on
Archived: سورية أرض الانفلات من العقاب
أنور البني: مركز دراسات الجمهورية الديمقراطية
يقوم المحامي أنور البني من خلال هذه الورقة البحثية القانونية بمتابعة سياسة قوننة “الإفلات من العقاب” التي انتهجها حافظ الأسد منذ الأيام الأولى لانقلابه على السلطة، الأمر الذي استمر عليه نظام الأسد الابن وصولاً إلى وقتنا الراهن. يفتح هذا البحث آفاق التفكير بمستويات مختلفة، منها ما له صلة بالإرادة العاقلة للحاكم المستبد التي قامت بانقلاب وهي تعلم أن سبيلها الوحيد من أجل البقاء هو تدمير ما تبقى من ديمقراطية، وتشديد الرقابة على المؤسسات، والقبض- من خلال القوانين- على عنق المجتمع بسلاسل الذل والخنوع. كما يدفعنا هذا البحث إلى التفكير بمستوى آخر وطرح التساؤل التالي: أين كان العالم الحر من هذه السياسة الممنهجة، والممتدة زمنياً، من الحرب الباردة حتى وقتنا الحالي، إذ يخلو خطاب الدول العظمى من إشارة إلى ضرورة محاسبة هذا النظام على جرائم الحرب التي ارتكبها؟ لا بل إن خطاب الأمم المتحدة يكاد يخلو من هذه المطالب. والأهم أن هذه الورقة تساعدنا على فهم كيف ترتكب سلطة عسكرية أمنية سياسية كل هذه الجرائم خلال الخمس سنوات المنصرمة براحة المطمئن إلى أنه لن يعاقب.
تهدف هذه الورقة في نهاية المطاف إلى الرد على أفكار وميول بعض السياسيين الذين يهربون من مواجهة نتائج أعمالهم والتضحية بحقوق الانسان تحت عنوان “الواقعية”. وهذا الأمر فيه خطر على كل المجتمع الدولي، فاستمرار السياسيين في قضم الحقوق الإنسانية على أساس أنها تتعارض مع البرغماتية السياسية لن تبقِ من الحقوق، لأي مجتمع، شيء.
ونتساءل: هل ما وصلنا إليه في سورية من استخدام كل أنواع الأسلحة، بما فيها أسلحة الدمار الشامل “الكيمياوي”، ضد المدنيين، وممارسة أبشع الجرائم، وارتكاب المجازر الجماعية، هو رد فعل النظام على المطالبات بتغييره وإسقاطه؟
وهل يمكن أن نعتبر أن النظام فقط غالى باستخدام القوة عندما استخدم كل هذه الوحشية، واستخدم قوات الجيش بأسلحتهم الثقيلة، وقتل المواطنين، ومثّل بجثثهم علناً، ونشر كل تفاصيل عمليات القتل والانتقام بدم بارد، رداً على مطالب شعبية ابتدأتها مجموعة طلاب مدرسة ابتدائية بالكتابة على جدران مدرستهم بأن أوان رحيل النظام قد آن؟
ما الذي دفع النظام إلى استخدام كل هذه الوحشية، وارتكاب كل هذه الجرائم، والمجازر، علناً، وأمام عدسات التصوير؟ وما لم تلتقطه عدسات المعارضة قامت عناصره وأجهزته الأمنية بنشره لنشر الرعب والخوف في نفوس المواطنين، دون أن يخالج أي عنصر ارتكب هذه الجرائم أدنى شك أنه سيكون عرضة للمحاسبة والمساءلة عن هذه الجرائم؟
لقد أسس حافظ الأسد، منذ استلامه للسلطة عام 1971، أرضية قانونية متكاملة لجعل سورية أرض للإفلات من العقاب لمختلف المجرمين ومرتكبي الجرائم ضد الإنسانية في سورية والعالم. وعززها ابنه بشار بعدد آخر من القوانين لتأكيد ونشر حماية أوسع للمجرمين.
