاء الحكماء؟ وكيف؟ هل سيختارهم الخليفة؟ الملك؟ القاضي؟ أم الشعب؟ ومَن الذي سيختار الحاكِم أصلاً؟ هل يختاره الناس؟ أم القدر؟ بالوراثة؟ أم أنّ شرعية الحكم تستند إلى انتزاع الحكم بالقوة والسلطان؟ وقد علَّمنا التاريخ عبر قرون طويلة من الآلام والأحزان ضرورة التفكير جدياً بالانتخابات والأساليب الديموقراطية التي يرفضها أصلاً أكثر الذين يطالِبون بحكم الله.
أما بالنسبة للإشكال الثاني، فالمسألة أكثر تعقيداً. عندما فكّرتُ بمعنى “الحاكمية لله” خَطَر لي أنْ أرجع إلى المعنى الأصلي للحكْم والحاكمية في القرآن الكريم. بحثتُ في النص المقدس عن كلمة الحكْم باشتقاقاتها المختلفة في موقع المصحف الإلكتروني بجامعة الملك سعود، فوجدتُ أنها وردت في النص مئة وثلاث مرات، منها ثمان عشرة آية لا تتعلق بحكْم الدولة، مثل: ” آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ”، ” فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا”، ” لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ”، ” وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ “، “كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ”، “يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ۖ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا”، “وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا”، “فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ”، ” سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ”، ” فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ”.
أما بقية الآيات فقد وجدتُ أنّ كلمة “حكْم” أو مشتقاتها قد ورَدتْ بمعان مختلفة هي:
– تسع عشرة مرة بمعنى حكْم الله بين الناس يوم القيامة، مثل قوله: “فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ”.
- – تسع وعشرون مرة بمعنى الحكمة، مثل قوله: “وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ”.
- – تسع وعشرون مرة بمعنى القضاء بين الناس، مثل قوله: “لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ”، وقوله: “وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ”.
- – ثمان مرات يأتي حكْم الله بمعنى القضاء والقدر، مثل قوله: “فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي ۖ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ”. وقوله: “وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا”.
إذاً أين في القرآن ما يدل على “حاكمية الله” بمعنى حكْم الدولة؟
لعل أكثر الآيات دلالة على “حاكمية الله” هي تلك التي تنص على: “إِنِ الحكْم إلا لله”. ولكن إذا بحثنا في القرآن الكريم عن الآيات التي جاءت فيها هذه الجملة لوجدنا أنها وردَتْ في آيات ثلاث هي:
– الأنعام – الآية 57 قُلْ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ ۚ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ ۚ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ يَقُصُّ الْحَقَّ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ
– يوسف – الآية 40 مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ۚ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
– يوسف – الآية 67 وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ ۖ وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ ۖ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ
فإذا قرأنا الآية الأولى في سياق سورة الأنعام من الآية 56 إلى الآية 67 لفهمنا أنّ الحكْم الذي يتحدث عنه القرآن في هذه الآيات هو حكْم الله بين المؤمنين والكفار يوم القيامة، ذلك الحكْم الفصل الذي لا يملكه حتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس حكْم الله للناس في الأرض. أما الآية 40 التي وردَتْ على لسان النبي يوسف مخاطباً صاحباه في السجن، فمن الواضح أنّ “حكْم الله” الذي يتحدث عنه هو “دين الله القويم”، وليس حكْم الدولة. كما وردَت الآية 67 في سورة يوسف أيضاً على لسان النبي يعقوب، ومِنَ الواضح أنّ “حكْم الله” قد ورد فيها بمعنى قضائه وقدره وليس بمعنى حكْم الدولة أيضاً.
كما يَذكر أصحاب فكرة “حاكمية الله” هذه الآية: “أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ” المائدة (50). ولكن، لنقرأ هذه الآية كما وردت في سياق سورة المائدة، من الآية 42 التي تبدأ بالحديث عن اليهود:
” فَإِن جَاءُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ۖ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئًا ۖ وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ* وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ”، ثم عن النصارى: “وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ”… أعتقد أننا يمكن نفهم من سياق هذه الآيات أنه إذا طَلَب الناس من الرسول الكريم أن يحكم بينهم فيما اختلفوا فيه، فعليه أن يحكم بما في القرآن الكريم أو أن يعرض عنهم. يشير سياق الآيات إلى أنّ القضاء بين أتباع الديانات السماوية يجب أنْ يتم في كل فئة أو طائفة حسب شريعتها، وإذا رُدَّ الأمر إلى الرسول عند الاختلاف بينهم في أمور حياتهم فعلى الرسول أن يقضي بينهم وفق حكْم القرآن وليس وفق أحكام الجاهلية قبل الإسلام.
ويذكرون أنّ مَن لمْ يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون أو الكافرون، فلنقرأ هذه الآيات كما وردّتْ في سورة المائدة من الآية 42 إلى الآية 50:
42- سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِن جَاؤُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ
43- وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ
44- إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ
45- وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
46- وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ
47- وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ
48- وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّه مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ
49- وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ
50- أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ.
