on
Archived: فايس نيوز: من الطبقة الوسطى إلى (العيش في كابوس) كيف انهار نظام الطبقات في سوريا
فايس نيوز: ترجمة ايهم القصير- السوري الجديد
قطع عدد متزايد من اللاجئين السوريين في الأردن كل الصلات مع وطنهم عبر بيع اخر ما يملكون -أراضيهم في سوريا- لتأمين تمويل معيشي ضئيل، وفي بعض الحالات لدفع المال لمهربي البشر لدخول أوربا.
ارتفاع وتيرة حالة البيع يأتي مع اقتراب الشتاء، ومحاولات السياسيين الأوربيين لتضييق الخناق على الحدود وترددهم في زيادة المساعدات الإنسانية. ومع شعورهم بوجود فرصة للفرار من البلاد. تقوم أعداد متزايدة من السوريين ببيع الأراضي الزراعية التي امتلكتها عائلاتهم لأجيال مضت وذلك للوصول إلى أوربا قبل أن يفوت الأوان.
أبو أحمد، أب لتسعة أطفال، وهو ممن باعوا أراضيهم حديثاً، يقول من شقته المهترئة في قبو في إربد، وهي مدينة في جنوب الأردن، استعاد بائع السجاد حادثة بيع أرضه التي تبلغ مساحتها 18 دنماً (194،000 قدم مربع) في قرية الحراك في محافظة درعا جنوب سوريا. وبلغ سعر المبيع 6 آلاف دينار أردني أي ما يعادل 8500 دولار، وهو غالباً ما يشكل 20 بالمئة من قيمتها ما قبل الحرب……كان هذا المبلغ كافياً ليوصل ابنته ذات الـ 14 وابنه الأكبر ذا الـ 16 عاماً، وحفيده ذا الثلاث سنوات إلى أوربا وحيدين، وهم الآن في ألمانيا.
يقول أحمد: ” لم أملك المال لأطعمهم، والآن لم يبقَ لدي شيء في سوريا”. وكان قد حطمه الذنب الذي يشعر به لتعريض الأطفال الثلاثة للخطر، بالإضافة إلى أنه يخاف أن يجوع أطفاله قبل أن تتمكن العائلة من لم شملها في ألمانيا.
المال الوحيد الذي يأتي للمنزل هو المساعدة الشهرية الممنوحة من برنامج الغذاء العالمي: 15 دينار (21 دولار) لكل شخص شهرياً، وهذا يجب أن يطعم كل العائلة، وعلى رغم مخاطرة أحمد ببعض المتاعب مع الشرطة بسبب عمله بشكل غير قانوني في موقع للبناء، يحصل على سبعة دنانير في اليوم لكنها لا تكفي كثيراً أيضاً.
عدم قدرة السوريين على المشاركة في سوق العمل بشكل قانوني تعني أنه عليهم أن يبقوا بشكل دائم معتمدين على المساعدات، وهو حمل على الدول المضيفة لهم والمجتمع الدولي الذي يمول مساعدات الأمم المتحدة للاجئين في المنطقة، وما دام اللاجئون غير قادرين على الحصول على حق العمل، فإن الوضع الراهن سيستمر. إنه ليس سيئاً فقط على مستوى الناس والحكومات التي تمول مساعدات اللاجئين، بل من ناحية الثقافة أيضاً حيث يفخر الرجال بتأمين الحياة لعائلاتهم فإن عدم قدرتهم على فعل ذلك سيكون مدمراً.
إن الإحباط والاكتئاب سيكون كبيراً. لرجال متوسطي العمر مثل أحمد مسلوبي المال، وينتظرون مستقبلهم في مكان يمنع عليهم العمل فيه حيث نجاة أطفالهم مرتبطة بنزوات المتبرعين والحكومة المضيفة.
“ماذا عليّ أن أفعل؟ هل أبيع أطفالي؟” يسأل أحمد مقلباً كفيه الفارغين “لم يبق شيء”
أب سوري آخر في المبنى السكني نفسه يملك قصة مشابهة. أبو محمد، أب لـ 11، كان بشكل كبير من ذوي الدخل المتوسط في درعا، بالإضافة لامتلاكه 100 دنم من الأراضي الزراعية والبساتين. (الدنم عبارة عن ألف متر مربع أو 10،763 قدم مربعة) وبعد ثلاث سنوات في الأردن اقترض المال ليدفع لمهربي البشر ليوصل ابني أخته إلى أوربا في تموز، وباع أفضل أراضيه الغنية بالدراق وأشجار التفاح ليسدد القرض.
أبو محمد باع كل دنم مقابل 375 ديناراً، وهو ما يعادل ربع قيمته ما قبل الحرب. وكان ينوي بيع خمسة دنمات أخرى بسعر أكثر انخفاضاً لتهريب ابنيه بالطريقة نفسها.
ورث أبو محمد الأرض كجاره أحمد من أبيه، وباعها لسوريين مهجرين في الخليج يعملون كتجار وعمال.