ابتدأت هذه المنظومة بالدستور الصادر عام 1972، الذي فصّله حافظ الأسد على قياسه تماما كديكتاتور؛ فبالإضافة للسلطات الواسعة غير المقيدة التي منحها لنفسه كرئيس، وترأس السلطة التنفيذية والقضائية وحق إصدار التشريعات، فقد منح الحماية والحصانة لنفسه من الملاحقة والعقاب بموجب المادة 91 من الدستور حيث نصّت “المادة 91”:
“لا يكون رئيس الجمهورية مسؤولاً عن الأعمال التي يقوم بها في مباشرة مهامه إلا في حالة الخيانة العظمى ويكون طلب اتهامه بناء على اقتراح من ثلث أعضاء مجلس الشعب على الأقل وقرار من مجلس الشعب بتصويت علني وبأغلبية ثلثي أعضاء المجلس بجلسة خاصة سرية ولا تجري محاكمته إلا أمام المحكمة الدستورية العليا”.
وحيث أنه لا توجد في قانون العقوبات أي نص على جرم الخيانة العظمى، فقد جاءت المادة 29 من الدستور:
“المادة 29: لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص قانوني”. مما يعني عملياً عدم معاقبة رئيس الجمهورية على أي جرم يرتكبه مهما كان هذا الجرم.
ومع كل هذا فقد رتب الدستور حماية إضافية للرئيس في حال تم اتهامه بجرم الخيانة العظمى، حيث اشترط أن لا تتم الإحالة إلا بقرار صادر عن مجلس الشعب “لذي يملك الرئيس نصفه أساساً بنص الدستور كقائد للدولة والمجتمع”، بأغلبية الثلثين وحدد أن المحكمة الدستورية العليا هي وحدها المختصة بمحاكمته، فإذا علمنا أن مواد الدستور التي نصت على إحداث المحكمة الدستورية العليا قد أعطت الرئيس وحده صلاحية تسمية أعضائها دون أي قيود أو اعتراض ولمدة أربع سنوات فقط، بينما تمتد ولاية الرئيس لمدة سبع سنوات، مما يعني أن الرئيس هو من يختار أعضاء الهيئة التي ستحاكمه فهل من حماية أكثر؟
“المادة 139: تؤلف المحكمة الدستورية العليا من خمسة أعضاء يكون أحدهم رئيساً يسميهم رئيس الجمهورية بمرسوم”.
“المادة 141: تكون مدة العضوية في المحكمة الدستورية العليا أربع سنوات قابلة لتجديد”.
وقد أكد دستور 2012 الذي أصدره بشار على هذه الحماية بالمواد:
“المادة 117: رئيس الجمهورية غير مسؤول عن الأعمال التي يقوم بها في مباشرة مهامه إلا في حالة الخيانة العظمى ويكون طلب اتهامه بقرار من مجلس الشعب بتصويت علني وبأغلبية ثلثي أعضاء المجلس بجلسة خاصة سرية وذلك بناء على اقتراح ثلث أعضاء المجلس على الأقل، وتجري محاكمته أمام المحكمة الدستورية العليا”.
“المادة 141: تؤلف المحكمة الدستورية العليا من سبعة أعضاء على الأقل يكون أحدهم رئيساً يسميهم رئيس الجمهورية بمرسوم”.
فإذا علمنا أن سورية لم توقع على انضمامها للمحكمة الجنائية الدولية مما يجعلها بمنأى عن ملاحقة المجتمع الدولي للجرائم المرتكبة يمكننا أن نفهم مدى الاطمئنان الذي يشعر به بشار الأسد عند ارتكابه كل هذه الجرائم والمجازر.
ولم يكتفِ حافظ الأسد بإسباغ الحماية الكاملة من الملاحقة القضائية على شخصه، بل عممها على الموالين له طالما بقوا موالين وجعل مسألة ملاحقته بيده، فطالما هم موالون فهم محميون من الملاحقة مهما ارتكبوا من جرائم، وفي حال تغير موقفهم فإن هذه الحماية تزول.
