Archived: المجلس الأطلنطي: حلب وإعزاز وفشل سياسة الولايات المتحدة في سوريا

ساشا غوش سيمينوف -المجلس الأطلنطي: ترجمة مرقاب
تمثل الوقائع الحالية في مدينتي حلب وإعزاز الواقعتين في الشمال السوري نتائج فشل سياسة الولايات المتحدة في سوريا. فبعد خمس سنوات من أنصاف الإجراءات وتجاوز الخطوط الحمر ونوبات مضطربة من تمويل المساعدات الإنسانية ومشاريع التنمية في سوريا، دخلنا اليوم مرحلة جديدة تتمثل في الدعم غير المنسق من قبل وكالة الاستخبارات المركزية ووزارة الدفاع الأميركيتين لجهات سورية متناحرة تخوض حالياً صراعاً مريراً من أجل السيطرة على الريف الشمالي الغربي لمحافظة حلب ومدينة حلب.
فوزارة الدفاع الأميركية تدعم قوات سوريا الديمقراطية المكونة أساساً من وحدات حماية الشعب الكردية التي تخوض صراعاً مع قوات المعارضة المدعومة من قبل المخابرات الأمريكية في محيط إعزاز. إذ يسعى الأكراد إلى توحيد إقليمهم الغربي، عفرين، مع أقاليمهم الأخرى شمال سوريا في الجزيرة وكوباني. وقامت تركيا بإغلاق حدودها على الجانب الآخر من إعزاز وبدأت ببناء مخيمات للنازحين داخل سوريا، في خطوة يرى العديد من المحللين أنها تقصد منها الضغط على المجتمع الدولي لدعم اقتراح تركيا في تشكيل منطقة آمنة. ويحدث كل ذلك في خضم حملة جوية روسية مكثفة لإعادة تشكيل الخريطة العسكرية في سوريا لصالح نظام الأسد.
وتتحمل إدارة أوباما مسؤولية التصادم بين وزارة الدفاع الأميركية ووكالة الاستخبارات المركزية، إذ أنها علقت آمالها على نظام الأسد وداعميه إيران وروسيا للالتزام بقرارت الأمم المتحدة والاعتراف بحقيقة أنه لا يمكن للحرب الأهلية في سوريا أن تنتهي ما دام الأسد في السلطة وفي انتظار تنفيذهم لالتزامهم واعترافهم يحاول البيت الأبيض إدارة حربين بالوكالة، في الأولى منهما تدعم وزارة الدفاع الأميركية قوات سوريا الديمقراطية ضد تنظيم الدولة الإسلامية، وفي الثانية تدعم المخابرات الأمريكية المعارضة في شرقي سوريا ضد نظام الأسد.
ومن الواضح أن هذه السياسات متناقضة وضارة بمصالح الولايات المتحدة في سوريا وقاتلة للشعب السوري. فالأكراد يركزون على توحيد أراضيهم والحصول على حكم ذاتي ويحجمون عن مقاتلة تنظيم الدولة الإسلامية خارج أراضيهم، كما وثقت منظمات حقوق إنسان دولية ومحلية كيف هجر الأكرادُ العربَ خارج أراضيهم في سبيل توحيدها وهذا ما أغضب العرب فامتنعوا عن التعاون مع قوات سوريا الديمقراطية.
وقد تجلى فشل هذه السياسات المتناقضة في شرق مدينة حلب وفي مدينة إعزاز التي تخضع لسيطرة المعارضة السورية شمالي حلب قرب الحدود التركية وتستضيف 200 ألف من النازحين السوريين وتدعم وكالة الاستخبارات الأمريكية المعارضة المسلحة المسيطرة عليها بالأسلحة والتدريب. وتخوض المعارضة المسلحة فيها حرباً على ثلاث جبهات، جبهة ضد قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من وزارة الدفاع الأميركية في الغرب وجبهة ضد نظام الأسد في الجنوب وجبهة ضد تنظيم الدولة في الشرق. ويهرب السوريون من ويلات الحرب بين هذه المجموعات نحو تركيا لقربها من الحدود.
