Archived: علي العبدالله: التلاعب الروسي بالمفاوضات

علي العبدالله: المدن

ما ان صدر القرار الدولي رقم 2254 حتى بدأت روسيا بالعمل على اخراجه عن اهدافه، مكررة ما فعلته مع بيان جنيف1، باضافات وتفسيرات وتجاهل بنود وطلبات في محاولة لادخاله في سياق يستجيب لتصورها بشكل كامل او تعرقل تنفيذ بنوده. وقد كانت أولى مماحكاتها رفضها تشكيلة الوفد المفاوض الذي انبثق عن اجتماع الرياض، ومطالبتها بضم شخصيات بعينها ممن شاركوا في برنامجها لتفيت المعارضة والتشكيك بتمثيلها وصدقيتها، ورفضها طلب الهيئة العليا للمفاوضات تطبيق البندين 12 و 13 من القرار(الأول يدعو الأطراف إلى أن تتيح فورا، لاحظ فورا، للوكالات الإنسانية إمكانية الوصول السريع والمأمون وغير المعرقل إلى جميع أنحاء سوريا ومن خلال أقصر الطرق، وأن تسمح فورا، فورا مرة أخرى، بوصول المساعدات الإنسانية إلى جميع من هم في حاجة إليها، لا سيما في جميع المناطق المحاصرة والتي يصعب الوصول إليها، والإفراج عن أي محتجزين تعسفيا، لا سيما النساء والأطفال، ويدعو دول الفريق الدولي لدعم سوريا إلى استخدام نفوذها على الفور، الفور مرة ثالثة، تحقيقا لهذه الغايات. بينما دعا الثاني الى توقف جميع الأطراف فورا، فورا أخرى، أي هجمات موجهة ضد المدنيين والأهداف المدنية في حد ذاتها، بما في ذلك الهجمات ضد المرافق الطبية والعاملين في المجال الطبي، وأي استخدام عشوائي للأسلحة، بما في ذلك من خلال القصف المدفعي والقصف الجوي، ويرحب بالتزام الفريق الدولي لدعم سوريا بالضغط على الأطراف في هذا الصدد، ويطالب كذلك بأن تتقيد جميع الأطراف فورا، فورا مرة أخرى، بالتزاماتها بموجب القانون الدولي، بما في ذلك القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، حسب الاقتضاء) باعتبارهما بندين ليسا للتفاوض ومن اجل بناء ثقة بين المتفاوضين، اعتبرت الطلب شرطا مسبقا وان لا شروط مسبقة، مع انه ليس شرطا مسبقا بل جزءا من القرار ومطلوب تنفيذهما فورا، فورا تكررت في البندين خمس مرات، اللافت ان واشنطن قد ايدت الموقف الروسي، وذهبت بعيدا في تمييع محددات القرار الدولي ومندرجاته عبر اضافة كلمات من خارج القرار تبرر قصفها للفصائل العسكرية المعارضة، فالمسؤولون الروس في حديثهم عن المنظمات الارهابية يضيفون الى “داعش” و “النصرة”، اللذين حددتهما الامم المتحدة كتنظيمين ارهابيين، عبارة و “تنظيمات ارهابية أخرى” دون تحديدها ليبقى المجال مفتوحا امام قواتها تستخدمه حسب الحاجة، ولرفض النقد الموجه اليها بسبب ذلك، وصف نائب وزير الخارجية ميخائيل بوغدانوف اتهامها بانتهاك وقف إطلاق النار بالقول: “إنها ادعاءات لا أساس لها من الصحة٬ وتأتي ضمن حرب إعلامية تشنها تلك القوى التي لا مصلحة لها بالعملية السياسية”، وقد زاد وزير الخارجية الروسي الطين بلة بإعلانه عدم وجود ارتباط بين وقف الأعمال العدائية والعملية السياسية، وكررت دون احساس بالحرج ان ما يتم في جنيف هو محادثات او مشاورات، وسعت لاستبعاد ما ورد في القرار حول تشكيل هيئة حكم انتقالية كاملة الصلاحيات وركزت على ان هدف المحادثات تشكيل حكومة وحدة وطنية تمهيدا لتوحد النظام والمعارضة في مواجهة الارهاب، ووضعت ترتيبا لجدول اعمال جنيف3 يناسب موقفها حيث اعلن بوغدانوف: “هناك الآن أربعة محاور رئيسية هي الجانب الإنساني٬ ووقف إطلاق النار٬ والحرب ضد الإرهاب٬ والعملية السياسية”. لم تقف محاولات روسيا للتحكم بايقاع تنفيذ القرار الدولي واثارة قضايا ومواقف خلافية تحقيقا لهدفها من العملية عند هذا الحد بل بدأت بفتح مسارات جانبية وحوّلت مطار حميميم، مقر قيادة القوات الروسية، الى مركز تفاوضي موازي لجنيف لإجراء اتصالات مع وجهاء من مدن وبلدات سورية للترويج لمصالحات محلية، قالت انها نجحت في عقد مصالحات في مناطق عديدة ورتبت لوقف الاعمال العدائية مع فصائل كثيرة (قال المركز الروسي في مطار حميميم لمراقبة وقف إطلاق النار في سوريا في تقريره اليومي(6/3/2016) أنه توصل إلى اتفاق مصالحة مع من قال: “إنهم قادة مجموعات مسلحة في ريف دمشق٬ تضم في صفوفها 550 مقاتلا”٬ وأن المصالحات التي تم التوصل إليها منذ إعلان وقف إطلاق النار بلغت حتى يوم أمس 35 اتفاقا”. أمر نفى رئيس وفد الهيئة العميد أسعد الزعبي علمه به ودعا موسكو الى اعلان اسماء هذه الفصائل المزعومة، دون ان ينسى التقرير اتهام حركة احرار الشام بخرق وقف الأعمال العدائية بقصفها بلدة الفوعة)، وعقد اجتماعات سياسية مع “معارضين” لمناقشة الحل السياسي وطرح تصورات بديلة لطروحات الهيئة العليا للمفاوضات لاستخدامها للرد على تلك الطروحات في جنيف، قبل أن تتكرم على السوريين بتوجيه المفاوضات حول مستقبل سوريا باتجاه الفدرالية لارباك المشهد السياسي بخلط الاوراق والدفع نحو اصطفافات جديدة تحد من دور الهيئة العليا للمفاوضات عبر اثارة خلافات داخلها من جهة وارباكها باغراقها في خيار لم تكن تتصور مناقشته من جهة ثانية. كل هذا يمكن تفهّمه في ضوء الموقف الروسي وخياراته السياسية والعسكرية في الساحة السورية لكن ما لا يمكن تفهمه او تقبله ذلك التأييد الذي يقدمه جون كيري للمواقف الروسية بدءا من تجاهله لخرق وقف الأعمال العدائية من قبل روسيا والنظام، وقوله: “انه لن يناقش الخروقات”، الى اصراره على استئناف المفاوضات دون اخذ المطالب التي طرحتها الهيئة العليا للمفاوضات في الاعتبار، الا اذا قبلنا ما طرحه المحلل السياسي الاميركي اندرو جيه. تابلر بقوله:”ان واشنطن لا تريد وقف الحرب في سوريا بل تركها تغلي على نار هادئة”.