وابتدأ بالوزراء حيث نص دستور 1973: “المادة 117: رئيس مجلس الوزراء والوزراء مسؤولون أمام رئيس الجمهورية”.
“المادة 123: لرئيس الجمهورية حق إحالة الوزير إلى المحاكمة عما يرتكبه من جرائم أثناء توليه مهامه بسببها وفقاً لأحكام الدستور والقانون”.
ودستور 2012: “المادة الرابعة والعشرون بعد المئة:
1 – رئيس مجلس الوزراء ونوابه والوزراء مسؤولون مدنياً وجزائياً وفقاً للقانون.
2 – لرئيس الجمهورية حق إحالة رئيس مجلس الوزراء ونوابه والوزراء إلى المحاكمة عما يرتكبه أي منهم من جرائم أثناء توليه مهامه أو بسببها”.
وبخصوص أعضاء مجلس الشعب يرد في دستور 1973:
“المادة 67: يتمتع أعضاء مجلس الشعب بالحصانة طيلة مدة ولاية المجلس ولا يجوز في غير حالة الجرم المشهود اتخاذ إجراءات جزائية ضد أي عضو منهم إلا بإذن سابق من المجلس وفي غير أدوار الانعقاد يتعين أخذ إذن من رئيس المجلس ويخطر المجلس عند أول انعقاد له بما اتخذ من إجراء”.
وفي دستور 2012:
“المادة الحادية والسبعون: يتمتع أعضاء مجلس الشعب بالحصانة طيلة مدة ولاية المجلس ولا يجوز في غير حالة الجرم المشهود اتخاذ إجراءات جزائية ضد أي عضو منهم إلا بإذن سابق من المجلس ويتعين في غير دورات الانعقاد أخذ إذن من مكتب المجلس ويحظر المجلس عند أول انعقاد له بما اتخذ من إجراءات”.
وتتوسع هذه الحماية للموالين والأتباع لتشمل عناصر الجيش، وعناصر إدارة المخابرات العامة، ويحوز المدنيين المتعاقدين معهم على نفس الحماية؛ حيث ينص قانون أصول المحاكمات العسكرية الصادر بالمرسوم 61 لعام 1950 على لزوم الحصول على إذن بملاحقة أي عسكري أمام القضاء من وزير الدفاع أو من يفوضه:
“المادة 51: السلطات القضائية العسكرية هي وحدها التي تقدر ما إذا كانت القضية من صلاحياتها أم لا، وكل خلاف يثار لدى مرجع قضائي آخر في شأن الصلاحية يحال إليها لتفصل فيه قبل النظر في أساس الدعوى. فإذا قررت هذه السلطة أن القضية ليست من صلاحيتها أعادتها وإلا نظرت فيها بشرط أن تبلغ قرارها إلى المحكمة التي رفعت إليها القضية قبلاً”.
“المادة 52:
1-إن من واجب وزير الدفاع ورئيس الأركان العامة استقصاء الجرائم التي هي من اختصاص المحاكم العسكرية ويساعدهما في ذلك قادة المناطق وقادة الألوية وقائد الدرك العام ورجال الضابطة العدلية العسكرية وبهذه الصفة ترفع إليهم، كل فيما يتعلق باختصاصه، الشكاوى والاضبارات والتحقيقات الأولية المتعلقة بهذه الجرائم.
2-ترفع إلى رئيس الأركان العامة:
آ -الشكاوى والاختبارات المتعلقة بالجرائم المقترفة من عسكري على عسكري.
ب-الأوراق ومحاضر الضبط المنظمة بحق العسكريين ومرتكبي الجرائم التي ليس لأحد المدنيين علاقة بها.
ج-محاضر التحقيق المتعلقة بالجرائم المقترفة من العسكريين أثناء قيامهم بالخدمة أو في معرض الخدمة. هذا إذا لم يكن الظنين موقوفاً.
