on
Archived: مرح البقاعي: بين الشرّين… التفكيك والفدرلة!
مرح البقاعي: الحياة
تظهر الناطقة الرسمية باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، بحسنها الفظّ على الشاشة، لتحذّر وزير الخارجية الأميركي جون كيري، من مغبّات ترديده إمكانية اللجوء إلى الخطة ب المُحتملة في سورية بحسب الرؤية الأميركية، والتي وردت في شهادته أمام الكونغرس عن الوضع القتالي في الساعات الأولى من سريان تنفيذ القرار الأممي 2268 المتعلق بوقف الأعمال العدائية على الأراضي السورية. هذا وقد بدأت الأطراف الموافقة عليه بتنفيذه يوم الجمعة في 26 شباط (فبراير) الماضي، أي باقتراب دخول العام الخامس على عمر الثورة السورية الماجدة.
الخطة ب التي يلوّح بها الأميركيون في وجه روسيا ليست سوى إرهاصات أولية غامضة عن إمكانية اللجوء إلى تقسيم سورية إذا ما فشلت الجهود الأممية في تثبيت الهدنة التي سجلت المعارضة في الأيام الأولى منها عشرات الاختراقات والغارات الجوية من قبل النظام والطيران الروسي في المناطق التي شملتها بنود القرار الدولي، حيث لا تتواجد مقرات لداعش أو لجبهة النصرة اللذين لم تشملهما الهدنة حيثما وجدا.
فروسيا تريد تثبيت نقاط تقدّم النظام التي وصل إليها مؤخراً بغطاء كثيف من الغارات الجوية، واستعاد بواسطة الإسناد القتالي على الأرض من حليفيه الإيراني والروسي مساحات إضافية كانت في قبضة المعارضة طيلة العامين الأخيرين. إلا أن ما لا تريده موسكو، بل تحاول تجنُّبه، هو المزيد من الإيغال في حربها على سورية لفترة قد لا تتحمّلها سياسياً ولوجستياً. لذلك نراها مستاءة من تلويح أميركا بخطتها البديلة، وإيحائها بأن وقف العمليات العدائية قد ينهار في أية لحظة، وستكون أميركا حينها جاهزة لتنفيذ التقسيم على طريقتها ووفق معاييرها المرسومة لإحداثيات المستقبل الديموغرافي في سورية والمنطقة بأسرها بما يناسب غائيّتها السياسية.
جون كيري لم يتلفّظ في شهادته أمام الكونغرس بمصطلح التقسيم Partition، بل استعاض عنه بمصطلح التفكيك Dismantle الذي غالباً ما يكون في تطبيقاته السياسية أخطر من التقسيم نفسه! فالتفكيك يطاول النسيج الاجتماعي والبنية التحتية البشرية للبلد، ويكاد يقترب تشريحياً من حالة الجسد الميت سريرياً الذي بدأ يتفسّخ نتيجة لانسداد شرايينه وتوزع الخثرات الدموية في أطرافه.
سارع الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية الأميركية في اليوم التالي بترجمة مدلولات الخطة ب لرأس الديبلوماسية الأميركية على أنها تحمل نوعاً من الضغط على الأطراف المشاركة في العمليات القتالية لحضّها على احترام الهدنة خوفاً من تفكّك سورية إذا ما فشلت الأطراف المعنية، وعلى رأسها القوات الروسية، في تثبيت وقف الطلعات الجوية العدائية التي تكاد تنحصر إثر تهاوي الطيران الحربي النظامي بمقاتلات السوخوي تجوب عرض الأجواء السورية وطولها، دونما حسيب أو رادع، حاملة شرّها المستطير الذي لم تنجُ من حقده حتى المستشفيات المدنية.
ومن المضحك المبكي أن الحسناء الفظّة، ماريا زاخاروفا، تطل علينا من جديد إثر إعرابها عن سخط بلادها على تصريحات كيري بما يسيء، بحسب ادعائها، لمساعي دولتها بتثبيت الهدنة، لتصرّح بأن «روسيا تدعم الفيديرالية في سورية إذا جاءت قراراً يتخذه الشعب السوري»! ففي الوقت الذي ترى موسكو أن سورية الفيديرالية ستكون طوق النجاة من الفأل الأميركي السيء بالتفكّك، تجد واشنطن في اللجوء إلى التقسيم طريقة للانتهاء من الحكم الشمولي بخروج بشار الأسد من الرئاسة وانكفائه لحكم كانتونه المدعو اصطلاحاً «سورية المفيدة»، بينما تتشكل حكومة مركزية صورية تدير العلاقات بين «الدويلات» التي ستؤول إليها سورية إثر تفككها.
فهل حقاً سينحصر الخيار الجديد للسوريين، بعدما كان يتراوح بين القبول باستمرار الأسد بطغيان آلته أو الخضوع لسكّين داعش بظلامية أقداره، بخيار أبلغ بؤساً بين التفكيك أو الفدرلة؟ ألا يستحق الشعب السوري بعد كل تلك العذابات الجهنمية، قهراً وتشريداً وتنكيلاً وموتاً مجانياً، أن ينعم بدولته الوطنية المرتجاة التي لم يتعرّف إليها للأسف إلا لفترة وجيزة جداً في عمر الدول إثر الاستقلال عن الانتداب الفرنسي، وهي فترة حكم شكري القوتلي التي أطاحها انقلاب العقيد حسني الزعيم في 1949؟
فصل المقال أنه على رغم كل هذا العسف ما زالت هناك فسحة أمل نحن السوريون محكومون بها، إنه أمل العودة إلى الحراك المدني السلمي كما كان حال الثورة في ريعانها حين خرج السوريون إلى الطرقات رافعين أغصان الزيتون وزهور القرنفل واللافتات التي تقول: الشعب يريد إسقاط النظام! فبالتوازي مع الفرصة التي تمنحها الهدنة لإدخال المساعدات الإنسانية إلى المناطق المنكوبة والمحاصرة، فإنها توفّر مناخاً، بلا أزيز رصاص وآهات ثكلى وتضوّر أطفال، لإعادة إحياء المظاهر السلمية للثورة. وإنَّ غداً لناظره قريب.