Archived: منير درويش : وداعاً جورج طرابيشي

منير درويش : كلنا شركاء
ببالغ الأسى تلقينا نبأ وفاة المثقف والكاتب السوري والعربي جورج طرابيشي الذي مثل قامة وطنية شامخة في مجال السياسة والثقافة والفكر ، وامتلك من خلال ثقافته وعياً وطنياً كان له دور بارز في مواجهة الاستبداد أياً كان مصدره سياسياً أم دينياً أو اجتماعياً وكان يعزز هذه المواجهة بالبراهين والأدلة وكان نصيبه من هذه المواجهة إما السجن كما حصل له عام 1966 والذي عانى منه أغلب السياسيين والمثقفين الذي تبنوا قضايا شعبهم وأمتهم ، أو الهجوم عليه من قبل الأفراد والمجموعات التي كانت ترفض كل ما كان يقف في مواجهة التأخر والتخلف . لقد كان له إلى جانب أصدقائه ورفاق دربه ياسين الحافظ والياس مرقص وجمال الأتاسي وغيرهم الكثيرين دوراً بارزاً في تعزيز ثقافة الديمقراطية والوعي الديمقراطي وتشهد على ذلك المؤلفات الكثيرة التي خلفها كل منهم والتي رغم أن الكثيرين أشادوا بها إلا أن وعيهم تجاهها بقي أدنى بكثير مما تضمنته أو هدفت له . وقف إلى جانب المواطن ، دافع عن حقوقه ، وغلى جانب الإنسان معززاً قيمه الحضارية وتقدمه الاجتماعي ,ووقف إلى جانب المرأة التي تعاني في المجتمعات العربية والتي كان يجد دوماً أن لا تقدم في هذه المجتمعات بدون أن تكون على منصة العمل الوطني والوعي الفكري إلى جانب الرجل الذي حاول دائماً إقصاءها منطلقاً في ذلك من وعيه الذكوري وسيطرته السلطوية .
عمل في مجال السياسة المباشرة بانتمائه لفترات قصيرة إلى أحزاب سياسية ساهم في صياغة أنظمتها وبرامجها لكنه سرعان ما وجد أن التمحور حول حزبية ضيقة لن تتيح له فضاء الثقافة الواسع والتعبير بحرية أكبر عن هذه الثقافة ووصولها لجمهور أكثر .
لم تمضي إلا أيام قليلة عندما كتب ملخصاً لسيرته الذاتية في محطات ستة وكأنه كان على موعد مع الغياب كان يعبر دوماً في جلساته بأن حياة الانسان لحظة وها هي حياته انتهت بلحظة ، لم يمهله هذا الغياب للرد على بعض الانتقادات التي وجهها البعض لهذه السيرة .
نحن هنا لسنا بصدد كتابة سيرة جورج طرابيشي فمؤلفاته تعبر عنها لكننا نقول ، إذا كان الواجب يفرض علينا أن أن نعزي أنفسنا برحيل جورج و أن نعزي أسرته التي كانت ركناً اساسياً في دعم مسيرته الفكرية والثقافية وخاصة زوجته الكاتبة المعروفة هنرييت عبودي ، فإن إن الواجب يفرض علينا أيضاً أن نعيد ما تركه لنا جورج من ثقافة نحاول دراستها واستخلاص الدروس منها كي نكون قادرين على رسم المستقبل لوطننا وأمتنا .
وداعاً جورج ستبقى إلى جانب ياسين الحافظ والياس مرقص وجمال الاتاسي ومئات المثقفين الوطنيين في سورية والبلدان العربية واحداً من أبرز رموز الثقافة وسنبقى نتمثل ما تركته لنا كي نبني أوطاننا .