3-ترسل الشكاوى والاضبارات والتحقيقات الأولية إلى النيابة العامة المختصة لتعمل على استصدار أمر الملاحقة في الحالات الآتية:
آ -في الحالات الثلاث المذكورة في الفقرة الثانية إذا كان الظنين موقوفاً.
ب-في سائر الأحوال التي لم تذكر في هذه المادة”.
“المادة 53: تصدر أوامر الملاحقة بناء على مطالعة النيابة العامة العسكرية على الوجه الآتي :
1-زمن السلم:
آ-بحق الضباط الأمراء والقادة بموجب مرسوم يصدر بناء على اقتراح القائد العام للجيش والقوات المسلحة.
ب-بحق الضباط الأعوان والموظفين والمستخدمين المدنيين والعمال التابعين لمصالح الجيش بقرار من القائد العام للجيش والقوات المسلحة بناء على اقتراح رئيس الأركان العامة.
ج-بحق الموظفين والمستخدمين المدنيين التابعين مباشرة لوزارة الدفاع الوطني بأمر من القائد العام للجيش والقوات المسلحة.
د -بحق النقباء والأفراد بأمر من رئيس الأركان العامة. وإذا كان هناك عسكريون من رتب مختلفة في قضية واحدة أو كان هناك عسكريون ومدنيون قضت أحكام القانون بمحاكمتهم أمام المحاكم العسكرية فيصدر أمر الملاحقة عن السلطة صاحبة الصلاحية بملاحقة ذي الرتبة الأعلى.
2-زمن الحرب وفي حالة الحرب يصدر امر الملاحقة في جميع الأحوال المتقدمة الذكر عن القائد العام للجيش والقوات المسلحة”.
“المادة 54: يحق لكل من القائد العام للجيش والقوات المسلحة ورئيس الأركان العامة زمن السلم كما يحق للقائد العام للجيش والقوات المسلحة زمن الحرب أن يفوض آمر المنطقة أو آمر اللواء أو الوحدة المماثلة بإصدار أمر الملاحقة في الجرائم التي يعود النظر فيها إلى قضاة الفرد”.
“المادة 19:
1 -عندما تتوقف دعوى الحق العام على اتخاذ الشاكي صفة المدعي الشخصي يحق للنائب العام أن يجري الملاحقة بناء على شكوى المتضرر فيما إذا كان المدعى عليه ليس عسكرياً. أما إذا كان عسكرياً فليس للمدعي الشخصي أن يحرك دعوى الحق العام إلا بموافقة النيابة العامة وإذن المراجع الآمرة بالملاحقة.
2 – إذا كان المتضرر من العسكريين فلقيادة الجيش أو رئاسة الأركان العامة رغم رجوع الشاكي عن دعواه أن تطالب متابعة النظر بالدعوى إذا رأت ضرورة لذلك”.
ونصت مواد قانون إحداث إدارة أمن الدولة الصادر بالمرسوم رقم 14 لعام 1969 على عدم جواز تحريك دعوى الحق العام بأي جرم بحق العاملين في إدارة أمن الدولة قبل الحصول على موافقة مدير إدارة أمن الدولة:
“المادة 16: لا يجوز ملاحقة أي من العاملين في الإدارة عن الجرائم التي يرتكبونها أثناء تنفيذ المهمات المحددة الموكلة إليهم أو في معرض قيامهم بها إلا بموجب أمر ملاحقة يصدر عن المدير”.
وورد في المادة (74) من المرسوم التشريعي 549 تاريخ 1969:
“المادة 74: لا يجوز ملاحقة أي من العاملين في إدارة أمن الدولة أو المنتدبين أو المعارين إليها أو المتعاقدين معها مباشرة أمام القضاء، في الجرائم الناشئة عن الوظيفة، أو في معرض قيامه بها قبل إحالته على مجلس التأديب في الإدارة واستصدار أمر ملاحقة من قبل المدير”.