من جهتها ترى تركيا في إنشاء منطقة عازلة حاجزاً يمنع توحيد المقاطعات الثلاث الكردية عفرين وكوباني والجزيرة. ذلك أن وحدات حماية الشعب ترتبط مع حزب العمالي الكردستاني في تركيا المصنف كمجموعة إرهابية من قبل تركيا والولايات المتحدة. وقد أكدت كل من تركيا والسعودية رغبتهما في إرسال قوات برية إلى سوريا على أن يكون ذلك بدعم من التحالف الدولي، خاصة أنهما تخشيان مواجهة مباشرة مع روسيا.
إن دعم الولايات المتحدة لوحدات حماية الشعب الكردية يؤذي علاقتها مع تركيا التي صرحت بأن حزب العمال الكردستاني يهدد أمنها أكثر من تنظيم الدولة الإسلامية. علاوة على ذلك يبدو أن الولايات المتحدة تشجع الأكراد على الاستيلاء على المزيد من الأراضي ولو على حساب المعارضة المعتدلة التي ساعدتها ودربتها، وذلك لضمان عدم وصول قوات الأسد المدعومة روسيا لتلك الأراضي أولاً. وتستمر العواقب السلبية للسياسة الأميركية التي تجمع بين دعمها لوحدات حماية الشعب الكردية وإنكار صلتهم بحزب العمال. فالأكراد السوريون يريدون اعترافاً دبلوماسياً بهم وقد ألمحت روسيا بأنها ستدعم الجهود الكردية للحصول على حكم ذاتي، لكن لا تستطيع الولايات المتحدة أن تقوم بالشيء نفسه إن أرادت الحفاظ على علاقتها مع تركيا.
وفي ظل ما سبق وجدت تركيا والسعودية وبعض مجموعات المعارضة الخيارات محدودة أمامهم فقرروا تشكيل تحالف جديد تحت مسمى جيش حلب الذي يضم العديد من الوحدات المدعومة أمريكياً. وقد صرحت جيش حلب بأنه سيقاتل النظام وتنظيم الدولة كما قال أيضا بأنه سيهاجم وحدات حماية الشعب الكردية وجيش الثوار، والحقيقة أن أولى عملياته كانت ضد الاثنين الأخيرين.
وأصبحت مدينة إعزاز شبه محاصرة، مع استمرار المقاتلات الروسية بالقصف بلا هوادة وقد صرحت منظمات طبية وحقوقية بأن المقاتلات الروسية تستهدف البنية التحتية متبعة سياسة الأرض المحروقة والعقاب الجماعي بهدف تحطيم قدرة أي منطقة تحت سيطرة المعارضة مثل إعزاز على العيش من دون دعم خارجي. وقد أطلق مكتب تنسيق الشؤون الانسانية التابع للأمم المتحدة دعوة لتأمين المساعدة العاجلة للمحاصرين في إعزاز.
بقيت حلب الشرقية تحت تهديد الحصار لمدة عامين وأصبح هذا التهديد وشيكاً بعد التقدم الأخير للنظام المدعوم روسياً . وتشير التقديرات بأن ثلاثمئة ألف إنسان باتوا محاصرين هناك الآن، ومع قصف الطائرات الروسية لشمال حلب يكون الممر الإنساني الأساسي لمدينة حلب قد أغلق. وبالتالي يبقى ممر حي وحيد يمكن أن يكون جسراً بين مناطق المعارضة في ريف حلب وشرق مدينة حلب ولكنه يقع تحت سيطرة وحدات حماية الشعب الكردية.
وفي كل من إعزاز وشرق مدينة حلب تعتبر وحدات حماية الشعب الكردية عنصر تخريب يساهم في حصار منطقة كبيرة. وحتى نكون واضحين فإن القسم الأكبر من اللوم في حصار هاتين المنطقتين يقع على النظام و روسيا اللذين قررا استهداف المدنين دون تمييز لضرب أي معارضة. ولكن لا يمكن الإنكار أن سياسة إدارة أوباما المتناقضة عبر دعمها لوحدات حماية الشعب من جهة والمعارضة المسلحة من جهة أخرى تدفع باتجاه السيناريو الكارثي في إعزاز وحلب كما تسيء أكثر لعلاقة الولايات المتحدة مع حلفائها في المنطقة، وتسمح بإطلاق يد روسيا والنظام السوري في سوريا كما تحرم الولايات المتحدة من أي أنصار لها بين صفوف المعارضة أو الشعب.