تؤكّد هذه الآيات أنّ القضاء بين الناس فيما اختلفوا فيه إنما يتم لكل فئة أو طائفة دينية سماوية حسب أحكامها التي قررها الله عليها. أما القضاء في الإسلام فهو بحسب ما جاء به الوحي في القرآن والسنة، وليس بحسب أحكام القضاء في الجاهلية. و”لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة”. صدق الله العظيم.
وَرَدَ في الآية العاشرة من سورة الشورى: “وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ”. ويتخذها بعضهم حجة لإثبات مبدأ حاكمية لله. وهنا أيضاً لنقرأ الآية في سياقها القرآني:
7- وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ
8- وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن يُدْخِلُ مَن يَشَاء فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُم مِّن وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ
9- أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
10- وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ
وهنا أيضاً يتضح أنّ الاختلاف الذي تتحدث عنه الآيات والذي يجب أنْ نُرجِع الاحتكام فيه إلى الله هو الاختلاف في الدِّين وليس في حكْم الدولة.
شكل الحكْم في مجتمع مسلم
من الواضح أنّ شكل حكْم الدولة غير محدد بنص صريح قطعي الدلالة في القرآن، كما أنّ النبي الكريم صلى الله عليه وسلم لمْ يحدد لأصحابه شكل ونظام الحكْم الذي يجب عليهم أن يتبعوه، ولذلك وصل كل واحد من الخلفاء الراشدين إلى الحكْم بطريقة مختلفة، إلى أنْ فَرَضَ معاوية فكرة توريث الحكْم في الإسلام رغم معارضة كثير من الصحابة. ولو عَلِمَ الصحابة ضرورة اتباع شكل محدد من أشكال الحكْم في الدولة المسلمة لكانوا أجدر منا بتطبيقه. لقد وَضَعَ الإسلام مبادئ أساسية للحكْم الإسلامي، مثل العدل والمساواة والحرية والشورى والبيعة وحفظ الدم والمال والعرض … ولكن كيفية تطبيق هذه المبادئ تُركتْ مفتوحة لما يتفق عليه المسلمون بما يناسب أحوال زمانهم ومكانهم. هذه مبادئ نظام حكْم الدولة في المجتمع المسلم، فكيف يكون ذلك في مجتمع تسود فيه الجاهلية مثل مجتمعاتنا العربية هذه الأيام؟ صحيح أنّ أكثرية السكان في البلاد العربية تدين بالإسلام، ولكننا نعلم جيداً مِن سلوكهم الواقعي ومِن أخلاقهم وأحوال حياتهم أنهم بعيدون جداً عن تطبيق أسس هذا الدين الحنيف وأخلاقه ومبادئه، فهل نفرض “حكْم الله وشريعته” عليهم فرضاً؟ أم ندعوهم إلى الإسلام الصحيح أولاً؟ فإذا أصبح أكثرهم مسلمين حقاً طالبوا أنفسهم بتطبيق أحكام الإسلام، وعسى أنْ نعيش لنرى ذلك اليوم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
التباس لغوي؟
لعل الالتباس الذي حدث في مبدأ “الحاكمية لله” إنما يرجع إلى ما فهمه بعض الفقهاء والمفسرين المعاصرين من كلمة “حكْم”. فقد فهموا لفظة “حكْم” بالمعنى المعاصر لكلمات مثل: الحكْم والحكومة والحاكم … بينما كانت لغة العرب في الجاهلية وصدر الإسلام تستخدم كلمة “الحكْم” بمعنى القضاء بين الناس، ولم يستخدموا كلمة “الحاكم” لوصف رئيس الدولة، بل استخدموا كلمات مثل: أمير المؤمنين أو الخليفة أو الوالي. وربما يعود هذا الفهم المعاصر إلى التباس لغوي بين الفهم القديم والفهم الحديث للكلمة في اللغة، وهذا يشبه الالتباس اللغوي في استخدام كلمات مثل القلب واللب والفؤاد بمعنى الذات أو العقل في الماضي وليس بالمعاني التشريحية المعاصرة لهذه الكلمات. ومثل ذلك استخدام كلمة “الذرّة” بالمعنى الفيزيائي الحديث، أو استخدام آية “وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا” كدليل على فلسفة الجَدليّة المادية لكارل ماركس، أو لإثبات صحة مبدأ جَدَل الإنسان لعصمت سيف الدولة! والاختلاف واضح هنا بين هذه المبادئ والمعنى المُراد كما ورد في سياق النص القرآني الكريم ولو تشابهت الكلمات. سأحاول تطبيق مبدأ فهم الكلمات والآيات حسب ورودها في القرآن الكريم على مبدأ “الولاء والبراء” أيضاً، لأنني أشك بأن فهم هذا المبدأ لدى بعض الفئات المتشددة يستند أيضاً إلى عدم الدقة في قراءة الآيات حسب ورودها في النص، والله أعلم.
– See more at: http://newsyrian.net/ar/content/%D9%85%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%8A-%D9%86%D9%81%D9%87%D9%85%D9%87-%D9%85%D9%86-%D9%85%D8%A8%D8%AF%D8%A3-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%A7%D9%83%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D9%84%D9%87-%D8%9F#sthash.Dde7OI51.afSnklCZ.dpuf