وقام بشار الأسد بتوسيع الحماية حيث أصدر مرسوماً عام 2011 بحيث شملت عناصر الشرطة والجمارك والأمن السياسي بمعاملتهم بمثل العناصر العسكرية؛ أي لزوم الحصول على إذن مسبق من وزارة الدفاع قبل تحريك دعوى الحق العام بحقهم:
“المادة (1): تضاف إلى آخر المادة / 47 / من قانون العقوبات وأصول المحاكمات العسكرية الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 61 تاريخ 27 / 2 / 1950 وتعديلاته، الفقرة الآتي نصها:
(7 – آ – الجرائم المرتكبة من ضباط وصف وأفراد قوى الأمن الداخلي، وعناصر شعبة الأمن السياسي، وعناصر الضابطة الجمركية، بسبب تأدية المهام الموكلة إليهم).
ب- تصدر أوامر الملاحقة بحق ضباط وصف ضباط وأفراد قوى الأمن الداخلي وعناصر شعبة الأمن السياسي وعناصر الضابطة الجمركية بقرار من القيادة العامة للجيش والقوات المسلحة. وفق أحكام المادة / 53 / من قانون العقوبات وأصول المحاكمات العسكرية وتعديلاته.
المادة (2): تحال الدعاوى المقامة أمام القضاء العادي المتعلقة في المادة / 1 /، إلى القضاء العسكري”.
وإذا علمنا أن عناصر إدارة المخابرات العسكرية، بكافة فروعها وشعبها، تتبع لوزارة الدفاع، مما يعني أن الحماية والحصانة والإفلات من العقاب تشمل الجميع طالما هم موالون ويؤيدون النظام ويمكن أن تسحب هذه الحماية ويتم عرضهم على القضاء ليعاقبوا بأي لحظة يمكن أن يشك بولائهم فهي أداة تهديد بحق العاملين لدى هذه الجهات أيضاً.
ولم يكتفِ نظامي الأسد الأب والابن بحماية عناصر الجيش والأمن والشرطة الموالين لهم وتهديد الباقين فقط بل سحب هذه الحماية والتهديد إلى الموظفين الرسميين حيث جاء قانون الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش بحصر حق إحالة أي ملف فساد أو مخالفات إلى القضاء بيد رئيس مجلس الوزراء المعين من قبل الرئيس، ولا يحال تقرير مفتشي الهيئة إلى القضاء مهما كانت كبيرة أو خطيرة ملفات الفساد أو النهب أو السرقة بل يحال إلى رئاسة مجلس الوزراء مع التوصيات وهو الذي يقرر وحده إحالة الملف للقضاء أو حفظه، حسب نص قانون الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش الصادر بالمرسوم 24 لعام 1981:
“المادة 48: بعد إنجاز كل مهمة رقابية أو تفتيشية أو تحقيقية، يعد العامل بالتفتيش تقريراً أو أكثر بنتائج أعماله متضمناً ما يراه من المطالب أو المقترحات والتوصيات بما في ذلك:
أ – التوصية باستصدار النصوص الكفيلة بتحسين الأداء، وتلافي الثغرات ومظاهر القصور والخلل.
ب – إعادة النظر في البنية الإدارية على النحو الذي يؤمن الكفاية وسلامة الأداء.
ج – فرض العقوبات المسلكية الحقيقية.
د – طلب الصرف من الخدمة وفق أحكام المادة /85/ من قانون الموظفين الأساسي ذي الرقم /135/ لعام 1945 وتعديلاته، في الحالات التي تمس النزاهة أو عدم فاعلية الأداء الوظيفي أو عدم كفايته.
وخلافاً لكل نص نافذ يخضع مرسوم الصرف من الخدمة الصادر بناء على اقتراح (الهيئة)، وفي الحالات التي تتعلق بعدم فاعلية الأداء الوظيفي أو عدم كفايته للتظلم أمام القضاء الإداري.
وخلافاً للأحكام النافذة يوقف سريان المهل على الاجراءات المسلكية وعلى العقوبات المنصوصة في (قانون العمل) ذي الرقم /91/ لعام 1959 وتعديلاته وفي أنظمة المستخدم الخاصة الصادرة بالاستناد إليه، بمباشرة التحقيقات التي تجريها (الرقابة الداخلية) و(الهيئة).
