Archived: نجيب أبو فخر : روسيا تعلن سوريا الفدرالية

 نجيب أبو فخر : كلنا شركاء كما كان متوقعا فقد شهدت الأيام الأخيرة وبالتزامن مع بدء محادثات جنيف3  تغييرات جذرية في ما يخص القوى المتصارعة في سوريا أو بالأصح ( على سوريا ) ولعل الإنسحاب الروسي من سوريا كان أكثرها وضوحا وتأثيرا لكونه يُعتبر – من حيث الشكل – خذلانا للأسد الذي كان يأمل أن تسانده روسيا باستعادة سيطرة نظامه على كل سوريا ، لكنه من حيث الجوهر هو إبراز لقوة الإعتبارات الروسية حتى مع حلفائها . فمنذ بادر نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف  بطرح رؤية روسيا بأن الفدرالية في سوريا قد تحمل حلا أمثل للصراع في سوريا ،  كان على الجميع أن يعي أن روسيا جادة في هذا الطرح الذي كان اعلانا شبه رسمي عن رغبة روسيا التي توافقت مع أمريكا عليها ، أكثر من كونه بالون اختبار  كما فسره الغالبية ، وإذا أضفنا إلى هذه النقطة التزام روسيا مع الولايات المتحدة بمسودة وثيقة الحل في سوريا التي تتضمن إجراء انتخابات برلمانية مبكرة كواحدة من مخرجات حوار جنيف 3 ، نكون قد وصلنا إلى جوهر أسباب الإنسحاب الروسي من سوريا وتخليها عن نظام الأسد على هذا الشكل الذي فضح جوهر العلاقة بين روسيا ونظام الأسد على أنه لا يقيم أي اعتبار لنظام الأسد ولا يتعامل معه بنديّة أو يعتبره ممثلا للسيادة السورية أبدا . الأسد الذي ألحق التصريحات الروسية بنقيضها ، وقال ( مكابرا ) : ( فليقل الروس ما يشاؤون ، فنحن أصحاب السيادة ونحن من نقرر مستقبل بلادنا  ..!! ) متناسيا أنه أول من فرط بالسيادة حين استدعى الإيراني والروسي نفسه للقتال على أرض سوريا ضد غالبية شعبها وأنه  لولا التدخل الروسي لكان ما يزال محشورا في ما تبقى من مدن سورية موالية له يتلقى الضربات من كل حدب وصوب ، وزاد عن هذا وذاك أن الأسد بالذات قد أعلن في اليوم الثاني لإعلان نقاط الإتفاق الروسي – الأمريكي  عن إجراء انتخابات برلمانية مبكرة وحده ودون إشراك أي قوى معارضة من التي قام هو شخصيا أيضا بتفويض الروس بالتواصل معهم للوصول إلى حلول ممكنة ، لقد ارتكب الأسد أكبر أخطاء حياته بحق حليفته روسيا عندما ظهر وكأنه لا يأبه بما تتوصل إليه من اتفاقات وبدا وكأنه يتلاعب بالسيادة السورية كيفما شاء حتى مع الروس !! من هنا رأى بوتين أن التوقيت الأفضل لتأديب نظام الأسد هو مع بدء محادثات جنيف ولكي تكون الصفعة موجعة أكثر ، قام بإعلان انهاء العمليات العسكرية الروسية في سوريا في اجتماع هامشي ودون أدنى تنسيق مع أي جهة سورية ، وكاذب كل من يقول أنه كان هناك أي نوع من العلم لدى النظام السوري عن نوايا بوتين قبل أن يتم الإعلان عنها في وسائل الإعلام رسميا . وخصوصا أن ذهنية الإعلام الرسمي للنظام معروفة جدا بأنها تسارع إلى حفظ ماء وجه النظام مسبقا فيما لو كان لديه أية معرفة عن هذا الأمر ، ودليلنا على ذلك أننا ونحن في اسطنبول عرفنا عن نية الانسحاب الروسي قبل اعلان رئاسة الجمهورية في سوريا عن ذلك باكثر من ساعتين وهذا لا يدل إلا على أنهم آخر من كان عليه أن يعلم . بوتين لعبها بشكل متقن ،على النحو الذي يناسب مصالحه ، فهو من جهة وجه رسالته للعالم أنه غير مهتم بالأسد شخصيا بقدر ما هو مهتم بمصالح روسيا في سوريا ، وحليفه هو من يحقق له هذه المصالح أيا كان ، وهذه نقطة على السوريين أن يعوها جيدا ، ومن جهة ثانية سحب الذريعة أمام التحالف الإسلامي الذي تدعمه السعودية وتريده تركيا من أن يتدخل في سوريا أسوة بالتدخل الروسي وبحجة محاربة داعش ، ومن جهة أخرى  كان حاسما وسريعا في قراره وتنفيذه ، وكما قرر بسرعة التدخل في سوريا وفعلها بأيام قليلة ، كذلك قرر الإنسحاب من سوريا وفعلها ويفعلها بأيام قليلة أيضا ، ليقول للعالم أني قادر على العودة إلى سوريا بيوم واحد كما خرجت منها بيوم واحد ، لكي لا يهنأ بعض الذين يتصورون أنه هـُزم في سوريا ، وقد كانت تغريدته اليوم على التويتر خير دليل على نيته تلك  إذ قال L(  إن من يسمع تهليل بعض القوى للإنسحاب الروسي من سوريا يتخيل أنهم على أبواب دمشق الآن ))  إن بوتين الذي توصل مع الأمريكان لاتفاق متبادل لاعتراف الأمريكان بمصالح روسيا في سوريا مقابل اعتراف روسيا بمصالح الأمريكان في العراق قد حقق غايته من حماية مصالح روسيا وليس حماية نظام الأسد ، لقد خرج وترك وراه قاعدتين عسكريتين روسيتين بدل الواحدة التي تم تجديدها مؤخرا ، وترك أكثر من ثلاثة آلاف مقاتل وخبير لإدارة عملية حماية تلك المصالح مع كل السلاح اللازم لتحقيق ذلك ، وفتح الباب على مصراعيه لبدء معركة الحل السياسي الذي سيسير وفقا لما أعلنته روسيا بشكل غير مباشر ، أي نحو الفدرالية السورية رغما عن أنف الجميع .           من هنا فإن  كل من يفكر بأن المخارج السوريّة ستبتعد عن الإتفاق الروسي – الأمريكي هو واهم قطعا ، فالأمريكان كانوا يقترحون التقسيم الكامل لسوريا ، والروس كانوا يدعمون بقاء الدولة السورية موحدة بالكامل ، ونتيجة سياسة التمازج في الوصول إلى حل ، وبعد أن اختبر بوتين بنفسه  حقيقة الأرض السورية في أن جزءا كبيرا من سوريا يرفض العودة تحت حكم الأسد ، وأن الثأرية باتت تحكم علاقة السنة بالعلوية والعكس بالعكس صحيح ، الأمر الذي لا يمكن لكل أدبيات السياسة أن تمحوه بجرة قلم أو قرار دولي ، فقد توصل الطرفان إلى دعم فكرة سوريا الفدرالية كمخرج آمن من المأزق السوري الراهن ، وتوجوه بعبارة ( إن اتفق المتحاورون في جنيف 3 عليه !!) لقد قيض لي أن أجتمع مع بعض الذاهبين للحوار في جنيف 3 قبل سفرهم بيوم ، والقاسم المشترك بين جميع من اجتمعت معهم  كان أنهم على دراية كاملة ودراسة لمزايا الفدرالية كنظام حكم ذاتي معتمد في أكثر من ستين % من دول العالم ليس أولها الولايات المتحدة وليس آخرها الإتحاد الروسي وسويسرا أو حتى الصين نفسها ، وأنه كنظام لا يؤثر على استقلال الدولة ولا على سيادتها بل إنه يزيدهما قوة نابعة من تماسك التنوع الحقيقي للمكون الوطني   لكنه  يؤثر فعلا على مركزية القرار ، وبالتالي فهو مذيب نوعي وفعال لسطوة الإستبداد وخصوصا ذلك النوع الذي يتدخل بأدق الشؤون المحلية للمدن والقرى على غرار الإستبداد الحاكم في دمشق تحت سطوة شعارات المقاومة والممانعة وما يسفر عنهما من أحكام عرفية وقانون طوارئ مترافق مع الهواء الذي يتنفسه الشعب . ومن هنا فقد بدا واضحا  أن الجميع جاهز للمشاركة في رسم ملامح الفدرالية السورية بشكلها العام ، الذي وربما حسب الخريطة التي أعلنها ستيفان ديمستورا ستتضمن حكما فدراليا على اعتبار وضع سوريا تحت سلطتين شرق – وغرب سيكون تأسيسا لحالة انقسام لسوريا إلى شطرين ، لذلك قد يرجح أن يشمل النظام الفدرالي كل المحافظات السورية حتى يتم تجنب أن تكون الفدارالية هي تأسيس