قال أبو محمد “هؤلاء المشترون لم يكونوا أبداً قادرين على الشراء من قبل ونحن لم نكن لنضع البيع في الحسبان. الطبقة القديمة من ملاك الأراضي تحطمت، والمنفيون في الخارج يصعدون. إنه تغير في بنية المجتمع”
أكثر من نصف جيران أبو محمد في سوريا كانوا قد باعوا أو يفكرون في بيع أراضيهم كما يقول، واعترف أنه قد يبيع المزيد من الأراضي إذا ساءت الأوضاع أكثر. تأثير هذا على مستقبل سوريا سيتبين لاحقاً. من سيزرع الأراضي ويقطف محاصيل العنب والتين والتفاح في السنوات القادمة. يتساءل أبو محمد:
“الأرض شيء مقدس، ترثها وتورثها لابنك. يبدو وكأننا نعيش كابوساً”
“في السابق، كنا نتنافس مع الصين في الزراعة وعلوم الأدوية. الآن، عادت سوريا للعصر الحجري.”
الإحباط الذي يغذي بيع الأراضي يتصل بشكل مباشر بنقص الدعم المقدم للاجئين. ميزانيات المساعدات والرعاية الصحية قد انخفضت، والسوريون الممنوعون من العمل في الأردن لازالوا يعانون بسبب قلة ما يملكونه شهرياً.
جوناثان كامبل، رئيس مشروع اللاجئين في برنامج الغذاء العالمي في الأردن، كان على رأس برنامج تقليص الميزانية معظم عام 2015. بعد تحذير من عواقب وخيمة لسنوات، قال إنه يخشى أنه كان يرى “الخطوة التالية في تحلل من المجتمع السوري.”
“التبعات في المستقبل ستكون ضخمة. الطبقة الوسطى تتقلص. ماذا عن الناس الذين باعوا أرضهم ولا يستطيعون الوصول إلى أوربا؟ متى سيعودون إلى سوريا، أين سيعيشون؟”
وكالة اللاجئين التابعة للأمم المتحدة قابلت السوريين العائدين إلى أراضيهم التي دمرتها الحرب. وطبقاً لبيانات وكالة غوث اللاجئين، 18 بالمئة من الناس الذين يعودون بالباصات من الأردن إلى سوريا يرغبون بالخلاص من ممتلكاتهم لينتقلوا للعيش في مكان اخرـ وفي أغلب الحالات لتمويل سفرهم إلى أوربا عبر تركيا.
يقول أندرو هاربر، رئيس وكالة اللاجئين في الأردن: “كل الإحصائيات تشير نحو شيء واحد: الناس تخسر الأمل في البقاء في أماكن لجوئهم، وهم يبحثون عن الأفضل لعائلاتهم”
ويضيف: بالنسبة للاجئين في سنتهم الرابعة أو الخامسة في المنفى في الأردن الآن، يوجد ما يبرر كل ما يحصل.
أن يتم حجزهم وإخبارهم بأنهم لا يملكون إمكانية المساهمة في شيء، “الرغبة في الذهاب أبعد من البقاء على قيد الحياة، أن يستعيدوا الكرامة والإنتاجية كلها أشياء مفهومة” “الناس تريد أن تملك مستقبلاً، وهم الآن يريدون الرحيل حيث يملكون الفرصة لفعل ذلك”
من جانبها، أي من العائلات التي تمت مقابلتها من قبل فايس نيوز لم تقل إنها أرادت يوماً بيع ميراثها أو المخاطرة بالموت على متن قارب مطاطي نحو أوربا، إنهم ببساطة يشعرون بأنهم لا يملكون أية خيار اخر. قالوا إنهم قد يفضلون انتهاء الأزمة في الأردن، لكنهم يريدون الانتقال من مجرد البقاء على قيد الحياة نحو العيش بأقل قدر من الكرامة.
ما السعر المطلوب لتأمين حياة أكثر كرامة، مع طبابة للأطفال المرضى وبدل إيجار المنزل وخضار طازجة للعشاء ومدفأة غاز في الردهة؟ إنه منخفض بشكل مفاجئ. أحمد يقول إنه احتاج 800 دينار شهرياً لمسكنه الحاوي على 11 شخصاُ، حوالي 100 دولار شهرياً للشخص الواحد. أبو محمد يقول إن 1000 دينار يمكن أن تكفي 13 شخصاً في منزله، المبلغ نفسه تقريباً.
لكن مع وجود وكالات المساعدة في حالة من الضيق حالياً، فإن تمويلاً كهذا سيبقي خيالاً محضاً. وعبر مناطق الأردن يصارع الآباء والأمهات الأبناء والبنات مع أسئلة لم يتخيلوا أن يجيبوا عنها يوماً.
بينما كان يقتطع قطعة أخرى من إرث عائلته ليخاطر بحياة ابنين من أبناءئه في بحر لا يعرف عنه شيئا، كان أبو محمد بائساً.
“الأرض شيء مقدس، ترثها وتورثها لابنك. يبدو وكأننا نعيش كابوساً. لا أستطيع أن أفهم ما قد حصل”
اقرأ:
تربيون نيوز سيرفس: فرنسا.. ما العمل في مواجهة الإرهاب؟