هـ – طلب تحريك الدعوى العامة في الجرائم التي تطولها قوانين العقوبات فيما يتعلق بالأفعال المرتكبة بسبب الوظيفة أو في مناسبة أدائها.
و – الطلب إلى الجهات الإدارية المعنية اتخاذ صفة الادعاء الشخصي تبعاً لدعوى الحق العام أو إقامة الدعوى المدنية انتقاء الصفة الجرمية عن الحادث، للمطالبة بالحقوق وتعويض الضرر المادي والمعنوي.
وبصورة عامة طلب معالجة النتائج التي انتهت اليها أعمال الرقابة والتفتيش والتحقيق”.
“المادة 51: تقدم (الهيئة) تقارير إلى (رئيس مجلس الوزراء) بشأن تصرفات الوزراء والمحافظين المخالفة للقوانين والأنظمة أو بشأن ما ينسب إليهم”.
وقام بشار الأسد بإصدار قانون إحداث الجهاز المركزي للرقابة المالية الصدار بالمرسوم 64 لعام 2003 ليحمي أصحاب المناصب من المساءلة حيث جاء فيه:
“المادة 23:
أ. يتولى الجهاز التحقيق في المخالفات المالية كافة وكذلك المخالفات الإدارية والاقتصادية والجزائية التي ينجم عنها آثار مالية والمكتشفة من قبله أثناء قيامه بأعمال رقابته أو المحالة إليه حسب نصوص هذا المرسوم التشريعي.
ب. تبلغ نتائج التحقيق إلى الجهات المعنية لتنفيذها وإبلاغ الجهاز بما يشعر التنفيذ خلال شهر من تاريخ تبلغها.
ج. إذا أسفر التحقيق عن وجود جرم جزائي يحيل رئيس الجهاز نتائج التحقيق مع الأوراق المثبتة إلى القضاء المختص.
د. عند ورود مخالفات تتعلق بأصحاب المناصب يتم رفع هذه المخالفات إلى رئيس مجلس الوزراء”.
ولم يكتف نظام الأسد الأب والابن بحماية أنفسهم، ومن يواليهم من أتباع وأزلام وعناصر، من المحاكمة والملاحقة عن جرائمهم، بل أسبغوا الحماية كذلك على القوات الخارجية التي تدافع عنهم وتعمل على بقائهم بالسلطة من جيش لدول أخرى أو ميليشيات مسلحة وعناصر قدموا من دول أخرى للمشاركة بالقتال لحمايتهم فتشميل الميليشيات والعناصر المسلحة بالحماية تحت مسمى ضمهم للقوات النظامية أو بموجب الاتفاقيات الموقعة مع الدول الأخرى كإيران وروسيا ولعل أوضحها، وأكثرها استهزاء بالعدالة، هي الاتفاقية الموقعة مع روسيا حيث نصت بموادها على:
“المادة السادسة: الحصانة والامتيازات
1- يلتزم الجنود الروس باحترام القوانين والأعراف والتقاليد في مكان إقامتهم، الذي سيتم إعلامهم به بمجرد وصولهم إلى سوريا.
2- تتمتع الوحدات العسكرية الروسية بالحصانة من الولاية القضائية المدنية والإدارية في سوريا.
3- الأعيان المنقولة وغير المنقولة التابعة لمجموعة الطيران الروسية تبقى مصونة بموجب هذا الاتفاق، ولا يحق لممثلي الجمهورية العربية السورية الدخول إلى مكان نشر القوات الروسية بدون اتفاق مسبق مع قائد.
4- يتمتع الجنود الروس وعائلاتهم بجميع الامتيازات الممنوحة بموجب اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961.
5- الممتلكات التابعة لمجموعة الطيران الروسية تتمتع بحق الحصانة والحماية.