للتقسيم على غرار ما يحدث الآن  في العراق ، إذ ( سيعلن )  غدا أو بعد غد رئيس إقليم كردستان العراق في لقاء على قناة سكاي نيوز رغبة إقليم كردستان العراق بالإنفصال عن العراق بحجة أن العراق الموحد كان تجربة فاشلة لم تنعكس عليهم إلا بالخراب !! وهو الأمر الذي سيتذرع فيه النظام لمحاربة فكرة الفدرالية في سوريا لأنه يريد الإبقاء على سيطرته على أكبر جزء ممكن منها ولا يريد أن يمنح حقوق الإدارة الذاتية لأي شبر خارج عن سيطرته ، لذلك قد يحاول – حسب معلومات أكيدة – الإبقاء على حزمة قوانين يحق بموجبها للمركز التدخل بشؤون الولايات ( أي المحافظات ) لكي يـُـبقي على هيبة النظام وحقه بفرض قوانين طوارىء لكن بأثواب وألفاظ جديدة ، إلا أن ذلك سيصطدم مع المطلب الشعبي السوري العام بوجوب تفكيك الدولة الأمنية وإعادة بناء المؤسسات الأمنية على أسس وطنية وكتابة دستور سوري عصري يحترم الحريات أولا وهو الأمر الذي يعمل على مسودته الآن أكثر من ثلاثين خبيرا دستوريا سوريا بمعاونة خبراء أجانب من الولايات المتحدة وروسيا وأوربا ليكون جاهزا للطرح على الاستفتاء العام في حال نجاح المفاوضات ودخول المخرجات عنها مرحلة التنفيذ . على المقلب الآخر كانت ثمة اتفاق تركي – إيراني  تم خلال زيارة رئيس الوزراء التركي إلى طهران منذ أيام ، تضمّن أن ينسحب حزب الله من سوريا تدريجيا مقابل أن تتخلى تركيا عن دعم جبهة النصرة تدريجيا أيضا . وهو أمر قد يـُحدث تغييرا طفيفا  في موازين القوى على الأرض وسَيحمّل النظام مسؤوليات أكبر في حماية المناطق التي ساندته روسيا في استعادتها ، الأمر الذي تعيه كل الدول التي تتأثر بمفاعيل الأحداث في سوريا سلبا ، لذلك وبالتوازي مع سريان هذا الإتفاق ، سارعت أنقرة بدعوة كل الفصائل المناهضة للنظام في الشمال السوري باستثناء الفصائل الكردية ، لحضور اجتماع عاجل في أنقرة بهدف توحيد فصائل الشمال تحت قيادة موحدة وغرفة عمليات واحدة ، وحضر الإجتماع قادما من جنيف بشكل طارئ الدكتور رياض حجاب رئيس الهيئة العليا للمفاوضات الذي سيذهب غدا إلى عمان لنفس الغرض من خلال الإجتماع مع قادة الفصائل ( الثورية ) العاملة في الجنوب السوري لتكون تابعة بدورها لنفس القيادة الموحدة للجيش الحر بهدف التحضير لاستعادة السيطرة على الأرض في حال انهارت مفاوضات جنيف أو انفرط عقد اتفاق وقف اطلاق النار لتحقيق أكبر تمدد ممكن على الأرض ، وفي الوقت ذاته وللغرض ذاته لكن بشكل معكوس تدأب إيران من خلال مستشاريها في الداخل السوري الذين يساندون النظام على اعادة تنظيم سريع لفصائل الدفاع الوطني والميليشيات المدنية المسلحة بهدف الحفاظ على مكتسبات النظام في حال انهارت المفاوضات أو انفرط عقد اتفاق وقف اطلاق النار . سوريا اليوم على شفير انتقال حاسم في مصيرها ، حيث تفصل بين الحل السياسي فيها والحل العسكري شعرة ، وتفصل بين احتمال الفدرالية واحتمال التقسيم شعرة ، وتفصل بين انتهاء العنف وبين اندلاع حرب أهلية بين السوريين أنفسهم شعرة أيضا ، وكل احتمال منهم له من يدفع باتجاهه من الدول ، ومن يهيء له الظروف ومن يدعمه ، لذا فإن لم يعي السوريون خريطة واقعهم اليوم ويتعاملوا على أساسها ، فإن خرائطا جديدة لن ترضي أي سوري ستفرض على كل السوريين بفعل البارود والرصاص لرسم حدود بين السوريين بالدم قد لا تمحى بسهولة أبدا . اسطنبول 16\3\2016