المادة السابعة: تسوية المطالبات
1- لا يحق للجمهورية العربية السورية التقدم بأي طلبات للاتحاد الروسي ومجموعة الطيران الروسي وموظفيه، كما لا يحق لها رفع أي دعوى متعلقة بنشاط مجموعة الطيران الروسي وموظفيه.
2- تتحمل الجمهورية العربية السورية المسؤولية عن تسوية جميع المطالبات التي قد تطالب بها أطراف ثالثة نتيجة للأضرار الناجمة عن أنشطة مجموعة الطيران الروسي وموظفيه”.
“المادة الثامنة: امتيازات الضريبة
تعفي الجمهورية العربية السورية مجموعة الطيران الروسي من أي ضرائب مباشرة أو غير المباشرة”.
وبالإضافة لكل ذلك جعل نظام الأسد والابن سورية ملجأ للهاربين من العدالة الدولية، أو عدالة بلدانهم، فآوى مجرمين متهمين بارتكاب أعمال إرهابية أو جرائم ضد الإنسانية، بدءً بالمجرمين النازيين الملاحقين من محاكم نورينبورغ، مروراً بكارلوس وعبد الله أوجلان، وهاربين من لبنان لارتكابهم أعمال إرهابية كعلي عيد وشاكر العبسي وقيادات فتح الإسلام وصولاً إلى إيواء منظمات إرهابية ودعمها كالقاعدة (قبل انقلابها عليه) والميليشيات المتطرفة الشيعية، وغيرها كثير.
أخيراً
وضحت الورقة ذهنية الحكم الاستبدادي في سورية، فوحده العارف بغياب شرعية حكمه، والذي يقرر اعتماد الإجرام لتثبيت طغيانه، من يبادر من الأشهر الأولى لاغتصابه للسلطة لوضع قوانين تجعل من المستحيل حتى على أعلى المستويات في الدولة، وليس فقط على المجتمع، منعه من التوغل في الإرهاب، ومحاسبته على جرائمه.
وهو ما يستمر في سورية حتى اللحظة، حيث يقوم الطاغية بالتوقيع على معاهدات تمنع محاسبة دولة أخرى تقصف المدنيين، والممتلكات العامة والخاصة (روسيا، إيران). ويستمر التوكيل بالقتل، وحماية القاتل من تبعات فعله (إن كان دولة، أو ميليشيات) طالما أن ذلك، من وجهة نظر الطاغية، يعني استمرار حكمه اللاشرعي.
وفي استمرار حماية القتل العام مؤشر، من عدة، يوضح أن لا شيء تغير على صعيد سلطة الإجرام في سورية، ما يؤكد أن الحديث الدولي عن مفاوضات معها عبثي، بالإضافة إلى أنه غير أخلاقي، وغير قانوني من كل بد. فليس هناك من أسبقية لإجراء تسوية مع طاغية لم تتعدى أسباب إجرامه الواسعة حدود شخصه.
بعد كل ما سبق هل يمكننا أن نتساءل لماذا سورية هي أرض الإفلات من العقاب؟ ليس للمجرمين السوريين فحسب، بل لكل مجرمي العالم. وهل يمكن أن نتساءل لماذا كل هذا الإجرام الفظيع من النظام وأتباعه، والقوى والميليشيات التي تدعمه؟ وهل يمكن أبداً حل الوضع في سورية فبل إنهاء مشكلة الإفلات من العقاب؟
وهل يمكن أن يتم السماح لجرمين هاربين من العدالة أن يقوموا أو يشاركوا برسم مستقبل سورية؟
وهل يمكن أن نبدأ ببناء سورية المدنية الديموقراطية قبل عزل ومحاكمة المجرمين لتهدئة النفوس ووقف مشاعر الانتقام واستيفاء الحق بالذات عند عجز آليات العدالة أن تطال المجرمين؟
إن أول خطوة يجب اتباعها اليوم قبل أية مفاوضات وتسويات وتسويفات وجولات دبلوماسية أخرى هي إحالة مرتكبي الجرائم إلى العدالة ورفع أي نوع من الحماية عن أي شخص عند ارتكابه للجرائم.